مقدمة

لما وقع الانكسار في تاريخ الأمة الذي تحولت على إثره الخلافة إلى ملك انحرف هذا التاريخ بل انحرفوا به عن سكة الشورى والعدل والإحسان لتعيش الأمة تحت حكم سيف القهر والاستبداد لقرون طويلة ولا تزال. نسأل الله أن يعجل لها بالفرج والتمكين.

نتج عن هذا الانكسار نتائج وخيمة شكلت عبر التاريخ ذهنيات ومذاهب واجتهادات منها ما كان يصبّ في الاستسلام للأمر الواقع فرضي وداهن، ومنها ما استنكر الانحراف وقاوم، تارة في شكل قومات من أجل التغيير، وتارة في شكل دعوات من أجل الإصلاح.

ولا يخلو قرن من الزمان من رجل أو رجال يقومون بالمهمة على مستوى التجديد بشكل فردي أو جماعي، جزئي أو كلي. في هذا القرن الخامس عشر كان لنا موعد مع أحد رجالات الأمة الأفاضل الذين أبلوا في سبيل الدعوة البلاء الحسن. فربى رجالا ونظم صفوفا وجاهد ونظّر وكتب ولم يلتحق بربه حتى خلّف جيلا من المؤمنين. في كل مسيرته الدعوية والجهادية كان مثالا للثبات على المبدأ وقوة العزيمة والشجاعة والرفق والرحمة والحكمة. يقول الله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (الأحزاب: 23).

إنه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، هذا الرجل المربي المجاهد والمجدد المجتهد، الذي كانت له في الفقه والتاريخ نظرات وقف من خلالها على أصل الانحراف في تاريخ الأمة، وكيف استمرّ بعد ذلك إلى يومنا هذا وتفاقم، وأهم النتائج التي خلّفت صدى عبر التاريخ، وكيف يمكن تجاوزه بردّ قطار الأمة إلى سكته من جديد بشكله الصحيح.

فمن خلال نظرة ثاقبة وعميقة في تاريخ الأمة مستنيرا بالمنظار القرآني والنبوي تبين للإمام أن أصل الانحراف إنما كان في انتقاض عروة الحكم الشوري الذي حلّ محله الاستبداد. وأن أهم النتائج التي كانت لها وقعا كبيرا في التاريخ انفرامُ وحدة الأمة التي تحولت إلى دويلات الفتنة. هذا الانحراف يؤكد الأستاذ أنه ما كان ليكون ولا ليستمرّ لو لم يكن هناك إخلال بشري ساهم في تعميقه وترسيخ جذوره. ثم يعرض بعد هذا أهم تصور ممكن لإيقاف مسلسل هذا الانحراف الخطير والذي يبتدئ بمعرفة كل ما سبق ثم التخطيط بوسائل الحاضر وإمكانياته لمستقبل فتح قريب موعود بالكتاب والسنة بشرى للمؤمنين.

فلسفة بناء الإنسان

تحتل قضية بناء الإنسان في التصور المنهاجي أولى الأولويات على صعيد المشروع المجتمعي الذي تحمله جماعة العدل والإحسان، باعتبار هذا الإنسان الفاعل الرئيسي في التاريخ الذي عليه مسؤولية البناء وإعادة البناء. ولذلك تستهدف العملية التربوية داخل هذا التصور بناء الإنسان في شموليته قلبا وقالبا، حسا ومعنى، جسدا وروحا وعقلا، لتصنع منه شخصية متوازنة، المظهر الخارجي يعبر عن المخبر الداخلي، والسلوك عن الفكر والشعور. وفي بداية هذه العملية يتلقى الإنسان مجموعة من الانتقادات تطال أفكاره وأعماله وسلوكياته باعتبارها تراكمات ماضي الفتنة التي خلّفت مجتمعا يعرف الخلل على جميع الأصعدة والمجالات. وفي نفس الوقت تعرض عليه العملية التربوية تحديات تغيير هذا المجتمع وبنائه على أساس تغيير ذاته وبنائها فكريا وشعوريا وسلوكيا.

تبدأ هذه العملية التربوية في بناء الإنسان كما يبسطها التصور المنهاجي من معرفة مجموعة من المفاهيم بعضها يقع فيها الإنسان سلبا للواقع الذي تفرضه الفتنة، وبعضها أهداف ينشدها لتتحقق في ذاته، وذلك ما تتيحه له العملية التربوية من خلال مجموعة من الشروط والوسائل والأساليب. فمن بين المفاهيم السلبية التي تجعل الإنسان مفتونا أسفل العقبة: الأعرابية والذهنية الرعوية والأنانية والعادة الجارفة والترف والتكبر. بينما المفاهيم الأخرى الإيجابية التي تعبر عن اقتحام العقبة وعن المجموع الجيد فهي: الهجرة والنصرة والجهاد والإحسان والزّيال والمؤمن الشاهد بالقسط وغيرها.

