نحو نظرية سياسية متكاملة

هنا سنقف على نموذجين، بشكل مركز، في محاولة لاستشراف نظرية سياسية تناسب الحركة الإسلامية، وتفتح أفق إعادة بناء هذه الحركة على قواعد تجديدية تليق بحجم المشروع الذي تحمله وبالغاية التي تعمل لأجلها.

فقد شكل الموقف التاريخي الذي قاده “الإخوان المسلمون” في مصر بعد الانقلاب العسكري على ثورة 25 يناير كأداة مناسبة لإنجاز مؤامرة الثورة المضادة، لحظة فارقة في تاريخ الأمة.

ففي الوقت الذي أدت فيه الحركة الإسلامية في مصر ثمنا باهظا، لعدم توفرها على نظرية سياسية متكاملة وخوضها معركة مصيرية شاملة في لحظة تاريخية حاسمة دون هذه الأداة الضرورية، حقق الموقف الإنساني من الثورة المضادة إنجازا كبيرا، حيث أنهى هذا الموقف هيمنة ثلاث نظريات – متجاوزة منذ مدة لكنها ما زالت هي الفاعلة، بل هي العائق – على التفكير السياسي لدى غالب الحركة الإسلامية السنية، وهي نظرية توريث الحكم، ونظرية المستولي بالسيف، ونظرية الاستلاء على الحكم عبر الانقلاب العسكري.

نعم، هناك اختناق سياسي حاد في المجتمع المصري، لكن ما هو استراتيجي يؤكد أن الحركة الإسلامية حققت مكسبا عظيما على هذا المستوى لا شك ستكون له ارتدادات وآثار على جميع الأقطار العربية والإسلامية، لأن محنة الحركة الإسلامية في مصر ستُخرج منها قيادات واعية جدا بالمدخل الحقيقي للتغيير الإسلامي، خاصة “الإخوان المسلمون” نظرا للرصيد الذي خلفه في بناء الحركة ومعناها الإمام البنا رحمه الله، لأن هذه القيادة ستنفتح ضرورة على آفاق من خارج تجربة الحركة الإسلامية في مصر، وساعتها سنكون أمام تحول جوهري في حركة المجتمعات العربية والإسلامية.

لذلك نعرض هنا بشكل مركز لنموذجين إسلاميين أمام هذا التحول الجوهري والتاريخي الحاصل، حتما، وإن استغرق وقتا طويلا، في صفوف الحركة الإسلامية المعاصرة حيث تظهر اليوم الإخفاقات السياسية الكبيرة بنسبتها للبشر، وما هي إلا عمليات تصحيحية بالقدر.

النموذج الأول: نظرية ولاية الفقيه في تجربة الثورة في إيران

وهي النظرية السياسية التي نظمت المعارضة لنظام الشاه في إيران ثم أقامت نظاما سياسيا حكم وصمد لحد الآن بعد الثورة التي قادها الإمام الخميني على هذا النظام.

فمن الأخطاء الجسيمة التي وقعت فيها غالبية الحركة الإسلامية في العالم العربي أن تفاعلت سلبا مع هذه الثورة، مما أدى إلى غلبة الموقف الوهابي منها في لحظة امتداد آثارها خارج حدود إيران، خاصة مع عمل الغرب على تقويض هذا الامتداد ومحاولة قطع جذوره ابتداء لما دعم وأغلب الدول العربية حرب صدام حسين على إيران لمدة ثماني سنوات، وقد كانت حربا ضارية ومدمرة.

وقد تجلى هذا التفاعل السلبي في صورتين، إما الانبهار ثم محاولة التقليد، وهذه كانت محاولات محدودة لم تؤد إلى نجاح معنى تصدير الثورة كما تبنته بعض القيادات الإيرانية ابتداء، وإما عدم تعميق الحديث والبحث في هذه الثورة كتجربة تاريخية كبيرة لتحصل الاستفادة منها كما يستفاد من جميع التجارب الإنسانية، وهو ما لم يحصل، مما شكل عامل ضعف كبير في ماسمي بالربيع العربي، لأن هذه اللحظة التي نهضت فيها الشعوب كان من المفروض على القيادات التاريخية أن تكون قربت الهوة بين إيران والعالم العربي، واستثمار الزحم الثوري الذي وفرته في العالم العربي والإسلامي، الأمر الذي كان سيقوض الجوانب السلبية في الثورة الإيرانية حيث ستظهر لها مصالح القوة والمنعة في المحيط العربي والإسلامي، خاصة لما حصلت انتصارات تاريخية واستراتيجية للمقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان، وفي نفس الوقت يوفر عامل قوة لنهضة العرب.

