أطاحت ثورات الربيع العربي في عدة دول عربية منذ 2011 بعدة أنظمة فاسدة لم تحقق لشعوبها الأمل المنشود في التقدم والرخاء والسلم الاجتماعي، كما عجزت عجزا كاملا عن تلبية متطلبات شبابها باعتبارهم الفئة الأكثر تشبثا بالمستقبل وأكثر تفاؤلا.

غير أن هذه الثورات لم تؤد إلى تحسين الأوضاع وقلبها كليا لصالح الشعوب كما كان مأمولا، لأن الجهات التي ليس لها مصلحة فيها قامت بوأدها إلى أن تحول الأمر، وأصبحنا نرى بأن الربيع قد انقلب خريفا ولا أمل في إزهاره!

لقد حاولت هذه الجهات توجيه الرأي العام العربي إلى الاقتناع بفكرة خطيرة مفادها أن الإطاحة بالحكام وتغييرهم، مهما كانوا فاسدين، ما هو إلا ضياع للدولة وتشتت مصالحها وتوجهها إلى حرب أهلية طاحنة أو إلى فتنة سياسية لا يعلم مدى تشابك خيوطها واستعصائها.

إن هذه السيناريوهات قد حبكت بدقة لدرجة أن الشباب الذين قادوا حملات التعبئة والحشد والإعداد لهذه الثورات قد أضحوا عاجزين عن إدراك مدى توسع دائرة الانفلات الذي ساد مباشرة بعد ما يسمى بـ”الربيع العربي”.

لقد أبانت حالة ليبيا ومصر على أن الثورات التي قادها الشباب بشروطها الزمانية والجغرافية وسياقاتها الموضوعية الخارجية والداخلية لم تحقق الأهداف الكاملة التي كانت مرجوة والتي استبشرت بها “الجماهير الشعبية” إبان انطلاق الشرارة الأولى لها.

إن الغوص في المآلات التي وصلها “الربيع العربي” لتدعو إلى التأمل والانتباه إلى بعض الخلاصات والدروس:

ـ إن الثورات قد لا تؤدي بالضرورة لتحقيق جميع الأهداف التي رسمت وأملت منها في المدى القريب.

ـ لقد ارتفع منسوب الوعي لدى المواطن العربي بضرورة التغيير والسير نحو إيجاد شروط صالحة للاستقرار والأمن الاجتماعي.

ـ تجاوز “نظرية المؤامرة” في التعاطي مع تحليل أسباب ومآلات “الربيع” باعتباره صنيعة خارجية أريد لها التأسيس لخريطة استعمارية جديدة تمكن المزيد من التحكم والاستغلال الإمبريالي والرأسمالي للشعوب الضعيفة، لكن دون أن نغفل عن الدور الذي يمكن أن يلعبه أعداء الأمة في محاولتهم إيجاد واقع سياسي جديد يتناسب مع مصالحهم.

ـ أبان “الربيع العربي” عن تآكل الأنظمة وفسادها المعشش، وأنها كانت قائمة فقط على متلازمات الخوف والقهر والانهزامية وتراجع الوعي في أوساط المجتمعات وفرض أنماط نفسية داخلها منها الإيمان المطلق باستحالة التغيير واقتلاع جذور الباطل والاستبداد.

ـ أتاح “الربيع العربي” أيضا إمكانية جلوس جميع فرقاء الوطن على طاولة الإعداد لمستقبل البلاد بمختلف مشاربهم وإيديولوجياتهم رغم ما أظهرته بعض الشخصيات والمؤسسات المحسوبة على التيار العلماني من توجس من صعود الإسلاميين كقوة قد تغير قواعد ممارسة اللعبة السياسية ورسم مجال سياسي جديد يتيح مشاركة الجميع في بناء وطن جديد.

ـ أظهرت الثورات العربية فشل الأحزاب السياسية في تدشين عملية التغيير لأنها لحقت بالركب متأخرة: تأطيرا ومشاركة وتفعيلا للأحداث بعدما كانت تمارس عملا سياسيا مشوها ولصيقا بالأنظمة الفاسدة وخاضعا لشروطها.

ـ بروز الإسلاميين كقوة لا تخطئها عين المراقب: مشاركة وتأطيرا للثورات العربية إلى جانب التنظيمات الأخرى، إلا أنهم استعجلوا قطف الثمار باكرا، وأعجبوا بكثرتهم، ووثقوا بمن لا يستحق ثقتهم كما وقع في مصر.

ـ دعوة الجميع، إسلاميين وعلمانيين وحداثيين، إلى إعادة التفكير في طريقة فعالة للخروج بالأوطان العربية من دائرة انفلات الأمور وتحولها عكس ما أتت من أجله الثورات؛ أي الدفع في اتجاه تقعيد الفكر التغييري الشامل بدون التحجج بالاختلافات الفكرية والإيديولوجية وعدم تأهيل البنى البشرية العربية لتقبل فكرة النهوض مرة أخرى وهز الفساد والاستبداد واقتلاعه تدريجيا.

ـ دفع الربيع العربي جميع المؤسسات لتغيير البنى السياسية المتآكلة والهرمة الغارقة في التقليدية وأقحمها في تجديد أساليبها سواء كانت من داخل الأنظمة التي ما تزال قائمة أو من الأوساط المعارضة لها.

ـ بقاء أفق التغيير ممكنا رغم استباقه بخطوات يبدو أنها لن تصمد طويلا أم موجات الثورة والغضب الشعبيين.