مقدمة

إن المتابع لفكر الأستاذ عبد السلام ياسين، يقف على حقيقة الثراء الفكري والمعرفي الذي يتميز به الرجل، وقدرته الفائقة على استيعاب تراث زمانه استيعابا نفسيا ومعرفيا، جعله يقدم الأجوبة المناسبة على الإشكالات الكبرى التي تعيشها الأمة والمرتبطة بالواقع وبقضايا الإنسان وبأفق ومستقبل هذه الأمة، وقد سخر لذلك عقله وقلبه، لسانه وقلمه، وقته وجهده، نفسه وجماعته… فاستطاع الرجل من خلال هذا الفكر الموسوعي أن يؤسس مشروعا تغيريا كبيرا، قائما على مفهوم العبادة والاستخلاف في الأرض، يركز فيه على الإنسان الذي ينطلق منه كل تغيير .

مفهوم التغيير ومرجعيته

ينطلق الأستاذ عبد السلام ياسين في تعريفه لمفهوم التغيير الجدري الذي يجمع بين العدل والإحسان، أي الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، من الشرعة والمنهاج. أي مرجعية الكتاب والسنة النبوية، دلالة على أصالة المفهوم وللتمييز بينه وبين باقي المصطلحات التي تتقارب معه في المبنى وتختلف في المعنى. يقول رحمه الله: في كتاب الله عز وجل وحدَه علمُ هذا التغيير الإسلامي، وفي قلوب العلماء العارفين بالله نور الإيمان، وفي السيرة النبوية الشريفة النموذج) 1 .

فالقران الكريم يعطينا “علم التغيير” والسنة النبوية تبين “نموذج التغيير” للوصول إلى دولة القرآن. في طريقنا إلى دولة القرآن، وفي خَطَوات دولة القرآن نحو مجد الإسلام، لا دليل لنا في المهمات، وفي تحديد الأهداف والغاية، إلا كتاب الله عز وجل كما طبقته سنة رسوله عليه من الله الصلاة والسلام) 2 .

فمفهوم التغيير عند الأستاذ عبد السلام ياسين، هو مفهوم أصيل وشامل، يستمد أصالته وشموليته من قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (سورة الرعد: 11). حيث يعتبر أن تغيير أحوال الأمة، مقترن بتغيير أحوال الأنفس: وتغيير ما بأنفسنا تربية وتنظيما وزحفا هو وسيلة التغيير من غثاء لقوة) 3 .

فمنطلق التغيير وغايته العظمى ومحور حركته القاصدة ومحط طموحه عند الإمام رحمه الله، يدور حول الإنسان، لإنقاذه .. من ظلام الكفر، وقتامة النفاق، وقذارة معصية الله، وغبش الغفلة عنه، المؤدية إلى بؤس الدنيا وعذاب الآخرة) 4 . وينتقل به إلى تحقيق العبودية الكاملة لله عز وجل وتحرير الإنسان والاستخلاف في الأرض وإسعاد البشرية، تغيير المجتمع، بنياتِه واقتصادِه وسياستِه، ويُشَرِّعُ لذلك شرائع، ويرسُم له منهاجا. لكن ذلك التغيير لا يدور حول نفسه، ولا ينتهي عند مقدماته، بل يدور حول الإنسان، ويخدُم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل) 5 . وجعل رحمه الله باقي وسائل التغيير هي خادمة لهذا الإنسان. يقول رحمه الله: وكل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته وعقيدته وأخلاقه وإرادته، وحركته كلها على الأرض لتكون حركةً لها غاية ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ) 6 .