إن الزخم الثوري، المغذى شعبيا بنزعة مذهبية حادة وخارجة من كبت تاريخي عميق، لم تتح الفرصة لسماع العقل في تدبير العلاقة بتوازن كبير مع الشق الثاني للأمة، خاصة لما ووجهت الثورة من طرف زعماء العرب، الأمر الذي ترتبت عليه معاملة غير مقبولة اتجاه السنة في الداخل الإيراني، وهو ماعمق الهوة أكثر وكرس فقدان الثقة.

وقد تعقد الأمر أكثر لما تصدر المشهد بعد انحسار الربيع العربي التفكير والموقف الوهابيين، حيث تعلم القيادات الشيعية أن هذا التيار مازال يعمل بفتوى مقاتلة الشيعة أولى من مقاتلة الكفار، وأن امتلاكه لأي موقع القوة سيكون موجه لإيران، مما جمع كل تيارات ومذاهب التشيع لمحاربة هجوم الموقف التكفيري الذي لن يرحم شيعيا.

لقد كنا جميعا، نحن العرب والمسلمون، وفي فترات تاريخية متعددة، ضحايا غياب النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية في العالم العربي لما تصدرت المشهد المجتمعي والسياسي، وهو ما جعلنا لقمة سائغة لمن بنى أنظمته السياسية الكبرى على نظريات سياسية كبرى فوظفنا ضمن استراتيجيات هيمنته الكبيرة على العالم، ومن هنا كانت ثورة إيران فلتة تاريخية سيحرص الغرب على عدم تكرارها، لكن التاريخ يقول: إن الهيمنة على الجغرافيا لا تعني الهيمنة على التاريخ، ومن ثم لا تعني الهيمنة على الإنسان والكون، وهو ما يعني إمكانية تكرار هذه الفلتة في حجم أكثر قوة وتأثيرا في مسار التاريخ والكون، بل يمكن صناعة نهضة مكتملة الأركان وممتدة في الزمان تحرر العالم وتنصف المستضعفين في كل مكان، وهو ما سيكون مدخلا جديدا للعمل على لحمة الأمة وفق رؤية جامعة تكون قد قطعت مع التفكير الانشطاري سواء في الصف الشيعي أو الصف السني، وهذه مسيرة أجيال لا بد أن تمر من معناة وصدمات عديدة حتى تصل إلى هذا المستوى من الوعي المصحوب بإرادة عملية حرة.

فمن الواضح أن الإمام الخميني كان الرجل المحوري في تطوير نظرية ولاية الفقيه وتنزيلها عمليا من خلال استراتيجية معارضته لنظام الشاه واستراتيجية إنجاز الثورة وترسيخ أركان نظام سياسي مستقل قاوم حرب صدام المدعومة من طرف دول عربية وغربية، وقد كانت حربا عاتية وضارية استهدفت قتل الثورة في مهدها مضافة إلى حجم العمل الداخلي الموجه ضد القيادة الجديدة للثورة حيث في ظرف وجيز ثم اغتيال أغلب وأهم قيادات هذه الثورة.

طالع أيضا  تقديم "نظرية الدعوة والدولة"من خلال مأزق النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة (5)

ليس هنا مقام الوقوف على بعض أخطاء الثورة في إيران، ولا مناقشة ما آلت إليه هذه الثورة منذ 1989، لأن فقدان أكثر من 75% من أهم قيادات الثورة في أقل من ثمانية أشهر بعد قيامها يشكل مبررا مضافا إلى حجم التحديات التي واجهتها في مهدها ولا نصير لها في الخارج، لكن المقصود بيان مضمون هذه النظرية لندرك أن إيران الثورة لم تصبح قوة إقليمية في طريقها إلى قوة دولية بمجرد أنها أسقطت حكم الشاه وتخلصت من كل تفاصيله وعبأت الشعب ضد حكمه، لكن لأنها، أي الثورة في إيران، كانت نتيجة تاريخية لمسار تاريخي ممتد في الزمن الإسلامي وعرف تقلبات هامة في البحث العلمي نحو بناء نظرية سياسية تخرج التشيع من نفق أزمة فكرية سيصبح معها الشيعة مجرد كم بشري منتظر ظهور الإمام المهدي كما يتصوره الشيعة، خاصة المذهب الإثني عشري.

