بين يدي الكتاب

الكتاب يتكون من 125 صفحة من الحجم المتوسط ، تم طبعه سنة 1994م من طرف مؤسسة التغليف والطباعة والتوزيع للشمال، وتم تصديره بمقدمة و37 مبحثا وخاتمة.

حاول الأستاذ المرشد رحمه الله من خلال كتابه هذا التمييز بين مجموعة من الدلالات اللغوية والاصطلاحية، ونستحضر هنا على سبيل المثال تعريفه “للعقل” الذي تداخلت في تعريفه مجموعة من الرواسب والأسباب، لعل من أهمها اختلاط الدلالة اللغوية والاصطلاحية بالموروثات الحضارية والثقافة الغربية الدخيلة على مجتمعاتنا الإسلامية، وبناء عليه فقد صنف الإمام المرشد العقول إلى ثلاثة:

العقل المشترك

أو ما يمكن أن نسميه بـوحدة العقل البشري) أو العقل الموحد، نظرا لامتلاك عامة الناس لقواعد موحدة للتفكير بقدرات ذهنية واحدة محكومة بقوانين عمل العقل التي تؤهل الإنسان للملاحظة، الاستقراء، التحليل، التركيب، التعليل لاستدلال… وهي مهارات يتناوب الناس في تحصليها ودقتها ويتفاوتون في امتلاك وسائلها، وهي قدرات يمتلكها الإنسان بمقتضى إنسانيته مع ضرورة تسييجها بسياج الدين وحمايتها، وإلا وقع في دائرة الخطإ خصوصا وأنه تنازعه مجموعة من الرغبات والأهواء، وهو أمر مشترك بين جميع البشر، فالكمال لله عز وجل والعصمة لأصفيائه صلوات الله وسلامه عليهم. وهذا النوع من العقل إما أن يخدم علاقة الإنسان بخالقه ليرتقي إلى الأعالي ساعيا إلى معانقة الجنان وتحقق منى رؤية الرحمان أو يكون عبدا للنفس والشهوات والرغبات فتهوي بصاحبها إلى درجة الدوابية.

العقل المؤمن

هو ذلك العقل المؤمن بالآخرة الذي يسير على هدى رب العالمين متشربا من الدستور الذي ارتضاه الله لعباده كي يسيروا على منواله ووضحه الهدي النبوي فيعيش خادما لتطلعاته الأخروية وأشواقه الروحية، منشغلا بما خلقه الله عز و جل له وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون 1 ، غير آبه بما تكفل الله بحفظه له كالرزق مثلا وفي السماء رزقكم وما توعدون 2 مع حرصه على السعي الكد في الحياة وإعمال ملكة العقل لأننا نتحدث عن عقل يجمع بين أمرين أو بين رسالتين في أن واحد رسالة الوحي ورسالة الكون مما يجنبه آفة التجرد – قطع المعرفة المقترنة بالوحي – وآفة التحييد – الرافضة للوحي. إن هذا العقل عند الإمام رحمه الله يربط المعرفة بالوحي استنادا إلى العقل بقول رحمه الله: سألت أيها العقل المفتر عن معناك وتريد أن تعرف؟ قيل لك في أول سورة نزلت)إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى 3 وأنت تخليت عن كبرياء استغنائك بما عندك وتريد أن ترجع إلى ربك تريد الفلاح وطهارة نفسك:)قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها 4 خاب من طمر نفسه تحت ركام الكفر والمعاصي) 5 .