ويميز الأستاذ عبد السلام ياسين في حديثه عن التغيير، بين التغيير الثوري العنيف والتغيير في أحضان القومة، فيعتبر الأول تغيير يَحِيدُ عن الأصل ويركز على الفرع، يقدم الوسيلة ويتجاهل الغاية. يقول رحمه الله: يهدف من الثورات إلى تغيير بنيات المجتمع، وبناء اقتصاده، وإصلاح نظامه السياسي. ثم لا شيء بعد ذلك إلا هذه الثقافةُ الثوريةُ، والفنُّ الثوريُّ، وما يواكب الثورة من عنف، واستبدال طبقة بطبقة، ومادية اشتراكية بمادية رأسمالية) 7 . أما التغيير في ظل القومة فهو يَرُومُ تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير نفسه وعقله وسلوك) 8 . وحقيقة هذه القومة أنها رسالة القرآن إلى الإنسان أن يغير موقفه، وينتبه لمصيره، ويُقْبِل على نفسه يُغَيِّرُ ما بها لتُقْبِلَ على ربها) 9 . تغيير يستهدف الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله) 10 .

مقومات التغيير

من أجل تحقيق تغيير شامل وجماعي في الأنفس والواقع، قائم على تربية القلب والعقل والسلوك، لبناء عمران أخوي قاعدته الإنسان وغايته الإحسان، يحقق له سعادة الدنيا والآخرة، حدد الأستاذ المرشد مقومين أساسيين لإنجاز هذا التغيير:

المقوم الأول: يد الدعوة الرحيمة: التي تُربي وتنظم وتُعِد وتغيير برفق ورحمة، كما كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوة القائمين من بعده. فقومة الداعي كما يقول رحمه الله: .. تبتدِئ بقومة الرسول في قومه يخاطبهم بلسـانهم على الرفق لا على العنف. وكل داع بعد الرسول لم يبدأ ميسرا لا معسرا، مبشرا لا منفرا، جامعا لجهد الصادقين لا مشتتا فما هو من القوة في شيء) 11 .

المقوم الثاني: يد الدولة الصارمة: وهي اليد الأخرى المعينة على تحقيق التغيير المطلوب. يقول الاستاذ عبد السلام ياسين: إننا نتصور عملية التغيير تعاونا وتناوبا بين يدين اثنتين: يدِ الدعوة الرحيمة، ويدِ الدولة الصارمة) 12 . يد الدولة وسلطانها هما القوة التنفيذية لطموحات القواعد، يُسْندها الاقتناع الشعبيُّ، والمشاركة المتحمسة الراغبة من جانب السواد الأعظم.

شروط التغيير

حدد الإمام عبد السلام ياسين في كتبه مجموعة من الشروط لكي يتم تحقيق التغيير الجذري للأمة، أقتصر على ذكر أربعة منها:

1- توفر إرادة التغيير: غياب هذه الإرادة جعل المسلمين يعيشون أزمات وأمراضا نفسية عميقة على مدى قرون من الزمن، كانت وراء هزيمتهم النفسية وعائقا أمامهم يحول دون النهوض لطلب التغيير، مما أنتج خمولا في الإرادة وذهنيات رعوية وعادات جارفة وأنانيات مستعلية، يمكن تجاوزها بالتربية الإيمانية، التي تكسب القلب رحمة والعقل حكمة والجوارح عملا قاصدا، تكون مساهما وداعما لتغيير مصير الأمة. يقول الإمام رحمه الله: إن التغيير الإسلامي متوقفٌ على مشاركة المسلمين عامة في الاهتمام بمصير أمتهم بعد نجاح القومة الإسلامية، وإلا ضَمُرَتْ وذَبُلَتْ، ثم ماتت معانيها، بتدني طموحاتها المخذولة، وفشل محاولاتها من فوقُ. إننا بحاجة أن تنبعث هذه الإرادة المغيرة الفاعلة من داخل صدور الملايين، وقد ألِفَتْ الملايين قرونا أن تضع أمرَها بين يدي الحاكم، وتتواكل إليه، وتسكت عنه. فيا من يبيع الأمةَ غَيْرَةً، ويا من يُهْدِيهَا علما، ويا من يأخذ بتلابيبها زَجْراً، لتنبذَ ذهنية الخنوع التي صيرتنا مفعولا به في التاريخ منصوبا لكل ذل بعد أن كنا فاعلا مرفوعا عزيزا!) 13 .