تشكل قومة الإمام الحسين، رضي الله عنه، القاعدة النموذجية لحركة الإنسان الشيعي في الوجود الإنساني وسند ثورته ضد الظلم، ولذلك كان موقف الشيعة من الظلم موقفا جوهريا، لكن غيبة الإمام، كما يعتقدها الشيعة، شكلت فراغا فقهيا وسياسيا، خاصة أن للإمام وظائف متعددة؛ منها الفقهي والسياسي والتربوي والمجتمعي والاقتصادي والمالي، وغيرها من الوظائف، الأمر الذي فرض اجتهادات متعددة، قد تكون متعارضة وحتى خرافية في بعض الأحيان، لكن ما يهمنا هنا هو فكرة تولي الفقيه بعض مهام الإمام في انتظار ظهوره، وقد انحصر الأمر ابتداء في بعض الأمور الفقهية وما يدور في معناها، إلى أن طرحت قضية تولي الفقيه مهام الولاية العامة قياما بهذه المهام. وقد تطورت هذه الفكرة إلى أن صارت نظرية اكتمل نضوجها مع الإمام الخميني حيث اشتغل على قاعدتها التي مبتدؤها تصدي فقيه إمام ابتداء لهذا الأمر ليقيم الحكومة الإسلامية ثم يحصل الاستمرار بعده بناء على نظام عام عكسته الثورة من خلال دستورها الأول وما لحقه من تعديلات سواء زمن الخميني أو بعده.

فمقتضى نظرية ولاية الفقيه أن يتولى فقيه الحكم ويكون هو المرجع لكل الشيعة وهو رمز النظام ومرجعه من خلال الدستور وتشتغل في ظل ولايته العامة باقي المؤسسات السيادية والسياسية والمجتمعية.

لكن ما وقع أن ليس كل العلماء سلموا بهذه النظرية، ولذلك عرفت معارضة شديدة ومناقشة حادة من طرف كثير منهم، خاصة لما تم العمل على دسترتها وبناء كل تفاصيل النظام على قاعدتها، إلا أن صرامة الإمام الخميني وزخم الثورة وأفقها السياسي ساهم في تغليب خيار تبني النظرية بعد الثورة حيث استقطبت كما هائلا من علماء وطلاب الحوزات والجامعات، لأن الإمام الخميني تميز بتكثيف الاتصال والتواصل مع العلماء والطلاب وعموم الناس؛ سواء عندما كان مقيما في إيران أو لما نفي إلى العراق ثم إلى فرنسا حتى عاد قائدا لإيران بعد نجاح الثورة.

فقد كانت الأشرطة التي لا حديث للخميني فيها إلا في موضوع الثورة والتعبئة لها، منتشرة في كل مكان في إيران وبعض الدول المجاورة فضلا عن أوربا، وهو ما أسس لقاعدة بشرية متبنية للنظرية وواعية بأهميتها وأفقها والعمل لأجلها.

ومن المعلوم أن الإمام الخميني في مجمل خطاباته وحينما يتحدث عن القضايا السياسية أو الاجتماعية إنما يربطها بمستقبل الإسلام، مما عبأ الناس، خاصة العلماء والطلاب، على قاعدة جامعة تتمثل في أن الشاه خطر على الإسلام، ومن ثم فالثورة على الشاه إنقاذ للإسلام من خطر كبير سلم كل خيرات الشعب إلى الغرب، فضلا عن درجة التفسخ الأخلاقي التي تورط فيها القصر وكثير من رجالاته ومؤسساته.

