هذه المقالة النقدية إهداءٌ، وتضامن مع الكلمة الشعرية الحرة المنيرة الملتزمة كلمة التقوى، الملاحقة في زمنٍ “الويلُ فيه لِمَنْ لم يُؤَاكِلْ أَو يَخِف”.

*************

يتم التأكيد في سياق المتابعة النقدية للأدب على اعتبار الإبداع موقفا من القضايا الاجتماعية والإنسانية والسياسية، إن لم نقل تجسيدا لها وحارسا على أبوابها. وفي هذا السياق، نبتت “شعرية الموقف” في أدبنا العربي نباتا حسنا، أثمر رؤية فنية اتصلت خيوطها بالسياسة والأوطان وقضايا التحرر والمقاومة… ولا غرو في ظل ذلك، إن وجدنا “الأديب العضوي” يؤدي الثمن، ويعيش في ملاجئ الملاحقة والتهميش، ويُحال بينه وبين الجماهير، وتُغلق دونه أبواب النشر، ويُزج به في دوائر اللوائح السوداء…

إِنْ يَنْهَبُوا هَذِي طَبِيعَةُ حُكْمِهِمْ *** أو يُرْهِبُوا فَمُــرَادُهُمْ أَنْ تَرْتَجِفْ
أَوْ يَمْكُرُوا بِمُعَارِضٍ ذَا كَيْدُهُمْ *** وَيْلٌ لَهُ إِنْ لَمْ يُــؤاكِلْ أَوْ يَخِفْ
1

وفي هذا المقال المقتضب، بسط وجيز لأهم سمات شعرية الموقف في شعر الأديب المغربي منير الركراكي، وسأرتكز في ذلك بالأساس على ديوانه الأخير نور من لهب في ربيع العرب) الصادر عن مطبوعات FOND DECOR MAROC الطبعة الأولى. ولا تستطيع هذه الأسطر أن تزعم لنفسها تقديمَ تدقيقٍ شاملٍ لكل تلك السمات. لذا سيتم الاكتفاء بالخيوط الآتية الناظمة لشعر الموقف في هذه التجربة الشعرية الأصيلة.

الخيط الأول في هذه التجربة أن الأستاذ الأديب منير الركراكي شاعرٌ يفكر بالشعر، ويحاضر به ويكتب تحت سقف سماء نظريةٍ في التغيير مهندسها الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله. ولا يعني هذا أن قصائد الديوان – قيد النظر في هذه المقالة – هي بسط لمعالم هذه النظرية وشرح لمفاصلها، بل القصد أن هذا العمل الشعري ينطوي على ذلك بكيفيةِ ترميز لا تحليل وتفصيل، وبإشارات لمَّاحة أكتفي منها بتلميح الشاعر لرسالة التغيير التاريخية الاسلام أو الطوفان) 2 في رثاءٍ رقيقٍ لرفيقيْه العالِمين الجليلين محمد العلوي السليماني وأحمد الملاخ رحمهما الله. وفي هذه اللمحة كما سيبدو إشارة بينة إلى اعتبار هذه الرسالة بمثابة وثيقة التأسيس لقومة بانية في درب التغيير.

وَوَثِيقَةُ “الطُّوفَانِ” عَقْدُ تَحَــلُّلٍ *** مِـــنْ رِبْقَةِ الْإِكْــرَاهِ مَــهْد الفِتْنَةِ
مِمَّنْ بَنَوْا بِجِهَادِهم صَرْح الْفِـدَا *** عَهْد الرَّصَاصِ مُؤسِّسِينَ لِقَومَةِ
3

الخيط الثاني أنك لدى قراءة هذه التجربة الشعرية من نافذة الديوان – قيد النظر – تجد قصائدها تعلن انتماءَها إلى هذا العالم، انتماءَ مشاركةٍ وتفاعلٍ ومسؤوليةٍ وقراءةٍ لما يضج فيه من أصوات. في مقابل رفضها ركوب بحور السلامة، أو الانسحاب عن الحضور… والنظر (في جمود) كالتمثال الرخامي إلى مشاكل الناس) 4 . فالديوان مخصص في موضوعه بالأساس ليكون عينا على الربيع العربي في “إنجازات” ثوراته في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا والمغرب. فهو إذن شاهدُ مَن رأى الحدث معاينةً، شاهدٌ عينيٌّ ثابت على حجم الضغوط التي مارستها تلك الشعوب على عصابات الإجرام والفساد والنهب العام… وسيكون لأشعاره، بلا ريب، صدى ترجعه الأجيال القادمة، وتقرأ من عيون قصيدِه ما صنعته أمة الخير في هذه اللحظة التاريخية من حياتها.

