إننا بعد كثير تنقيب وتمحيص لم نجد شخصية في تاريخ البشرية عنيت حياتها بالدراسة كشخصية الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه، بل تحولت جوانب حياته علوما تصنف وتدرس على مر العصور، كعلوم الشمائل وعلوم المغازي والسير، والاستخلاصات الحركية والمنهجية الدعوية من طريقته، وكتب الدلائل المتعلقة بالنبوة، وكتب الحقوق الخاصة به… والعجيب أن المتأخر يجد في سيرته مالم ينقب عنه المتقدم، وجماليات هذه العلوم أنها ليست مجردة بل ممزوجة بالعشق والحب، حتى نجد من أهتم بالكتابة عن تفاصيل الحياة، بل نقف عند من كتب ومدح نعال رسول الله الكريم صلوات ربي وسلامه عليه.

نعم رأينا مدحا متزلفا للحكام من الشعراء ابتغاء دريهمات، أما أن يمدح النعل حبا وعشقا، فلعمري هذا هو الجنون بالجمال المحمدي.

بالنظر لمعاجم اللغة نجد أن النعل هو ما وقيت به القدم الأرض ولم يصل للساق.

وقد سال حبر كثير في مصنفات في مدح نعل النبي صلوات ربي وسلامه عليه أجلها وأكبرها كتاب الإمام الأديب الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد المالكي المقري التلمساني (توفي 1041هـ) صاحب نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب)، هذا الكتاب الذي جمع في كل ما يتعلق بوصف وأحاديث وأحكام النعل، والشعر والنثر في عشقه وزاد فيه رسما تخطيطيا للنعل، كما أورد وصفه الحافظ العراقي صاحب ألفية السيرة النبوية وغيره من علماء الأمة الأجلاء، وسمى هذا الكتاب فتح المتعال في مدح خير النعال) وصنفه سنة 1030هـ بالقاهرة، إلا أنه يذكر أنه أعاد نسخه في الروضة الشريفة فقال:

حررت هذه النسخة بالمدينة المنورة بين القبر الشريف والمنبر المنيف بالروضة السامية تجاه الرأس الشريف لصق شباك الحجرة المعظمة النبوية… وكنت أكتب كل يوم من الضحى إلى الظهر فكملت ولله الحمد والمنة في نصف شهر… وما مناي الأعظم بعد حصول هذه النعمة إلا شفاعة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم).

وللإمام المقري مصنفان آخران بعنوان: النفحات العنبرية في وصف نعال خير البرية)، وكتاب نفحات العنبر في وصف نعل ذي العلاء والعنبر)، والظاهر حسب بحثي أنهما مخطوطان لم ينشرا بعد.

ويذكر الإمام المقري أن أكثر من صنف في نعال النبي صلوات ربي وسلامه عليه هم المغاربة، فلقد فاقوا المشارقة شرفا، ويعلل أن أهل المشرق كانت عندهم النعال الخاصة بالنبي فكان يبردون الحب نظرا لها، أما المغاربة فتفجر الحب والشوق شعرا، وقد ذكر المحقق أحمد تيمور باشا أماكن تواجد نعال النبي في كتابه الأثار النبوية.

ومن الأئمة الأعلام الذين صنفوا في مدح النعال ووصفها الحافظ ابن عساكر الذي كتب كراسة صغيرة في الفضائل الشهيرة والأشعار الجليلة، ثم اختصره شيخ الإسلام السراج البلقيني سماه: خدمة نعل القدم المحمدي).

كما ألف الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي الأندلسي رائية شعرية من مائة وعشرة أبيات سماها: نتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم).

وللهنود نصيب فقد صنف الشيخ أشرف علي التهانوي رسالته: نيل الشفا بنعل المصطفى).