إن نظرية ولاية الفقيه لما تم إحكامها ضمن سياق الموقف الإيجابي والصارم من الظلم، والوقوف مع المستضعفين ومقاومة المستكبرين وتحت قيادة جعلت قيادة الثورة في إيران في شخص الخميني قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات حاسمة، وواعية بالأفق الذي يجب أن يصل مدى الثورة إليه لما توفرت القاعدة المجتمعية والشعبية التي مكنت من السند الضروري للثورة، وهو ما وفر وضوحا كافيا في مراحل الثورة وما بعد الثورة وفي خطوط العمل التي ينبغي أن تتحرك من خلالها.

فنظرية ولاية الفقيه أخرجت الفكر السياسي الشيعي من نفق الغموض والارتباك الذي نتج عن وضعية الغيبة الكبرى، ومن ثمة كانت، في جوهرها، ثورة علمية كبيرة في الوسط الشيعي أثمرت قيام نظام سياسي كامل ومستقل وقوي.

لكن هل هذا يعفي هذه النظرية من السؤال حول مصيرها؟

طبعا لا، ولذلك سأقتصر هنا على بيان ملاحظتين كبيرتين حول هذه النظرية دون السقوط في مستنقع المناقشة المذهبية الطائفية المقيتة، حيث المراد هو البحث عن مخرج من واقع التمزق والتشرذم لا تعميقه.

الملاحظة الأولى

أنها نظرية غير قابلة للتعميم على العالم الإسلامي لكونها متعلقة أصلا وفصلا بمذهب بناء على امتداده التاريخي، وهو واقع انشطاري لا يسمح البتة بالجمع، مما يجعل حركة النظام السياسي الذي أقامته هذه النظرية محدود الأفق السياسي والعملي، وقد يؤدي في لحظة دقيقة من تاريخ الأمة إلى مواجهة عنيفة، وقد شاهدنا مع الثورة السورية حتى مع سلميتها كيف تحدت الإعلام الرسمي الإيراني أو الموالي له عن الحفاظ على النظام في سوريا حتى ولو أدى الأمر إلى انهيار الدولة والمجتمع، وهو ما حدث بالفعل وصعد من تدفق التيارات الوهابية والتكفيرية إلى سوريا والمشاركة في تسليح الثورة بشكل كثيف وحاد، وهو مضمون تصريح السيد خامنئي: “بشار خط أحمر”. الأمر الذي عبأ غالبية أهل السنة ضد إيران، بما فيها رد فعل أغلب الحركات الإسلامية، خاصة تيار “الإخوان المسلمون” الذي عانى بقسوة من النظام السوري.

طالع أيضا  تقديم "نظرية الدعوة والدولة"من خلال مأزق النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة (6)

فالدفاع عن شخص مقابل إرادة شعبية عامة في الحرية كان ضربة عميقة لنظرية ولاية الفقيه التي أصبحت اليوم تستند أساسا على القوة العسكرية بدلا من موقفها المعنوي من الظلم والدفاع عن المستضعفين، بل إن تحالف إيران المصيري مع نظام الأسد في سوريا سد الباب نهائيا على التغيير في هذا البلد، وهو ما كان النظام واعيا به فكان شرسا وعنيفا في الرد على الثورة في سوريا حتى أدخلها في دوامة العنف التي تدرك إيران أنه سيستنزف الثورة في مقابل تصعيد عملها الأمني والعسكري في سوريا حتى يصل إلى مناسبة ولحظة الحسم العسكري، مما سيطيل من زمن الوضع السوري إلى أن تحصل توازنات جذرية في المنطقة، وهو ما تحرص إيران على عدم السماح به فقامت بتدخلات مباشرة في الوضع في اليمن والبحرين وبعض المناطق الأخرى فضلا عن لبنان وغيرها، بل هو عامل عدم مساندتها للثورة المصرية لما تصدرها الإخوان المسلمون حيث حارب الإعلام الإيراني بقوة هذه التجربة في مهدها، وساند بوضوح الثورة المضادة في 30 يونيو ضد حكم مرسي الذي لم يستقر بعد، وقد استثمرت هذه الاستراتيجية الإيرانية الموقف الغربي، خاصة الأمريكي، في المنطقة وحرصت على كسب مصالح هامة حيث في هذه الظروف غيرت من استراتيجيتها التفاوضية حول ملفها النووي لفك الحصار الاقتصادي الذي تضررت منه كثيرا.