2- التعبئة العامة: لقد عاشت الأمة عصورا من العض والجبر ومازالت، حصل معهما حالة من التشرذم والتفرقة وهدر للطاقات والإرادات. ولتحقيق التغيير الشامل لا بد من تعبئة عامة في الشعب بقيادة العدول جند الله، وما نريده من يقظة عامة يشارك الشعب بمقتضاها في إبطال الباطل وإحقاق الحق والصبر على المشقات والتضحيات، يجب أن يكون سمة جند الله فيما بينهم قبل الوصول إلى الحكم وبعده) 14 . كما كانت التعبئة العامة في عهد النبوة، تعبئة تعيد الأمة .. أمةً مجاهدة كما كنا، راشدةً، تقررُ مصيرَها بإرادتها الحرة، وتفرض قرارها بقوة الساعد المُنتج، وتدبير العقل المتحرر من الخرافة وفلسفة الإلحاد، وتنظيم الطاقات البشرية والاقتصادية. القومةُ أن يصبح أمرُنا شورى بيننا، أن تحمل الأمة عبء الحاضر والمستقبل) 15 .

3- يقظة الطليعة المجاهدة والتحامها بعامة الأمة: طليعة ربانية مجاهدة مستبصرة بنور القران وبالتربية الإحسانية، تتميز بصفاء السريرة ويقظة القلب والتطهر من حظوظ النفس والأهواء: إن كان مع جند الله الطليعةِ سرُّ تربية الإيمان، وكانوا هم أنفسُهم هاجروا تلك الهجرةَ المعنوية في النيات والجهاد، وأشرفت أرواحُهم على مقامات الإحسان، فبوُسعهم أن يدفعوا الأمة، ويتقدموا بها، ويقودوها في هجرتها، من الخرافة، والنفاق في العقيدة، والنفاق الاجتماعي، و”دين الانقياد” للحاكم، والاستقالة من الاهتمام بأمر الأمة، والسكوت والإمساك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكسل عن العمل، واستهلاك ما لا نُنْتِجُ، إلى غير هذا من الأمراض الموروثة عن فتنتنا الداخلية، أو المعدية بواسطة الاستعمار والغزو الثقافي الاقتصادي الحضاري) 16 .

طليعة مجاهدة تستحضر رفق وتلطف وصرامة الإسلام في التحامها بعامة الأمة، تربي وتنظم وتُعِدُ وتستعد وتُوعي وتأطر، لتحول الأمة من قوة سلبية غثائية، إلى قوة تغييرية اقتحامية تكون داعمة لمبادرات القيادة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: إن مبادرات التغيير التي تتخذها القيادةُ تبقى مولوداً ميتا، أو تعيش كائنا هزيلا، إن اصطدت بأرضية الخمول، ووُكِلَ تنفيذُها “للروتين” الإداري، ولم يَتَبَنَّها الشعب) 17 .

4- ضرورة الميثاق الجامع: منذ أكثر من ربع قرن، دعا الأستاذ عبد السلام ياسين إلى ميثاق جامع، باعتباره خيارا مصيريا وآلية ضرورية للتغيير، ينبغي أن يتداعى إليه الجميع، للانطلاق نحو الخلاص من الأزمات التي تعيشها الأمة: ميثاقا إسلاميا يُصْلِح بين النخب التي تحتكر السلطة والشعبَ، ويحصل به التناغم بينها وبينه، ميثاق يمكنها من البرهنة على إخلاصها لهذا الدين الذي تدعي أنها الناطقة الشرعية باسمه) 18 . ويجد الأجوبة الشافية على أسئلة المرحلة التاريخية المعيشة في علاقتها بمكونات الدولة القطرية في أفق البناء الكلي لجسم الأمة.

