تقديم

لقد فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء الله من المغيبات ومما سيستجد في الحياة، لذا كثرت الأحاديث التي تخبر بما سيقع في آخر الزمان، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فتن ستقع كقطع الليل المظلم تأكل الأخضر واليابس، وتعم الجميع ويَندَرسُ الإسلام ويَعِفَّ رَسْمه وتمحى معالمه، ويتبع المسلمون من كان قبلهم من اليهود والنصارى شبراً بشبر وذراعاً بذراع. وأخبر أن الرجل ينسلخ من دينه كما ينسلخ من ثيابه، ويتداعى أعداء الدين على هذه الأمة كما تتداعى الأكلة على قصعتها. إذن هي مصائب تلو مصائب وهمُّ وغمُّ يؤرق نفس الداعية المربي النبي المرسل المخبر بصدق عن الله تعالى.

وبين هذه المحن المخبر بها يأتي الخبر أن الدِّين لن يموت، ونور الإسلام لن ينطفئ وأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرة إلى قيام الساعة، يعملون على نصرة الدين ويحيون ما آماته الناس من سنة سيد المرسلين.

قوم نذروا حياتهم لمواصلة طريق تركه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائرين على خطاه، ممتطين سنته آخذين بنهجه مستبشرين بوعده.

قوم يتمنى الواحد أن يكون منهم وفي صفهم ويحمل شعارهم ويندرج في سلكهم عسى الله أن يحشره معهم.

كيف لا يطير لبّ المسلم المؤمن لما يعلم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم تمنى وودَّ أن يراهم؟

بين التمني والإخبار

لقد اشتاق إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمنى رؤيتهم لما لهم من نفع سيقدمونه للإسلام ودعوة الإسلام وعزة الإسلام.

جاء في الحديث المرفوع: “عَنْ أبِي هُريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الْمَقْبرَة فقال: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إن شَاءَ الله بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قد رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا”. قالوا: أو لسنا إِخْوَانَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: “أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لم يَأْتُوا بَعْدُ”. فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ من لم يَأْتِ بَعْدُ من أُمَّتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فقال: “أَرَأَيْتَ لو أَنَّ رَجُلًا له خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بين ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِفُ خَيْلَهُ”؟ قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قال: “فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ من الْوُضُوءِ وأنا فَرَطُهُمْ على الْحَوْضِ ألا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عن حَوْضِي كما يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ ألا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قد بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا””.

جاء في (لسان العرب):

الودُّ: مصدر المودَّة. ابن سيده: الودُّ الحُبُّ يكون في جميع مَداخِل الخَيْر؛ عن أَبي زيد.

ووَدِدْتُ الشيءَ أَوَدُّ، وهو من الأُمْنِيَّة؛ قال الفراء: هذا أَفضل الكلام؛ وقال بعضهم: وَدَدْتُ ويَفْعَلُ منه يَوَدُّ لا غير؛ ذكر هذا في قوله تعالى: يَوَدُّ أَحدُهم لو يُعَمّر أَي يتمنى. الليث: يقال: وِدُّكَ وَوَدِيدُكَ كما تقول حِبُّكَ وحَبِيبُك.

وقال الشاعر:

وَدِدْتُ وِدَادَةً لوْ أنَّ حَظِّــي ** مِنَ الخِلاَّنِ أنْ لاَّ يَصْرِمُونـــي

وجاء في (لسان العرب):

الأَخُ من النسَب: معروف، وقد يكون الصديقَ والصاحِبَ.

وكما يطلق الأخ على الأخ في النسب والقرابة يطلق كذالك على الصاحب في كل شيء. ومن تجمعك معه صلة مثلا في العشيرة والقبيلة كقوله تعالى: وَإِلى عَادٍ أخَاهُم هوداً (الأعراف 65) أو الديانة والشريعة كقولك: يا أخا الإسلام، وكقوله تعالى: فإخوانكم في الدين (التوبة 11). أي العمل وأي مشروع يجمعكم كقولهم: إخوان العزاء وإخوان العمل وما أشبه ذلك إنما يريدون أصحابه وملازميه.