إن نظرية ولاية الفقيه لما اختزلت حركة الإسلام في المعنى التاريخي الضيق لحركة المذهب الإثني عشري خصوصا والتشيع عموما صنعت لنفسها فضاء التقوقع مهما امتد زخم الثورة في الزمن، ومهما امتلكت من وسائل القوة المادية، دون أن نغفل أن الفكر السياسي الشيعي، عموما، يمتاز بالتماسك لاستناده على موقف الإمام الحسين الذي يتمحور حول الوقوف مع المستضعفين.

لذلك يمكن الرهان على نضوج التجربة السنية وتخلصها من قبضة تفكير وفقه سياسيين تقليديين من جهة، وعلى حصول تطور إيجابي وجوهري في النظرية السياسية الشيعية من جهة ثانية، خاصة أن هناك تجارب هامة لدى علماء شيعة لم يسمح بتطورها زحم الثورة بقيادة الإمام الخميني؛ منها اجتهادات محمد باقر الصدر الذي أعدمه صدام، واجتهادات حسين فضل الله في لبنان وغيرهما، وذلك لفتح أفق القوة والوحدة من خلال بناء نظم سياسية كبيرة وجامعة ولها مؤهلات جمع عناصر القوة داخل المجتمعات الإسلامية وفق قواعد نبذ العنف والإقصاء والتكفير والتخوين وكل ما يؤدي إلى التمزق، ووفق مطالب الوحدة والتعاون على تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم والمساهمة القوية في بناء نظام عالمي منصف للمستضعفين.

وهو ما سيكون مرهونا بعاملين كبيرين في المنطقة:

الأول: استمرار، المقاومة الفلسطينية، خاصة حماس وجناحها العسكري كتائب القسام، في اتخاذ زمام المبادرة في مقاومة الكيان الصيهوني، وتفعيل استراتيجية التحرير الشامل الذي يجعل بوصلته القدس.

الثاني: نجاح الثورة بقيادة التحالف الإسلامي بقيادة “الإخوان المسلمون” في مصر، فضلا عن بلاد عربية أخرى، وهو ما سيشكل عامل توازن هام يعيد ترتيب المنطقة وفق معايير جديدة.

نعم، يمكن أن يُفهم الهجوم الاستباقي الذي قام به حلف إيران وحزب الله ونظام الحكم في العراق، وكل الشيعة، ضد التيار التكفيري الهاجم لا محالة على هذا المحور في ظروف تستهدفه القوى الغربية وحليفتها إسرائيل، لكن لا يمكن أن يفهم موقف سلبي لثورة شعبية من انتفاضة شعوب تطالب بالحرية والكرامة والعدل إلا بضيق أفق النظرية السياسية التي تحكم هذا الحلف في أحسن التبريرات. لذلك يمكن أن يشكل الضغط الواقعي على النتائج العملية لهذه النظرية في مجال العلاقة مع حركة الإسلام نحو الحرية إلى مراجعة علمية لنظرة إيران مع العالم العربي بقيادة سنية تضمن حقوق الشيعة، وتؤدي إلى تجديد هذه النظرية أو تجاوزها إلى أخرى بما يفتح أفق التعاون الإسلامي الحقيقي وبناء قوة إسلامية مؤثرة وموجهة لواقع العلاقات الدولية بما يخدم الإسلام والمسلمين وكل المستضعفين.

وهو ما يعني أن عملية تطوير نظرية ولاية الفقيه يجب أن تستهدف تغييرا جوهريا في مفهوم العلاقة مع أهل السنة ضمن الفقه والفكر السياسيين الشيعيين في سياق تعميق مفهوم الشورى العامة والاندماج المجتمعي عوض الاصطفاف والمحاصصة الطائفيتين في بناء الأنظمة السياسية والمجتمعية.