فالتحول أو الانتقال من تلك المفاهيم السلبية التي تشتت على الإنسان همّه وفكره وشمله إلى المفاهيم الإيجابية التي تجمع له همه وفكره وشمله ليتّجه صوب بناء ذاته البناء الكامل تعرض العملية التربوية على الإنسان التماس شروط التربية كما هي مسطرة في المنهاج النبوي: الصحبة والجماعة والذكر والصدق، والتزام الوسائل والأساليب التي تعبر عن هذه المعادلة التربوية بحضور المجالس التربوية والتعليمية والتنظيمية.

نجاح العملية التربوية بهذا التصور وبهذه الفلسفة يُمكّن الإنسان من الحدّ من طغيان نفسه ووضعها في حجمها الطبيعي، ويمنح له القوة الإيمانية الكافية للارتقاء في سلم الدين ودرجاته، ويحقق له المجموع في نسبته العليا من خصال الخير وشعب الإيمان. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وهو يضع لنا عملية البناء في حجمها الحقيقي حتى لا تفاجئ أحدا بصعوبتها على النفس: البناء من أساس وعلى أساس عملية شاقة، عملية ميدانية، عملية متابعة الماء من نبعه لكيلا يتكدر، عملية تركيب العناصر لكيلا تختلط خلطا عشوائيا، عملية تعهد النفوس والجسوم، عملية معالجة الواقع بصبر من لا يرى المثالَ في متناوَل اليد بمُجَرَّد أن كتب في الصحف: قامت الدولة الإسلامية، ونجحت الثورة الإسلامية، ونُصّبَت الحكومة الإسلامية. ما البناءُ رقدةٌ بعد صحوة. وشعار وحماس. البناء ما ساهمت به أنت من وقتك وصبرك وجهادك، ثم ساهمت، ثم صبرت، ثم جاهدت) 1 .

فلسفة بناء الحكم

من بين ما تطمح إليه الأمة وتعمل بجهد جهيد على إزالته الاستبداد وذلك ليحل محله الحكم الشوري لإقامة العدل والكرامة والحرية. وهذا المطمح يبدو عظيما لكنه في نفس الوقت صعبا، لان الاستبداد كما جثم بكلكله على صدر الأمة لقرون فقد أصبح مشرعنا وثقافة متوارثة في ذهن كثير من الناس يصعب تغييرها بسهولة. بيد أن الثقة الكاملة والتامة في موعود الله ورسوله بالخلافة على منهاج النبوة هي الحاصل الأهم للأمة.

هذه الصعوبة في الموقف هو واقع حقا تؤكده لنا ما يتعرض له المؤمنون في مختلف الدول حين وصلوا إلى الحكم من تضييق وحصار وقمع ضدا على الإرادات الحرة وخيارات الشعوب. فبناء الحكم الشوري على أنقاض الاستبداد إذا يحتاج إلى فاعل قوي يتمثل في جماعة المسلمين بقيادة ربانية وطليعة مجاهدة ومعهم السواد الأعظم من الأمة. يحتاج إلى قواعد الإسلام التي تعني المرتكزات الأرضية الجغرافية السياسية، والمقومات الاقتصادية، والحجم البشري الذي عليه بعد الله عز وجل يمكن أن تتكِئ القوة الإسلامية الاقتحامية في سبيلها إلى التمكن في الأرض والاستواء في الحكم. وما التمكين إلا من الله عز وجل، لكننا ننظر في الأسباب والإمكانيات الظاهرة وهي من وضعه تعالى وخلقه وتسخيره.

هكذا يستعرض لنا الأستاذ عبد السلام ياسين المدخل الرئيسي إلى بناء الحكم. طموح ويقين في مستقبل واعد دون الاستخفاف بعظم الموقف وصعوبته وما يتطلبه الموقف من جهد وعمل وأسباب. وفي فلسفته لكيفية بناء الحكم يقسم العمل من أجل التمكن من الحكم إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: ما قبل الحكم، وهي مرحلة الإعداد والتخطيط وقوة الرفض والمعارضة لدحض الباطل ومقاطعة أهله ودك أصوله. ويضيف أن هذا التغيير والبناء لا يتأتى إلا إذا كان جند الله مؤهلين التأهيل الإيماني العلمي التنظيمي العملي التنفيذي الذي تندمج فيه الخصال الروحية الأخلاقية بالقدرات العقلية التدبيرية، وتوجهها 2 .