وكما يجمع الإخوان في طريق الهداية كذالك يطلق علهم في الغواية والضلالة. قال تعالى: وإخوانهم يمدونهم في الغي (الأعراف 202). يعني إخوانهم الشياطين لأن الكفار إخوانهم الشياطين.

وأكثر ما يستعمل الإخوان في الأصدقاء والإخوان في الولادة.

وقال أهل البصرة: الإخوة إذا كانوا لأب، والإخوان إذا لم يكونوا لأب. وفيه نظر: لأنَّ الله تعالى قال: إنَّمَا المومنون إخوةٌ (الحجرات 10). ولم يعن النسب وقال جل شأنه: أو في بيوت إخوانكم (النور 61). وهذا في النسب. وعليه يقال في النسب وغيره إخوة وإخوان.

وذكر الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى:

الأخ: الأصل أَخَوٌ وهو المشارك آخرَ في الولادة من الطرفين أو من أحدهما أو من الرضاع. ويستعار في كل مشارك لغيره في القبيلة أو الدين أو صنعةٍ أو في معاملة أو في مودة وفي غير ذالك من المناسبات، قوله تعالى: لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم [آل عمران 156]. أي لمشاركهم في الكفر. وقال سبحانه: إنما المومنون إخوة [الحجرات 10].

إننا من خلال هذا الحديث نرى كيف جاء هذا الإخبار في المقبرة حيث الموتى راقدون، كأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم تذكر أجله وتذكر أمر أمته وتذكر ما أراه الله تعالى من الفتن التي ستهجم على هاته الأمة، وتذكر كذالك أن هناك عاملون مخلصون متبعون محبون سيعملون على استكمال الطريق والتصدي لهذه الفتن الهائجة المائجة.

وتذكر أنه صلى الله عليه وسلم يكون قد انتقل إلى الرفيق الأعلى هو وأصحابه من بعده، هناك يكمن التمني، آه لو كنت معهم أسددهم وأقوي عزائمهم وأطمئنهم، كما كان يفعل مع صحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم.

ثم تأخذنا الكلمات إلى التعجب الصحابة وسؤالهم، أولسنا إخوانك يا رسول الله؟

كأنهم رأوا فضل هؤلاء المخبر عنهم فتمنوا أن يكونوا هم، فقال صلى الله عليه وسلم: “لا أنتم أصحابي”، وفرق بين الصاحب والأخ.

ـ أخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ليتني قد لقيت إخواني، قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بلى، ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ويصدقونني تصديقكم وينصرونني نصركم، فياليتني قد لقيت إخواني”.

ـ وأخرج أحمد والدارمي والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم “عن أبي جمعة الأنصاري قال: قلت يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجراً؟ آمنا بك واتبعناك. قال: “ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون بي ويعملون بما فيه أولئك أعظم منكم أجراً””.

من هم إخوان الرسول صلى الله عليه وسلم؟

إن من يقرأ تلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحق له أن يسأل هذا السؤال، ولربما استخرج الجواب من حديث أو حديثين، وربما اكتفى وقال: هم الذين يؤمنون به ولم يروه. وتقف هنا العبارة وينتهي الحديث ويزول الإشكال ويقول أنا منهم لأني أؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أراه، هكذا ببساطة ينتهي الأمر. كل من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره فهو من إخوانه، إذن ما أكثرهم اليوم، والشوارع غاصة بهم والمنتديات والمقاهي تعج بهم، فالمسلمون اليوم على ما بهم من شتات وانسلاخ عن الدين إلا أنهم يؤمنون بالله ورسوله حقاً وصدقاً، ولكن أصبح هذا الإيمان فطرياً إذ لا يدعمه عمل ولا يصدقه شيء من اتباع الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. طبعاً من كان هذا حالهم ليسوا هم من أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم.

إذن ليس كل من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره فهو يعد من إخوانه، بل هناك معايير وصفات لهؤلاء الإخوان المخبر عنهم.