لكن ما يحدث اليوم من اللجوء إلى القوة العسكرية في إنتاج واقع جديد موال لإيران، سواء في سوريا أو اليمن أو العراق أو البحرين، وغيرها من المناطق، وتسخير قوة إعلامية هائلة لهذا الغرض بدعوى الحفاظ على محور المقاومة والممانعة، في الوقت الذي تتجه فيه إيران إلى تسويات مع الغرب في قضايا متعددة، من قبيل ملفها النووي، شكل عامل انشطار إضافي في الواقع الإسلامي وعمق مسافة عدم الثقة، وهو ما سيزيد من تقوقع نظرية ولاية الفقيه حيث ستعجز عن صناعة البديل عن حل الأزمات من دون عمل مسلح. وإذا أضيف هذا إلى منطق العنف الذي يعالج به الفكر التكفيري والوهابي، على العموم، العلاقة مع الشيعة والتشيع سيجعل العالم الإسلامي أمام مرحلة دامية ومدمرة بين المسلمين، خاصة حلف إيران وعرب الشرق الأوسط والخليج، لأن دول هذه الأخيرة ستلجأ إلى استعمال أو دعم العمل المسلح والعسكري لإضعاف الموقف الإيراني، دون أن ننسى أن واقع الإثنيات الذي أرق الثورة في إيران في بداياتها قد تتوفر عوامل تفعيله ونشاطه من جديد مما سيزيد من تأزم الوضع واستدعائه العمل العسكري.

طالع أيضا  تقديم "نظرية الدعوة والدولة"من خلال مأزق النظرية السياسية لدى الحركة الإسلامية المعاصرة (1)

وهذا ما سيؤدي إلى انقلاب جوهري في الثورة الإيرانية؛ إذ سيحولها من ثوة إسلامية ضد الظلم والاستكبار إلى عمل دولة محكومة بنظرية صارت محدودة الأفق وضيقة المجال حيث لاخيار لها إلا توظيف تضخم قوتها العسكرية إلى مدى ينقلها من نهضة مجتمعية إلى نظام فئة تقاتل من أجل أهداف ضيقة مهما كانت نواياها.

الملاحظة الثانية

الفقيه في نظرية ولاية الفقيه شخص يعتبر المرجع الفقهي والسياسي للدولة والمجتمع، وهذا يعد عنصر تقويض للنظرية، لأنها تختزل في شخص مهما كان ورعه وتقواه ونزاهته ويقظته وعلمه، ومهما جند من مؤسسات، ومهما كان حجم مؤسسات الدولة التي تشتغل معه وتحت توجيهاته، حركة المجتمع المعروفة بالتنوع والتعدد.

نعم تعد مؤسسات، من قبيل مؤسسة تشخيص مصلحة النظام، تعويضا عن هذا القصور الذي يمكن أن ينتج عن تولي شخص الفقيه الولاية العامة فقها وسياسة، لكن في الأخير هي مؤسسة من مؤسسات أجهزة الدولة وتحت إشراف الولي الفقيه.

فوضع مقاصد عامة تحدد مهام هذه المؤسسة ومثيلاتها ضمن دستور الدولة في إيران يمكن أن يقلص من حجم القصور الذي تتسبب فيه ولاية الفقيه من حيث هو شخص مرجع، لكن المشكل في كون هذه المؤسسات جزء من الدولة، وهو ما سيجعلها خاضعة لتقلبات الدولة وظروفها، وهوما ظهر جليا مع الثورة السورية؛ إذ تحكم في موقف دولة إيران حالةٌ ظرفية فرضتها ظروف سياسية بالمنطقة لها معنى استراتيجي بمنطق الصراع مع قوى متعددة معادية لإيران وليس بمنطق مستقبل الإسلام وأمة الإسلام. وهذا إشكال كبير ستظهر تجلياته العملية في المستقبل القريب إذ سيختزل كل النظام السياسي في إيران في مؤسسات الدولة التي تجد سندها فقط في حجم السواد الأعظم الذي يؤيدها، وإذا توافرت ظروف وقلصت من هذا السواد الأعظم الذي ما زال مرتبطا بزخم الثورة ستضطر هذه الدولة لوسيلة القمع للحفاظ على نفسها، وهو ما ظهرت مؤشراته بوضوح منذ 1989 ويبرز جليا خلال كل فترة انتخابات رئاسية وبرلمانية، إلا أنه من الواضح أن لا تهديد على المدى المنظور للثورة ونظامها السياسي، ولكنها تحتاج إلى عملية تجديد منفتحة وجامعة تطور نظرية ولاية الفقيه إلى صورة مؤسسات منتظمة بنظام الشورى وفي نفس الوقت تبني مؤسسات قيادية منتبهة لمصالح حركة الإسلام والمسلمين لا إلى مصالح الدولة في إيران وحلفائها فقط. ودون هذا التجديد سيتضخم المعنى القمعي والأمني والعسكري في إدارة القضايا الاستراتيجية والتدبيرية بدلا من نظام الشورى والقوة المجتمعية، وهو ما سيهدد وحدة النظام والمجتمع في إيران، ولا شك أن تفكيك إيران ليس في مصلحة الإسلام، كما ليس في مصلحة الإسلام تفكيك العراق وسوريا واليمن وغيرها من الدولة المهدة بالتفكك.