العقل الأعمى

وهو الأصم المعرض عن آيات الله فيما يتعلق بالجانب المعرفي رافضا الاسترشاد بها والسير على منوالها خاضعا للأهواء والنزوات مما يجعله يعيش في محنة جزاء إعراضه عن آيات الله ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى 6 يقول الأستاذ المرشد قدس الله روحه: جاءته المحنة من إعراضه عن الوحي أو استخفافه بالعلاج الشامل وتجيئه العافية ويجئه الخلاص وتجيئه الحرية من الإيمان والتصديق والعمل قل لي اعن محنة العقل نتحدث أم عن محنة الطهارة والصلاة؟ ما هو العقل؟ ماهو الإنسان؟ أهو الجسم؟ أهو هذا الغائب الحاضر المعروف المنكر الذي تسميه “أنا” ولا تدري ما أنا؟ إذا كان الأنا هو العقل وكان يفصل بين الجسد وما يتقمص الجسد ويصدق حسه ولا يصدق الوحي فمحنته لا تنتهي) 7 .

كما قارب الأستاذ المرشد رحمه الله إشكالية “العقل العلم الوحي” فقد خلق الله عز وجل الإنسان ليقوم بواجب العبادة، وأمتن عليه بملكة العقل باعتباره لب وجوهر التكليف وسطرا له دستورا (القران الكريم) كي يسير على هدى من ربه وعلى بصيرة هذا الأخير الذي يحمل بين ثناياه مجموعة من العلوم والمعارف ليقوم بواجب ممارسة عبادة التفكر بالاعتماد على الوحي المسطور والوحي المنظور سواء أتعلق الأمر بالكون أو بالإنسان فكلاهما ينطقان بنفس الحقائق. فما هو موجود في الكون نجد ذكرا له في الوحي وما هو موجود في الوحي نجد أثرا له في الكون. فالعلاقة بينهما علاقة تطابق واتساق وتكامل. فالقران مصدر أساسي للمعرفة بل إنه المصدر المعرفي الأول، فهو زاخر بقضايا ومواضيع معرفية جمة. كيف لا وهو من رب العالمين والعلم صفة من صفاته سبحانه وتعالى بقوله سبحانه: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم 8 إلا أن هذه العبادة لا تتأتي إلا بسلامة السريرة وصفاء القلب لأن هذا الأمر من شانه أن يجعل العبد يحقق معاني العبادة الحقة. فكل علم لا يربطك بالله عز جل خواء وهراء. يقول المرشد رحمه الله: العلم الذي لا علم أشرف منه هو العلم الحق بالحق. هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو العلم بما فرض الله وسن رسوله صلى الله عليه سلم. وهو العلم المفروض طلبه فرضا بنص الحديث. حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» جاءت روايته من أوجه كثيرة بعضها يؤيد بعضا. فهذا هو العلم الواجب) 9 .

وختاما فإن العقل المسلم في فكر المرشد رحمه الله لا يمكن أن يستقيم بمعزل عن الوحي، إذ يجب عليه أن يتجرد عن الهوى. ليستنير بنور الله عز وجل سائرا على هدى من الله ساعيا إلى اكتشاف المعارف وفق المقاصد الكلية الناظمة للرؤية المعرفية القرآنية لتحقيق العلم الجامع، لأن الوحي هو المجيب عن جميع القضايا والتساؤلات التي تعترض حياة المكلفين، فهو المحيط بالقضايا المعرفية الكبرى التي لا يمكن تشربها وفهم معانيها إلا عن طريق النهل والاغتراف من المعين الصافي والأصل الخالد بقلب مرتبط ومتعلق بالله عز وجل. فالقران الكريم في فكر المرشد رحمه الله أساس تحرير العقول وتنوير القلوب ولا نجاة ولا سعادة للمكلف إلا في التمسك به والاستنارة بنوره وإلا خسر سعادة الدارين.


[1] سورة الداريات الآية 56.\
[2] الذاريات الآية 22.\
[3] سورة العلق الآية 6-7.\
[4] الشمس 9-10.\
[5] محنة العقل المسلم، عبد السلام ياسين، ص 35.\
[6] سورة طه الآية 124.\
[7] محنة العقل المسلم، ص 46.\
[8] سورة المائدة الآية 15_16.\
[9] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 142.\