أخرج البزار وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “”انبئوني بأفضل أهل الإيمان إيماناً؟” فقالوا يا رسول الله الملائكة، قال: “هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها”، قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله بالرسالة والنبوة، قال: “هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها”، قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال: “هم كذلك وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة”، قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: “أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني ويصدقونني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً””.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: “أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: “ما من ماء ما من ماء”؟ قالوا: لا. قال: “فهل من شن؟” فجاؤوا بالشن، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يده عليه ثم فرق أصابعه، فنبع الماء مثل عصا موسى من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا بلال اهتف بالناس بالوضوء”، فأقبلوا يتوضأون من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت همة ابن مسعود الشرب، فلما توضأوا صلى بهم الصبح، ثم قعد للناس فقال: “يا أيها الناس من أعجب الخلق إيماناً”؟ قالوا: الملائكة. قال: “وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر”! قالوا: فالنبيون يا رسول الله. قال: “وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء”! قالوا: فأصحابك يا رسول الله فقال: “وكيف لا تؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني أولئك إخواني””.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والحاكم عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذ طلع علينا ركبان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كنديان أو مذحجيان حتى أتيا”، فإذا رجلان من مذحج فدنا أحدهما ليبايعه، فلما أخذ بيده قال: يا رسول الله أرأيت من جاءك فآمن بك واتبعك وصدقك فما له؟ قال: “طوبى له” فمسح على زنده وانصرف. ثم جاء الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك؟ قال: “طوبى له ثم طوبى له” ثم مسح على زنده وانصرف”.

إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤمنون برسول الله ولم يروه طبعاً. ونعني بالإيمان، الإيمان الذي يدفع صاحبه إلى الإتباع. فهم يؤمنون به ويتبعونه فيما جاء به آخذين قول الله تعالى مأخذ الجدِّ: ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُم عنه فانْتَهُوا [الحشر 7].

سالكين نهجه مقتفين أثره متبعين سنته لا يزيغون عنها ولا يبتدعون فيها، وهم مع ذلك لهم همٌّ يعيشون ويتهممون به، ألا وهو همُّ المسلمين وهمُّ الأمة والدعوة والرسالة المحمدية.

أليس هم على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن ما يؤرقه يؤرقهم، وما كان يتهمم به يتهممون به.

إضافة إلى إيمانهم اليقيني بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أنهم يرفعون شعار دعوته ويواصلون نشر رسالته بين الناس رافعين راية الإسلام عالياً وينصرون الله ورسوله ويذودون عنه صلى الله عليه وسلم في زمن شحَّ فيه العاملون المخلصون.

في وسط جو عاتم يعمل هؤلاء ويغمسون أيديهم في الطين على رغم قلة الوسائل وتكاثر الأعداء ومحاصرة المتربصين فهم يشقون الطريق ويستسهلون الصعاب ليدعوا إلى الله تعالى ويعلمون الناس دينهم ويربوهم على معاني الدين الحق حتى يغرسوا بذرة الإيمان في قلوبهم.

عن أبي أمية الشيباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: “كيف تصنع بهذه الآية؟. قال أيَّةُ آية؟ قلت قول الله تعالى: “يأيها الذين آمَنُوا عَلَيْكمْ أنفسكُم لا يَضُرُّكم منْ ضلَّ إذْ هَدَيْتُمْ” (المائدة 105). قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “بل اأتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام فإنَّ من ورائكم أيام الصبر الصبر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل اجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم”، قيل يا رسول الله: أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: “بل أجر خمسين منكم”” 1 .

استغرب الصحابة الكرام عندما سمعوا هذا الحديث كيف يكون لهؤلاء أجر خمسين رجلاً فسألوا أمِّنا أم منهم؟ قال لا بل منكم. فزاد استغرابهم.

ـ إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم من آمنوا برسول الله حقاً وكانوا أشد له حباً ، يودُّ أحدهم أن يراه ولو أنفق ماله وعمره كله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أشد أمتي لي حبّاً ناس يكونون بعدي، يودُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله” 2 .