نعم يحتاج المجتمع إلى رمزية مرجعية في مساره التاريخي، لكن في نفس الوقت هذه الرمزية تصبح عائقا لحركة المجتمع إذا لم ينتظم معها المجتمع عبر مؤسسات قوية السند الشعبي والعلمي ومنظمة، أي حركة المجتمع، عبر نظام الشورى الذي لا ينبغي أن يختزل في لحظة انتخابية مهما كانت نزاهتها ساعتها.

يمكن في المجتمع الإيراني، خصوصا، وفي المجتمع الشيعي، عموما، تعويض هذا عبر واقع الحوزات العلمية والحسينيات الوعظية والتعبوية، لما يتمتع به هذا المجال من استقلالية كبيرة عن الدولة ودواليبها، ولما يخرج من قيادات علمائية لها حضورها المجتمعي بسبب علاقتها العلمية والتربوية والمالية مع الشعب في استقلال عن الدولة، لكن يجب أن ندرك أن هذا الواقع لا تغطيه نظرية ولاية الفقيه تصوريا واعتقادا، ومن المعلوم أن فكرة المرجعية الفقهية والسياسية التي تستند عليها نظرية ولاية الفقيه تصبح لاغية عمليا كنظام للدولة لما تكون مراجع متعدد ومتنوعة لها فئاتها ومقلدوها خارج إيران أو داخلها بين يدي ضعف الدولة مركزيا والتجائها إلى القوة العسكرية والقمعية في مواجهة معاريضها في الداخل والخارج.

وهو ما سيجعل هذه القوة العلمائية المجتمعية المتوفرة الآن والمستندة على قوة عسكرية هائلة قابلة للتمزق لما تصبح نظرية ولاية الفقيه مستندة مباشرة على القمع لفرض نفسها على الجميع، خاصة بعد تواري القيادات التاريخية الموجودة على هرم السلطة اليوم والتي أصبحت تتعرض لانتقادات حادة من طرف رجال علم وسياسة لهم وزنهم في المجتمع الإيراني، الأمر الذي يظهر عند مناسبة كل انتخابات رئاسية في إيران مضافا إلى التأييد الذي تقدمه إيران لشخصيات حتى ولو اتسمت بالديكتاتورية والقمع في حكمها مثل تجربة نوري المالي في العراق وبشار الأسد في سوريا وبعض الأنظمة العسكرية، وهو ما جعل القيادة الإيرانية مضطربة بشكل كبير في تعاملها في ما سمي بالربيع العربي، خاصة في مصر واليمن والعراق وسوريا.

نعم، كل المؤشرات تدلل على أن إيران أقوى من كل الأنظمة السياسية القائمة اليوم في العالم العربي والإسلامي، وأن استراتجياتها في الداخل والخارج أقوى مما تنجزه الأنظمة العربية الحالية، لكنها استراتيجيات غير قادرة على استيعاب المستقبل الإسلامي بحكم الشرخ الذي أصبحت تحدثه الآلة العسكرية الضخمة في الجسم العربي والإسلامي، وهو ما لن يصنع اي امتداد في هذا الجسم لأنه لن تصنع القوة العسكرية يوما الولاء، ولذلك لا خيار في هذا الباب إلا أن تتعامل إيران مع إرادة الشعوب لا مع إرادة من يعلن ولاءه لها من هذه الشعوب، وهم سيكونون دوما قلة مهما وفرت لهم إيران من الإمكانات.

إن نظرية ولاية الفقيه غير قادرة على إنجاز هذا المطلب لدى إيران، لأن الفقيه مرجع تدبيري في آخر المطاف ترتبط حركته المبدانية بالفتوى، ومن ثمة ستنفذ الحركات السياسية والمجتمعية الموالية لإيران حكما فقهيا لا استراتيجية تحررية شاملة.