مقدمة

من أهم ما يحتاجه المربون في ميدان التربية خصلة التؤدة لما تحققه من أعظم النتائج وأنبل الغايات. يقول الإمام المرشد رحمه الله: رتَّبَتْ قدرة الله العزيز الحكيم في الآفاق وفي الأنفس أن النتائج لا تأتي قبل المقدمات، وأن الصيف لا يأتي بالثمرات وأنَّ الزروع لا توتي حصيدها قبل مطر الشتاء وشمس الربيع، وأن الناس لا يستجيبون لداعي الله ولا يدخل الإيمان في قلوبهم ولا تتألف صفوفهم إلا مع الوقت والصبر وطول المعاناة. ولذلك كانت التؤدة من أهم خصال النبوّة، وكانت أسوةُ: )ولقد كُذِّبَتْ رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله. سنة النبيئين وسنة من يتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وعامل الوقت الذي تدل عليه “حتى” أساسي في القضية) 1 . إذا لا بد من غرس وسقي وتعهد وصبر ورفق اتباعا لسنن الله في الكون واتباعا واقتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربيته وتعليمه لصحابته الكرام معاني التؤدة.

التربية على التؤدة من خلال السيرة

يقول الإمام المرشد رحمه الله: كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس علم وحلم. ومربو الشعب لا يقدرون على مجالسة الشعب وتعليمه وتوجيهه إن لم يتمكنوا في خصلة التؤدة. وهي من خصال النبوة كما سبق ذكر ذلك في الحديث الشريف) 2 . وكذلك يرجى بل يجب أن تكون مجالسنا مجالس صبر ومصابرة لأنه بهذه الشعبة العظيمة تنال الإمامة في الدين قال تعالى: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون 3 .

يقول الإمام رحمه الله: يكون من صلب التربية والتعليم النظر في أمثلة حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأناته، وصبره، وتحمله، وشفقته على الخلق، ليكون ذلك لنا نموذجا يحتذى. فإننا لن نسع الناس، ولن ينفتح لنا الناس، إن تقدمنا إليهم بالوجه العابس والتشديد والتعسير. وفي السيرة المطهرة أمثلة رفيعة لرفق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس دينهم، وتدرجه بهم، وحلمه على ذوي الطباع الخشنة وقليلي الفقه. إن حلمه صلى الله عليه وسلم ورفقه حتى بالمنافقين يعطينا نموذج السلوك في فترة الانتقال حين يتعين علينا أن نحبب الإسلام لأقوام ألفوا التحرر من كل ضابط خلقي) 4 .

ما المطلوب من النقيب المربي (تؤدة)؟

التربية – أخي النقيب – كما يقول الإمام المجدد رحمه الله: المعالجة لمادة إنسانية، وشخصية لها ماض، وبيئة اجتماعية، واستعدادات. هذه المعالجة تريد من النقيب المربي حلما كثيرا، وصبرا ومداراة، وتنويعا في أساليب التأثير، ومخالطة المؤمنين في بيوتهم وأعمالهم، وفي الرحلات والسياحات. وكما تتأخر الشجرة الكريمة الثمار في الإنتاج (الأعشاب الضارة تتكاثر بسرعة وشجرة الزيتون لا تثمر إلا بعد سنوات وعناية خاصة)، نصبر على ذوي الاستعداد الطيب السنين حتى ينضجوا، وشر هذا النبات الإنساني ما امتاز بالشرة والحماس والحركة الفارغين من اللب، وهو الصبر مع المؤمنين، والثبات على الحق) 5 .

إن تغيير النفوس وتغيير واقع الفتنة المكروه يحتاجان إلى رجال يتحلون بالصبر والأناة وطول نفس. يقول الإمام رحمه الله: فمن يحاول تغيير المجتمعات المفتونة لا بد له أن يتقدم إلى الميدان وله من القدرة على مواجهة الواقع المكروه، ومن قوة ضبط النفس، وقوة الصبر والتحمل، وقوة الصمود والثبات على خط الجهاد مهما كانت القوى المعادية متألبة. إنما يستطيع أن يربي جيل الإنقاذ رجال لا تستخفهم نداءات الباطل، ولا يلعب بهم الهوى، ولا يتحركون على الظن والهواجس) 6 .

الصحبة هي المدخل الأساس لهذا التغيير

ومن الصحبة وبالصحبة، وفضل الله على المومنين بالصحبة يبدأ التغيير. يبدأ التغيير الجدري العميق الانقلابي بتوبة المومن والمومنة. ينقلبان من الأنانية المرسلة الهائمة، ومن العقلية المنكمشة في سياق ثقافتها أو أميتها، ويتحرران من العادات الممسكة عن الخير، الساكتة عن المنكر لا تنهى عنه، وعن المعروف لا تأمر به، وعن علم الحق لا تتعلمه ولا تعلمه، وعن المعونة لا تبذلها، وعن العمل الصالح لا تتآزر عليه، وعن التميز الذي أمر المومنين أن يتميزوا ليكونوا شامة خلق وسلوك بين الناس، وعن الرفق والتؤدة، وعن الصبر والمصابرة، وعن الجهاد) 7 . والتؤدة تُنبئ عن الثقة بالله الساكنة، والعطاء من ذات اليد وذات القلب، والإيمان يشع نوره في السلوك) 8 .

