تعتبر تزكية النفس في نظرية المنهاج النبويّ من القضايا الأساسية والأصيلة في المشروع التغييريّ الذي يرومه الإمام المجدد عبد السلام ياسين – رحمه الله تعالى – لصلتها الوثيقة بمبدأ التغيير ذاته في كتاب الله تعالى ومنهاج رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقد تبيّن من خلال الخلل الذي تعيشه الأمة والمهاوي التي تردت إليها على جميع المستويات، أن مرده إلى الخلل في تزكية النّفس وتربيتها، وتهذيبها وصقلها وزجرها وردعها وتوبيخها في جنب الله وحملها على طاعته والخضوع لجلاله والرضى بقضائه، وربطها بالخالق جل وعلا واستحضار عظمته في كل ما يقوله المرء وما يفعله ويتحمله من مهمات ومسؤوليات.

معنى التزكية وأنواعها

ينطلق الإمام رحمه الله من قول الله تعالى: قد أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى 1 ويدعو في مقدمة كتاب تنوير المومنات إلى التزكية: فالنية – صححها الله – أن يتنور عقل المومنات والمومنين بعلم تزكية النفوس، مقترنا مسايرا قائدا لحركة إنصاف المرأة في قضاياها. ولتنسلك الحركة على ضوء علم التزكية في نظام عمل التزكية. تزكية نفسي وتطهير قلبي الذي به ألقى الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) 2 .

فما معنى التزكية؟ وما أنواعها؟

يختار الإمام المجدد كبديل لمصطلح “التصوف” لفظي التزكية والإحسان، ليدل على المعنى القرآنيّ لتربية النفس وتغيير ما بها، والانتقال بها من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، صعدا في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، وطلبا لما عند الله بعد التوبة والرجوع إليه، وقصدا لرفع الهوان والصغار والذل والتخلف عن الأمة.

إنها التربية الإيمانية الإحسانية التي ترفع من مقام الطليعة المجاهدة وتسمو بها لتلقّي الأوامر والنواهي الإلهية بنية التنفيذ، وهذه التزكية محمودة ومطلوبة ومرتجاة، تنهل من المنهاج التربويّ النبويّ القائم على الرفق والرحمة والتدرج بالعبد في تلقيه وحسب استعداده الفكريّ والوجدانيّ والحركيّ. في حين هناك تزكية منهي عنها في قوله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى 3 التزكية المكروهة المنهي عنها الذميمة هي اغترار العامل بعمله، والمصلي بصلاته، والملتحي بلحيته. يتغذى المزكون لأنفسهم بغرورهم زمانا سوداويا حتى يغشي أعينهم منظار يريهم الناس جميعا هلكى وهم الناجون، ضالين كلهم وهم المهتدون، كافرين كلهم وهم المومنون) 4 .

فهناك تزكية محمودة وأخرى مذمومة، كما أن هناك تزكية تخص الفرد وأخرى تتوجه للجماعة إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلا من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطا من شروطها في خاصة الفرد المؤمن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالا، في حق المؤمنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله. إن لم يُبطل القائمون الباطل في نفوسهم فلن يستطيعوا إبطاله في غيرهم. وإنَّ بناء النفس وتحصين النفس وتزكية النفس بإخراج حب الدنيا جملة وتفصيلا من القلب لهو البناء) 5 ويرى أن التزكية – وهي التربية الجديدة للخلق الجديد – تكمل التربية العلومية وتغذيها وينطلق من سورة إبراهيم لاستنتاج أن التربية الجديدة للخلق الجديد ما كان اتباعا للرسل لا اتباعا للمستكبرين الجبارين، ما كان خوفا من مقامه سبحانه ووعيده لا خوفا من بطش الجبارين. فالدرس من سورة إبراهيم هو أن التربية العلومية القرآنية إن هذبت العقل ونورت القلب تُكمَّلُ بالتربية الروحية، أي التزكية التي تصقل الفطرة وتُسْكِنُ في النفس مخافة الله فيَهون كل مَن عليها في عين جند الله، وينبري جند الله للقاء موعود الله. سنتُه ووعده، واستقامة على سنَنِ من كُذِّبوا فصبروا، ونصروا الله فنُصروا) 6 .