المرحلة الثانية: حين التمكن من الحكم وبعده، وهي مرحلة تحمل أعباء الحكم وهي مرحلة ماحقة وساحقة، بالتتالي. في هذه المرحلة يقول بأنه ينبغي أن نتقبل حكمة التعددية وحكمة التعاقب على الحكم بين الفصائل الإسلامية. بل ينبغي أن نسعَى لتوطيد دعائم الشورَى على تعددية المدارس والتنظيمات والآراء والمذاهب 3 . لكن الباعث الإيماني سابق في الاعتبار، ثم استقرار الحكم على الشورى، ثم يجمعُ المؤمنون الراضون بحكم العدل قدراتِهم وخبراتهم وأموالَهم، ثم التصنيع تدفع إليه بقوة وتصب فيه بغزارة هذه المسبَّقات الاعتبارية. فإذا عكّست فالتصنيع ركام والتنمية الشاملة حُلُم. بدون إيمان المؤمنين انتقض البناء قبل أن يؤسس. والله الغنيّ، وأنتم الفقراء 4 .

إن كان كل هذا مما يؤكد عليه الأستاذ عبد السلام ياسين، فإنه في نفس الوقت ما فتئ يحذر من شيء خطير يخاف أن يسقط في فخه الإسلاميون الذين وصلوا أو سيصلون مستقبلا إلى الحكم وهو ذوبان الدعوة في الدولة ذلك أن الاشتغال بالسياسة اليومية، وبممارسة الحكم كثيرا ما يلهي عن تدبر الغاية الأخروية.

فلسفة بناء الأمة

تحتل وحدة الأمة في التصور المنهاجي الذي أسس له الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله المكانة المركزية والمحورية باعتبارها المقصد الجامع وأمّ المقاصد والوحدة الجامعة للعقيدة والحكم والأرض التي تنشدها الأمة وهي موزعة ومشتتة عبر هذه الأقطار الفتنوية. وعلى هذا يكون إعادة هذه الوحدة وبناؤها ضرورة ملحة وواجبا شرعيا يتحمل مسؤوليتها جميع المسلمين. يقول الله عز وجل: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (الأنبياء: 92). ويقول أيضا: وأن هذه أمتكم أمة واحدة، وأنا ربكم فاتقون (المؤمنون: 52).

وتنطلق فلسفة بناء الأمة عند الأستاذ عبد السلام ياسين من مبدإ كون الأمة الإطار العام الذي يجسد جماعة المسلمين بما تحتويه من مكونات ذات اهتمامات مشتركة وما تفرضه من تعاون وتنسيق وتآزر، وأخرى خاصة بكل قطر حسب ظروفه وخصوصياته. ومن هذا المبدأ يتجلى نوع البناء وكيفية تحقيقه. إذا كان التصور المنهاجي يعتبر بناء وحدة الأمة هو تاج جهاد البناء فهذا يعني أنها آخر مرحلة من مراحل إعادة الخلافة على منهاج النبوة، ودون هذه المرحلة مراحل أخرى تُؤسّس لها، منها: تأسيس جماعة المسلمين، ثم تحرير القطر، ثم تحرير جميع الأقطار، لتتوج في الأخير بتاج الخلافة الذي هو بناء الأمة.

أما فيما يخص تحقيق بناء الأمة باعتباره مطلبا من مطالب الشريعة إلى جانب مطالب أخرى من عدل وإحسان وشورى فيتوقف على نجاح القومة الإسلامية بإحياء الإرادة الجهادية في الأمة. فلا يكفي أن نعرف أسباب انفرام هذه الوحدة فقط، وإن كانت المعرفة بها مقدمة ضرورية للبناء. ولا يكفي أن نعرف الحمولة التاريخية الثقيلة التي وصلتنا وإن كانت هذه المعرفة شرطا أساسيا. إنما يتم البناء ويتم التحرر من الحمل القاصم للظهور باليقظة الإيمانية والهبة الإحسانية والتعبئة الجهادية. ومع يقظتنا وهبتنا إلى الجهاد نحتاج إلى الاستفادة من تجارب تاريخنا وإلى عرض ما نتج عن أوزار الماضي وسلبياته نستخرج منه دروسا إيجابية لتاريخ مستأنف تُعزّ فيه الأمة وترتفع فيه راية الإسلام خفاقة على طول أراضي الأمة وعرضها 5 .