فِي مِصْرَ فِي تُونُسَ الْخَضْرَاءَ فِي يَمَنٍ *** صَنَعْتُمْ الْمُبْتَغَى حَتَّى هَوَى الصَّنَمُ
وَفِـي مَعَــارِكِ لِبْـيَا ضِــدَّ مُجْـرِمِهَا *** كُتْنُمْ أُسُودًا وَجَـيْشُ المُـعْتَدِي غَنَمُ
5 هذا عن تونس ومصر واليمن وليبيا، ومما جاء عن بلده المغرب في الديوان:

شَبَابُ عِشْرِينَ مِنْ فِبْـرَايْر التَحَمُوا *** ضِــدًّا عَلَــى الظُّلْمِ والطُّـغْيَانِ واقْتَحَمُوا
نَادَوْا إلى هَبَّةٍ في كُــلِّ حَاضِــرَةٍ *** تَدْعُو قُوى المَغْربِ الأَقْصَى أَنِ انْتَظِمُوا
6 ويقول مخاطبا سوريا:

يَا شَامُ هَذَا جِرْذُك المُسْتأسد *** ما زال يرعد في الخطاب ويُزْبِد
وَيُبَرِّر العُنْفَ المُدَمِّرَ زَاعِمًا *** أَنَّ الدِّفَـاعَ عَـنِ البِلَادِ مُـؤيـَّـد
7 وإلى جانب ما سبق، يتميز الشاعر منير الركراكي في هذا الديوان، بحدة غضبته على الظلم التي تنعت الأشياء بألقابها، ولا تهادن في ذلك أو تساوم. وهذا هو الخيط الثالث في نسيج شعرية الموقف لديه. وهو غضبٌ كما نرى في هذا العمل الشعري الخاص مبررٌ إجمالا، ننظر جانبا منه في قصيدة يا عين) 8 : ظُلْمُ الرئيس استخفَّ القومَ.. وظلمُ منْ أكَلُوا.. وظلمُ من كان جلادا لسيده.. وظلمُ من حكموا جورا وما عدلوا.. وظلمُ من آكلوا الظُّلَّامَ طِلْبَتُهُمْ جَلْبُ المصالح.. وظلمُ من داهموا الأبواب واعتقلوا.. وظلمُ من كَذَبُوا والحقَّ ما نقلوا.. وظلمُ من كتبوا زورا وما خجلوا.. وظلمُ من طبَّعُوا أَبْئِسْ بما صنعوا.. وظلمُ من غرَّرُوا بالغفل فابتذلوا.. وظلمُ من بَذَّروا أموالنا سَفَهًا..).

وَظُلْمٌ مَنْ جَعَلُوا التَّعْلِيمَ مَهْـزَلَةً *** وَالدِّيــنَ فَلْسَــفَة يَعلُـوا بهَا الجَــدَلُ
وَظُلْمُ مَنْ ظُلْمُهُمْ أَخْزَى وَأظْلَمُهُمْ *** مَنْ صَيَّرُوا قُدْسَنَا سُكْنَى لمَنْ وَغِلُوا
يَا عيْنُ يَكْفِيكِ مَا أَبْصَرْت مِنْ ظُلَمٍ *** الظُّــلْمُ مُنْتَشِــرٌ ضَــاقَتْ به السُّــبُلُ
أما الخيط الرابع في شعرية الموقف ضمن الديوان ذاته، فذو صلة بالبعد الإنساني؛ إذ تنهض قصائده على الإشارة إلى جملة من القيم الإنسانية المفتقدة بفعل مؤامرات قوى الفساد والتربية المضادة في الداخل والخارج.

مؤامراتٌ قلاعُ الخير مسرحها *** وأسوأ الشر ما ضاعت به القيمُ 9

إن ديوان نور من لهب في ربيع العرب)، على الرغم من وظيفة الشهادة التي يؤديها في ظرف عربي طارئ وربما محدود، هو عمل إبداعي لا تسيجه الحدود، فحين نباشره بالقراءة نجده يُقِيمُ تعالقات تخترق المحلية باحثة بوعي وحرص على معانقة هموم الإنسانية في بحثها عن الكرامة والحرية والانعتاق، وفي ذلك يقول:

عُقْبَى لنا ولِمَنْ ضَاقُوا بِقَادَتِهِمْ *** وَكُلُّ مُسْتَضْعَف يَشْكُو مِنَ الألم 10

تلك بعض ملامح أدبية الموقف في شعر الأديب المغربي منير الركراكي، هذا الشعر الذي أُرِيدَ قصدا أن يكون فعالا وعمليا، وترسيخا للمسؤولية الشعرية اتجاه الواقع والجماهير، ولله در القائل:

إذَا الشِّعْرُ لَمْ يُوقِظْ مِنَ الشَّعْبِ رَاقِدًا *** فَلَا قَذَفَتْ دُرُّ القَوَافِي بُحُورُ 11


[1] منير الركراكي، ديوان نور من لهب في ربيع العرب، مطبعة FOND DECOR MAROC، الطبعة الأولى، 2012، ص. 64.\
[2] رسالة بعث بها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله إلى ملك البلاد الراحل الحسن الثاني سنة 1974، في ما يربو عن 100 صفحة. وتشكل هذه الرسالة إحدى الأسس في نظرية التغيير المنهاجية لهذا الإمام المجدد.\
[3] ديوان، نور من لهب في ربيع العرب، (م.س)، ص. 19.\
[4] مقال بعنوان “جيل انتحر مثقفوه”، عبد الله إبراهيم، العلم، ع، 1014، السنة الرابعة، 1049. (بتصرف).\
[5] الديوان، (م.س)، ص. 46.\
[6] نفسه، ص. 44.\
[7] نفسه، ص. 75.\
[8] نفسه، ص. 80-83.\
[9] نفسه، ص. 45.\
[10] نفسه، ص. 86.\
[11] نقلا عن مقال “هل يسمع شعراؤنا”، محمد بن العباس القباج، مجلة المغرب، ع. 21، 1934.\