التؤدة بين البعد الفردي والبعد الجماعي

إن التؤدة معناها في حق الفرد أخلاق تملك النفس والصبر والمصابرة والمثابرة، وهي أخلاق تعوزنا تماما. أما في حق الجماعة والأمة فالتؤدة هي البناء المكين على أسس ثابتة معروفة، وعلى وعي بالمبادئ والأهداف والمقاصد والغايات) 9 .

وفي الأخلاق الخاصة تتجلى خصلة التؤدة وفروعها من صبر ومصابرة ومثابرة وتحمل واستمرار وكف عن أذى الناس وفي قدرة المومن والمحسن على ضبط النفس وامتلاك زمامها بما لا يقدر عليه المسلم الذي لا مروءة له، والمسلم الذي لا يذكر الله إلا قليلا ولا يستحضر الآخرة) 10 .

محاذير نبه إليها الإمام المجدد رحمه الله

لقد نبه الإمام المرشد رحمه الله في خصلة (التؤدة) إلى مزالق عدة فقال:

استعرضنا في الخصلة الثامنة (التؤدة) شعب الإيمان الحاثة على ضبط النفس والتريث والصبر. وينبغي ألا تتحول فضائل الرزانة في العمل، والتأني في التدبير، إلى قعود واستكانة، وتبرير للجمود بأنه تريث وحكمة. فهذه الخصلة التاسعة تقيم الوزن، وتلفت إلى القصد ليعلم المؤمن وجماعة المؤمنين بالتذكير بالله وفريضة الجهاد في سبيله أن المؤمن وجماعة المؤمنين ركب قاصدون إلى غاية، ما تنبغي لهم الراحة الموهنة، وما خلقوا لها) 11 .

كنت صنّفتُ في خصلة “التؤدة” ثمانيَ شعب إيمانية، هي: الصوم، والقيام في حدود الله، وحقن الدماء والعفو عن المسلمين، وحفظ اللسان والأسرار، والصمت والتفكر، والصبر وتحمل الأذى، والرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق، ثم التواضع. وفي هذا الفصل المشرفِ على نهايته نظرت إلى هذه المزايا من جهة كونِها مقاماتٍ إحسانية تُبَلِّغ السالك الفردَ، وهو كائن روحيٌّ مارٌّ من هذه الدنيا الزائلة إلى دار الجزاء والبقاء، أوجَ المعرفة وقمةَ الصلاح في خاصة نفسه. فهل تكون هذه المزايا الانضباطيّة الصبرية الصمتية العفوية غيرَ عرقلة لجماعة تريد التغيير؟ هذه الشخصية الإيمانية الإحسانية الصابرة المُصْطَبِرةُ المثالية أَلْيَقُ شيء بمجتمع ملائكي أخويٍّ سماويٍّ منزه عن التدافع والتقاتل والتحاسد والتباغض الأرضية) 12 .

والحكمة المرجُوُّ من الحق عز وجل أن يلهمها جنده تتمثل في التنسيق بين المَضَاءِ بعزيمة في إبطال الباطل وإحقاق الحق وبين الترفق والتسكين والتدريج. لا يُوتِي الحكمةَ إلا هو سبحانه. ضراعتنا إليه أن يهدينا الصراط المستقيم، وهي خيرُ الدين، وسِمَتُها اليُسر. واليسر فضيلة بين رذيلتين، واعتدال بين تطرفين: تطرف اللين الضعيف، وتطرف التنطع العنيف.)عند الإمام البخاري في صحيحه في “كتاب الأدب” أبواب متساوقة تخط صراط اليسر والرفْق والتؤدة. “باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا”، “باب الانبساط إلى الناس”، “باب المُدَاراةِ مع الناس”. وبعد ذلك يأتي “باب لا يُلدَغ المومن من جحر مرتين”، ليعلم القارئ في السُّنَّة أن ذلك المُيَسِّرُ المُبَشِّرُ الرفيق المنبسط إلى الناس المُدَارِي لهم في غاية الحيطة، ليس رِفْقُه من قبيل رخاوة المغفلين) 13 .


[1] العدل: الإسلاميون والحكم، ص 172.\
[2] المنهاج، ص 290.\
[3] السجدة، 24.\
[4] المنهاج النبوي، ص 316.\
[5] المنهاج، ص 296.\
[6] المنهاج النبوي، ص 291.\
[7] حوار مع الفضلاء، ص 99.\
[8] حوار مع الفضلاء، ص 12.\
[9] الإسلام أو الطوفان، ص 148.\
[10] الإحسان 2، ص 307.\
[11] المنهاج، ص 320.\
[12] الإحسان 2، ص 366.\
[13] الإحسان 2، ص 369.\