حبهم هذا متولد من شدة إيمانهم واتباعهم له وتفانيهم في خدمته وخدمة رسالته.

ولاحظ بين يَود!ُ في هذا الحديث وبين وددت لو رأيت إخواني في الحديث الأول، ستجد أن الحب متبادل وأن الكل تواق ومشتاق للآخر الكل منهما يود ويحب.

ـ من الطبيعي أن الأخ ينصر أخاه ولا يعاديه، فمن أبرز سمات إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ندبوا أنفسهم لنصرة الإسلام وإعلاء رايته والدعوة إلى الله تعالى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح” 3 .

وجاء في حديث عمير ين هانئ أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تزال طائفة من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك” 4 .

ـ إنك تتوق لمن يكمل طريقك من بعدك، فلهذا سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تربية الصحابة الكرام وتكوينهم وتعليمهم ليواصلوا الطريق بعده، ولكن بعدما يرحل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه للرفيق الأعلى، وتحل الفتن، ويقل الصاحب والناصح، ويهجم الشر ويغرس أنيابه في الأمة، ويصبح الإسلام في عالمه وبين أبنائه غريبا، إذن من لهذه الغربة حتى يخرج الإسلام منها، هنا يأتي دور إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين سيتكلفون كل المشاق غير مبالين بأي عناء متحملين مسؤولية الدعوة إلى الله ونصرة رسوله.

عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء، قيل ومن الغرباء؟ قال: النزَّاعُ من القبائل” 5 .

وعن عبد الرحمن بن سَنَّة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “”بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء”، قيل يارسول الله ومن الغرباء؟ قال: “الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده ليحازَنَّ الإيمان إلى المدينة كما يحوز السيل، والذي نفسي بيده ليأرزنَّ الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأزر الحية إلى جُحرها”” 6 .

الغرباء هم جمع من أماكن شتَّى جمعهم الإيمان وجمعتهم الدعوة إلى الله ووحدت صفوفهم وربطت بين قلوبهم لا إله إلا الله، ويصلحون إذا فسد الناس.

سموا بالغرباء لغربتهم في مجتمعهم، إذ مال المجتمع إلى تقاليد النصارى وترك تعاليم الإسلام والتعلق بغير الله تعالى.

كونك في زمن لا يصلي فيه غيرك غريب. ولا يدعوا للقرآن فيه غيرك غريب. ولا يذكر الله فيه غيرك غريب. ولا يدعوا للإسلام فيه غيرك غريب. ولا يقاوم الجور والفساد ويناهض الاستبداد فيه غيرك غريب. ولا يبيع دينه بعرض من الدنيا فيه غيرك غريب.

غرباء يحملون في صدورهم إيماناً بالله تعالى وحباًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونهجهم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم على ضوئها يسيرون، وعلى نهجها يقتفون ويدعون إلى الله تعالى، ويصلحون ما أفسد الناس من الدين والقيم ويحيون ما أمات الناس من السنة، ويعيدون ما طمس الناس من عزِّ الأمة وما أضاع المتسلِّطون من خلافة الأمة.

هم من يجدد الله بهم الدين

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” 7 .

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لكل قرن من أمتي سابقوه” 8 .

إنه بقدر الشوق الذي يحمل المرء على تمني الكينونة من إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقدر حجم المسؤولية التي فوق كواهلهم، إنهم يا فلان قوم ابتعثهم الله لكي يجددوا الأمة وينصروا الدين. ويصلحوا الفساد ويحاربوا الظلم وينشرون العدل ويؤسسوا في المجتمع المسلم مبدأي العدل والإحسان، اللذين غابا عن الأمة دهراً طويلا منذ أن غابت خلافة الإسلام، وتولى السيف مقاليد الحكم، وغابت الشورى وشوهت البيعة، وانتقضت عرى الإسلام عروة عروة، فكان واجباً على إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحيوا هاته العرى عروة عروة، حتى يستقيم أمر هذا الدين إن شاء الله تعالى.