عوائق التغيير

نلخص عوائق التغيير عند الأستاذ عبد السلام ياسين في:

عوائق ذاتية: متمثلة في البُنَى الموروثةُ، والذهنياتُ العتيقةُ، إلى جانب العقلانية المادية، والتجمعات النخبوية المفرنجة) 19 . التي رضعت من ثدي الأنظمة الخضوع والخنوع والذلة والتبعية. يقول رحمه الله: أهم العوائق في كسب المعركة ضد الأنظمة القائمة المستقرة العائق النفسي المتمثل في الوَلاء الراسخ تعطيه الجماهير لنظام مألوف تفضله على حَدَثٍ مُسْتَجَدٍّ، أو الوَلاء المتذبذب الشاك المتحول بسرعة مع رياح الدعاية الرسمية) 20 .

عوائق موضوعية: تتمثل في مجموعة من الإكراهات المادية الموجودة في الواقع، كصراع المصالح بين الفرد والجماعة، وترابط المصالح بين ما هو محلي وإقليمي ودولي. يقول رحمه الله: هنالك من احتل منصبا اجتماعيا، وجمع مالا وعدَّده، فلن يقبل هؤلاء التغييرَ، لأن التغييرَ يعني في حقهم الانزعاج عن عاداتهم، وتطليقَ طموحاتهم، وإعادةَ قسمة ما جُمِع من أموال بغير حق. هنالك الشح الفردي، والأنانية، والتقليد، والركود الفكري، وهي أمراض توالدت فينا منذ قرون. هنالك الطبقية المقيتة، وهي حديثة فينا بصورتها هذه التي تسربت إلينا مع الرأسمالية المستعمرة) 21 .

خاتمة

حاولنا في هذه الأسطر القليلة، التوقف عند مفهوم التغيير الذي يريده الأستاذ عبد السلام ياسين، من خلال أفكاره المبثوثة في كتبه الغزيرة. وقد تركنا لها العنان للتحدث بنفسها عن التغيير: مفهومه ومرجعيته ومقوماته وشروطه وعوائقه، وقد خلصنا إلى أن التغيير هو قومة لا تتجزأ: لا تتوقف عند تغيير بُنى المجتمع، وتنشيط اقتصاده، وتطوير وسائله، بل هي رسالة القرآن إلى الإنسان أن يغير موقفه، وينتبه لمصيره، ويُقْبِل على نفسه يُغَيِّرُ ما بها لتُقْبِلَ على ربها) 22 .


[1] كتاب “إمامة الأمة”، عبد السلام ياسين، طبعة دار لبنان للطباعة والنشر صدر سنة 1430/2009، ص: 88.\
[2] نفس المرجع ص: 85.\
[3] كتاب “المنهاج النبوي، تربية تنظيما وزحفا”، عبد السلام ياسين، الطبعة الثانية 1410/1989 ص: 332.\
[4] كتاب “إمامة الأمة”، ص: 87.\
[5] نفسه ص: 87.\
[6] نفسه ص: 91.\
[7] نفسه ص: 85/86.\
[8] كتاب “رجال القومة والإصلاح”، عبد السلام ياسين طبعة دار لبنان للطباعة والنشر ص: 7.\
[9] كتاب “إمامة الأمة” ص 88.\
[10] نفسه ص: 151.\
[11] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم، الأستاذ عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى صدر سنة 1420 هـ – 2000 م، ص: 262.\
[12] كتاب “إمامة الأمة”، ص: 90.\
[13] نفسه ص: 91.\
[14] كتاب “المنهاج النبوي، تربية تنظيما وزحفا” ص: 258.\
[15] كتاب “إمامة الأمة” ص: 45/46.\
[16] نفسه ص: 89.\
[17] نفسه ص: 89.\
[18] كتاب “الإسلام والحداثة”، الأستاذ عبد السلام ياسين الطبعة الأولى مارس 2000 عن دار الأفاق ص: 250.\
[19] كتاب “إمامة الأمة” ص: 89.\
[20] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” ص: 115.\
[21] كتاب “إمامة الأمة” ص: 89.\
[22] نفسه ص: 91.\