خاتمة

ما يمكن فهمه مما سبق من هذه الفلسفة أن التصور المنهاجي في لبه وجوهره بناء، بناء الإنسان، الحكم، الأمة، التاريخ، العقل، الأسرة، المجتمع، التنمية… لأن جهاد البناء بات شيئا ضروريا وملحا، وقد اكتفيت بالتركيز على الثلاثة الأولى لأهميتها، ولأن الأمور الأخرى إما مرتبطة بها أو تبنى على أساسها. يبقى أن أشير في هذه الخاتمة إلى أمور مهمة حتى لا ننساها وهي من صلب كل بناء، وهي:

1- أن فلسفة بناء الإنسان عند الأستاذ ياسين رحمه الله يجب أن نفهم أنها كما تتوجه إلى الإنسان وهو الوارد من ماضي الفتنة إلى رحاب الإسلام والإيمان والإحسان، تتوجه أيضا إلى الإنسان وهو في أول لمسة من لمسات وجوده في بطن أمه، من هنا يبدأ البناء ويعلو ويستمر حتى يشتد العود ويستوي على سوقه. يقول رحمه الله: وحس المؤمنة المجبولة على تعهد الحياة وبناء الإنسان محمولا في البطن، وموجعا من أجله في الوضع، ومُرْضَعا مَحْنُوّاً عليه، ومفطوما مفصولا برقة، وصبيا يلعب في الحجر، وغلاما مشاكسا، ويافعا ثائرا، وزوجا بعد وأبا. كل ذلك يطلب من المعاناة والصبر واللين والحب والرفق ما تقدُره المرأة حق قدره، فتسمعه من الوحي، وتخزنه لنا ذاكرتها) 6 .

2- أن فلسفة بناء الحكم كما تتأسس على عامل الإيمان والقوة الاقتحامية وإحكام الخطى في مراحل التحول فهي تحمي هذا البناء من أي خلل يصيبه بدءا من تصحيح النيات أن تكون لله بإحقاق الحق وإزهاق الباطل وليس من أجل الدنيا، وانتهاء باستبعاد كل الممارسات المرتبطة بالعنف والفوضى وحب الرئاسة. يقول رحمه الله: إننا بحول الله مُقْدِمون على الدخول في سياق التحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الشوري. وإن إحكامَ الخطى في مراحل التحول مقدمةٌ صحِّيَّةٌ للثبات على منهاج إعادة البناء. بحاجة لإعادة البناءِ نظامُنا السياسيُّ الموبوء الموروث، بحاجة إليها اقتصادُنا المخرُوب ومجتمعنا المنهوك. بحاجة إليها على الأخص النفسية الخانعة المنقادة، نفسية الجماهير السَّلْسَةِ القياد، العالَةِ على أبَوِيَّةٍ سلطوية، التي قد تنتفض في “مظاهرات الجوع” لكنها قلما تنكر المنكر الجاثم على الصدور، منكر الحكم الفاسِدِ) 7 .

3- أن فلسفة بناء الأمة قبل أن تكون عملا ميدانيا وممارسة فعلية من جمع وتنظيم وتنسيق وتعاون هي ثقافة ينبغي أن تُرسخ في العقول وتؤمن بها وتدافع عنها، ثقافة تجسد مدى أهمية انتماء كل فرد لهذه الأمة، وماذا يعني هذا الانتماء، وأن كل فرد فيها يشكل لبنة في صرحها، يمثل جزءا من جسمها، يصيبه ما يصيبها، فيفرح لفرحها ويحزن لحزنها. بمعنى أن أي انفصال للفرد عن أمته فكريا أو شعوريا أو عمليا هو تدمير لذاته وبالتالي إسهام في تدمير بناء أمته. هكذا عاش الأستاذ حياته رحمه الله، اهتماما كليا بالأمة، تفكيرا وجهادا، حركة وسكونا، حياتا ومماتا. وهكذا شأن القادة الكبار مع أممهم عبر التاريخ.


[1] موسوعة سراج، كتاب: “تنوير المؤمنات”، البناء من أعلى أو من الأساس؟ على أي أساس؟\
[2] انظر موسوعة سراج، كتاب: “العدل: الإسلاميون والحكم”، عنوان: القطب الأعظم في الدين.\
[3] نفس المرجع، عنوان: جماعة المسلمين.\
[4] موسوعة سراج، كتاب: “العدل: الإسلاميون والحكم”، عنوان: اقتصاد إسلامي.\
[5] انظر موسوعة سراج، كتاب: “نظرات في الفقه والتاريخ”، عنوان: وحدة دار الإسلام.\
[6] موسوعة سراج، كتاب: “تنوير المؤمنات”، عنوان: التغيير بين التنزيل والتجديد.\
[7] موسوعة سراج، كتاب: “العدل الإسلاميون والحكم”، عنوان: دين الانقياد.\