إن من يتقاعس عن دعوة الله تعالى ونصرة دينه والسير على خطى نبيه صلى الله عليه وسلم للقب إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد منه بعد السماء عن الأرض، إذ أن العبرة ليست في أنك تؤمن برسول الله ولم تره، ولكن العبرة في أنك تؤمن به غيباً إيماناً يقينياً كأنك واحد من أصحابه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه وساندوه في دعوته وبلغوا رسالته وتحملوا معه مشاق الطريق وفدوه بالنفس والنفيس.

وأنا فرطكم على الحوض

عن أنس رضي الله عنه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع بصره متَبَسِّماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: “لقد أنزلت علي آنفاً سورة”، فقرأ: “بسم الله الرحمن الرحيم إنَّا أعْطيْنَكَ الكوثر فصلِّ لربِّكَ وانحر أنَّ شانئَكَ هُو الأبْتَر“. قال: “أتدرون ما الكوثر”؟ فقلنا: الله ورسوله اعلم، قال: “فإنه نهرٌ وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيُخْتَلجُ العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول ما تدري ما أحدث بعد”” 9 .

وفي روايات أخرى قال صلى الله عليه وسلم: “وإنه سيحال بيني وبين أقوام من أمتي فأقول إنهم من أمتي فتقول الملائكة: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك لقد غيروا وبدلوا، فأقول سحقاً بعداً”.

نعم كانوا من أمته، مؤمنين به، ولكن غيروا وبدلوا وما حفظوا الأمانة وأضاعوا الشريعة وانتهكوا الحرمات.

سحقاً بعداً لمن غير وبدل وحرف واتبع غير طريق الله تعالى ونهج رسوله صلى الله عليه وسلم. كيف يكونون إخوانه وكيف يلقاهم على الحوض؟ وهو وعد أصحابه وإخوانه باللقاء أمام الحوض قائلا وأنا فرطكم على الحوض.

خلاصة

إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اشتاق إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمنى رؤيتهم في الدنيا هم من اتسمت فيهم هذه الصفات:

1ـ آمنوا بالله تعالى ورسوله غيباً كأنهم حضروا معه وصاحبوه يؤمنون بالغيب (البقرة 3) كل الغيب الذي ثبت عنه صلى الله عليه وسلم. إيمانهم إيمان جازم يقيني صادق يدفع إلى البذل والجهاد والفداء.

2ـ هم في كوكبة الصحبة ممتدة من الرعيل الأول والتي لا تنتهي بهم إلى قيام الساعة.

3ـ يدعون إلى الله تعالى ويجاهدون في سبيله ويصلحون إذا فسد الناس وما أفسد الناس، فهم الطليعة المجاهدة التي تأخذ زمام المبادرة والدعوة إلى الله تعالى.

4ـ يحيون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت وكل حين. السنة التي آماتها الناس عامتهم وخاصتهم حاكمهم ومحكومهم.

5ـ الحب الشديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يبذلون النفس والنفيس من أجل رضاه ومحبته ولهم شوق دائم إلى رؤيته صلى الله عليه وسلم.

6ـ يتميزون من بين الأدعياء بتمسكهم بالمنهاج النبوي الرشيد.

7ـ هم الغرباء ومن يجدد الله بهم الدين في كل عصر.

8ـ عمَّار للمساجد مقيمون للصلاة، سيماهم في وجوههم من أثر السجود.

والحمد لله رب العالمين. اللهم اجعلنا منهم ومعهم وفي طريقهم في الدنيا والآخرة يا رب العالمين.


[1] أخرجه الترمذي.\
[2] رواه مسلم.\
[3] أخرجه أحمد في المسند.\
[4] أخرجه البخاري.\
[5] أخرجه الترمذي.\
[6] أخرجه أحمد وأخرج بعضه مسلم وابن ماجة في الفتن.\
[7] أخرجه أبو داود.\
[8] أخرجه أبو نعيم في الحلية وصححه الألباني.\
[9] رواه احمد ومسلم.\