مظاهر التزكية

تتجلى التزكية في تربية النفس وصقلها وزجرها وردعها وتوبيخها في جنب الله وحملها على طاعته والخضوع لجلاله والرضى بقضائه والخوف من بطشه والشوق إلى لقائه والتواضع لقدرته تعالى وفي اللين لخلقه والذلة على المؤمنين والعزة على الكافرين، والعداوة للشياطين وأعوانهم وإخوانهم وهذا يفوق بذلها في ساحة القتال ومواقع النزال: إن بذل النفس في ساحة القتال، دفعة واحدة، بِحال صدق في ساعة صدق، قربة يبلغ الله بها المجاهد في سبيله درجة الشهادة، وهي درجة عظيمة عند العظيم الكريم. أعظم منها درجة الصديقية التي تقتضي بذلا للنفس في عمر طويل. بذلها بتهذيبها، وصقلها، وكفها عن محارم الله، وزجرها عن حماه، وقمعها، وردعها، وتوبيخها في جنب الله، وحملها على طاعته، وخضوعها لجلاله، وخشوعها لهيبته، وتَضَعُّفها أمام قوته، وتواضعها لقدرته، ورضاها بقضائه وقدره، وصبرها على بلائه، وخوفها من بطشه، ورجائها في عفوه، وشوقها للقائه، ورقتها لخلقه، وذلتها على المؤمنين، وعزتها على الكافرين، وعدائها للشياطين وإخوان الشياطين) 7 .

وتتأسس القوة الجماعية وفاعليتها في التغيير على قوة الفرد قلبا وفكرا وحركة وجهدا مبذولا وإن تتبعنا القوة الذاتية للجماعة والإرادة المغيرة نجدها تنبع من قلب الفرد العضو وفكره، وحركته، وسائر طاقاته. وإنما يحقق النظام، ووحدة القيادة، وضبط المسؤوليات تلك القوة الذاتية الكامنة في الأفراد، ويبرزها على شكل إنجازات عينية) 8 .

ومعنى ذلك أن التربية مقدمة لازمة للجهاد. تربية، استقامة، تواص بالحق والصبر، دائما لا نمل. والتقصير البشري لا سبيل لتلافيه إلا بإجماع الإرادات الصالحة على قبول هذا المبدأ: إن كل مؤمن يبذل أقصى ما فيه من خير. ثم يشاهد تقصيره، ويقبل النصح، ويتعاون، ويلين لأخوته، ويحب، ويتشاور، ويطيع.)أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين 9 فهي نفوس بلغ منها التهذيب مبلغا جيدا تلك التي تقدر على نبذ أنانيتها، وتهاجر إلى الله ورسوله من قعودها، وتتألف قلبا وقالبا على موجبات التنظيم وواجباته) 10 .

وهذا يدلل على أهمية التزكية في التغيير ودورها في نقل الفرد المؤمن من حال متردية مضطربة سائبة إلى حال مستقرة ثابتة ومنتظمة، لذلك ينبه الإمام المجدد رحمه الله إلى أن مظنة كل خلل في أبواب الجهاد الأخرى هو الخلل في التربية. فمتى وقف بنا الحال فيما نتحرك ونروم، فلنعلم أن حالنا مع الله في تدن وفتور. ومتى عم فينا الفشل فلنعلم أننا اتكلنا على حيلتنا فوكلنا الله إلى أنفسنا. ومتى ظهر فينا التنافس على الرئاسات والمناصب، متى أصبحنا أعزة على بعضنا أذلة على خصومنا وأعدائنا قلبنا الآية، فلنعلم أن الله لا يحبنا) 11 .

ويقترح لتجاوز هذا الخلل: وفي كل ذلك نجدد التوبة، ونصحح النيات، ونذكر الله كيلا ينسينا أنفسنا. فإننا إن نسيناها ولم نتعهدها بالتزكية، وننورها بالعبادات، ونروضها بالعمل الصالح، هلكنا أفرادا وتنظيما وأمة. ورجعنا إلى حالة الغثائية ومرض الوهن) 12 .

ويعتبر أن أي تغيير لا بد أن ينطلق من أنفس الدعاة واضعين الكتاب والسنة ضابطا لتصرفاتهم ويبدأ هذا التغيير الشامل من أنفس الدعاة. عليهم أن يضبطوا كل تصرفاتهم وحركاتهم بضابطي الكتاب والسنة. الجد في حمل أنفسنا على الاستقامة لا التوجه إلى المسلمين بالتكفير. الوقار لا الجمود. البشر لا الاكفهرار. الأدب لا الإسفاف والتبذل التريث لا العجلة. التعلم والصبر عليه لا ترديد العبارات) 13 .

آثار التزكية في التغيير

تنعكس التزكية على الفرد والجماعة أثرا طيبا مباركا، وتؤتي ثمارها بإذن ربها، ويبلغ فضلها الأمة جمعاء، فهي إن كانت خاصة بالفرد إلا أنها ممتدة لنفع المجتمع (الأسرة والحي والمدينة…)، فتتغير الأحوال لا محالة نتيجة لذلك وتبعا للنور الذي يسري بين الناس: أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا 14 .

قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: فَهدَيناهُ لِلإسلامِ، فَأَنعَشناهُ، فَصَار يَعرف مَضَار نَفسه ومَنافعهَا، وَيَعمَل فِي خَلاصهَا مِن سَخط الله وَعِقَابه فِي مَعَاده، فَجَعل إِبصَاره الْحقّ تعَالَى ذكرُهُ بَعْد عماهُ عنه ومعرفَته بوحدَانيتهِ وشرائِع دِينه بَعد جَهله بِذلِكَ حيَاة وضياء يَستضيء بِه، فَيَمشِي عَلى قَصد السَّبيل ومَنهَج الطّرِيق في النّاس…) 15 .

والنور عبارة عن الهدى والإيمان. وقال الحسن: القرآن. وقيل: الحكمة. وقال أهل التفسير كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم، وأنشد بعضهم:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله *** فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرأ لم يحي بالعلم مـيت *** فليس له حتى النشور نشور
تؤثر التزكية في أداء جند الله وتؤهلهم للجهاد ومصاحبة الناس والكينونة معهم ومشاركتهم آلامهم والإحساس بمعاناتهم والتطلع لرفع ما ألمّ بهم ثم إن تلك الإرادة الإيمانية هي الطاقة المحركة. فيكون تجديد الإيمان وتربيته وتقويته وتعميمه وتكوين جند الله المقاتلين عن الإسلام الخطوة الحاسمة. وجند الله بعد أن يتألقوا صفا مجاهدا، وخلال ائتلافهم، جزء من الأمة يعايشونها وينالهم ما ينالها. لا معنى للجهاد إن نفض جند الله أيديهم من الحاضر المكروه ولم يُعْنَوْا العنايةَ التامة بتركيبه ودقائقه وحركته والقوى المهيمنة عليه.من هذا الواقع الحاضر تبدأ الحركة، وإياه تقصد بالتغيير) 16 .

وهذه التزكية تساعد جند الله على اقتحام العقبات ورفع الهمم والإرادات فعلى جند الله أن يقتحموا العقبات الحائلة بينهم وبين حيازَة ثقة الأمة ليبثّوا فيها وعيا إسلاميا فعالا، وليرفعوا فيها العزائم والإرادات، حتى يكون التغيير المنشود باسم الله، وعلى يد جند الله، وانطلاقا من كتاب الله، وتأسيا برسول الله. ألا وإن دين الله غير دين الانقياد، وغير ملة الخمول والاستقالة) 17 .

ومما يؤكد أثر التربية الإيمانية الإحسانية أنها تربط جهاد النفس بجهاد العلم والعمل وطلب الحق، وعليه يجب أن يكون الهم الأول لكل مؤمن ومؤمنة نيل رضى الله، ورضى الله أشبه أن يناله المجاهدون. فمن ثم ينبغي للتربية الإيمانية الإحسانية أن تربط جهاد النفس لترويضها على الحق بجهاد العلم والعمل. وينبغي للتنظيم المنهاجي أن يؤسس حركته الأفقية اليومية والتاريخية على ذلك الشوق الذي يحث العبد على اقتحام العقبة إلى الله) 18 .

خلاصة

إن تغيير ما بالنفس بتزكيتها مقدمة لتغيير ما بواقع الفرد، ثم تغيير أحوال الأمة، لقوله تعالى: إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم 19 . فإنَّ هذه الآية تشير في عموم إطلاقها إلى أن المسلم التائب عندما يتغير موقفُه من نفسه، ومن خالقه، ومن الكون، وعندما تتغير علاقاته تبَعا لذلك الموقف، وأخلاقُه، وتصورُه، يتغير ما به من رذيلة، وظلم اجتماعيٍّ، واستبداد سياسيٍّ، وعجز اقتصاديٍّ، وخمولٍ فكريٍّ، وتبعيةٍ للجاهلية) 20 .


[1] سورة الأعلى: 14-15.\
[2] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج1، ص: 8.\
[3] سورة النجم: 31.\
[4] ياسين عبد السلام، محنة العقل المسلم، ص: 63.\
[5] ياسين عبد السلام، الإحسان ج1، ص: 435.\
[6] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات ج2، ص: 267.\
[7] الإحسان ج1، ص: 485.\
[8] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، ص: 385.\
[9] سورة المائدة: 54.\
[10] المنهاج النبوي، ص: 386.\
[11] المنهاج النبوي، ص: 388.\
[12] المنهاج النبوي، ص: 388.\
[13] المنهاج النبوي، ص: 266.\
[14] سورة الأنعام: 122.\
[15] انظر تفسير الطبري.\
[16] ياسين عبد السلام، مقدمات لمستقبل الإسلام، ص: 20.\
[17] ياسين عبد السلام، رجال القومة والإصلاح، ص: 24.\
[18] المنهاج النبوي، ص: 18.\
[19] سورة الرعد: 11.\
[20] ياسين عبد السلام، إمامة الأمة، ص: 180.\