أما عن بعض مبررات التصفيف نثرا وشعرا في مدح النعال يذكر قال القاضي الشاعر علي بن محمد العنـسي (وفاتُهُ 1139 هـ) رحمهُ اللهُ تعالى:

كان يخطر في البـالِ نظمُ قصيدةٍ في مدحه صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلّم، وكلّـما نظرتُ إلى علوِّ محلِّـهِ، وفرط قصور مدحي فيه بعد أن مُـدِحَ بكلامِ ربّ العِزّةِ الذي لا يأتيهِ البـاطلُ من بين يديهِ ولا من خلفهِ، أحْجمتُ عن ذلك تهيُّـباً منّي لذلك الجلال .. ولمّا اطلعتُ على مثـال النّـعلِ الشريف عثـرت على البُـغيةِ المقصودةِ، والضّالّةِ المنشودةِ، وقلتُ للفكر القاصِـرِ: آنَ لك أن تنتهزَ الفـرصةَ، فيكفيكَ من الفخر أن تشرّفَ بمدحِ هذا المثـالِ المنيفِ، وتـتـمسّك بشِـراكِ هذا النّـعل الشّريف).

فالغاية من مدح النعل هو كمال التأدب الممزوج بالقصور مع بهاء الممدوح.

وبعيدا عن كل كلام عن التبرك والجدل الفقهي فيه بين جاف جاف المشاعر ومطري إطراء النصارى، أترك الخوض في هذا البحر لأهل الصنعة.

إلا أن ضابط مدحنا للحبيب وما تعلق به هو قول المحب العاشق الإمام البوصيري رحمه الله حين قال في بردته المشهورة:

دع ما ادعته النصارى في نـبـيـهم *** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

ولا لوم في التعلق بالنعال فهذا حال المحبين العاشقين الولهين، فهم يتعلقون بطيف حبيبهم فما حالهم لو وجدوا بعض أثاره ورسائله، وشعارهم: إني لأجد ريح يوسف، ومنهجنا ومذهبنا ليس تقديس الجماد بل كما قال الشاعر:

وما حب من النعال أمال قلبي *** ولكن حب من لبس النعال
فأكرم بها من نعال زكت *** بأطيب الفعال وشرفت بالمختار
وهو اقتباس من أشعار مجنون بني عامر

حتى أن العربي الأصيل لما عشق امرأة سوداء أعماه الحب حتى قال:

أحبُّ لحُبِّها السودانَ، حتى *** أحبُّ لحبِّها سودَ الكلابِ

وهذا عربي جمع مصنفا فيه كل ما يتعلق بالخمر لشدة تعلقه به وسماه: قذب السرور في وصف الأنبذة)، وهو ظلمات بعضها فوق بعض، ولكن الشاهد إن من أحب شيئا أكثر ذكره والصب يتسلى بالتغزل، ليطفئ نار الجوى فيزيد التهابا، كيف إذا كان المحبوب سيد من مشى على الأرض من حاف ومنتعل، فجاءت القصائد الرائقة والمقاطع الفائقة في مدح النعال الكريمة.

ومن هذه الجماليات قصيدة لأبي الطيب أحمد المقدسي في مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم ضمنها اقتباسات لغيره:

أَقُولُ وَالدَّمْـعُ مِـنْ عَيْنَـيَّ مُنْسَجِـمٌ *** لَمَّـا رَأَيْـتُ جِـدَارَ القَبْـر يُسْتَـلَـمُ
وَالنَّـاسُ يَغْشَوْنَـهُ بَـاكٍ وَمُنْقَـطِـعٌ *** مِــنَ المَهَـابَـةِ، أَوْ دَاعٍ فَمُلْـتَـزِمُ
فَمَا تَمَالَكْتُ أَنْ نَادَيـتُ مِـنْ حَـرَقٍ *** فِي الصَّدْرِ كَادَتْ لَهَا الأَحْشَاءُ تَضْطَرِمُ
[يَا خَيْر مَنْ دُفِنَـتْ بِالقَـاعِ أَعْظُمُـهُ *** فَطَابَ مِنْ طِيبِهِـنَّ القَـاعُ وَالأَكَـمُ]
[نَفْسِـي الفِـدَاءُ لِقَبْـرٍ أَنْـتَ سَاكِنُـهُ *** فِيهِ العَفَافُ، وَفيـهِ الجُـودُ وَالكَـرَمُ]
إلى أن قال البيت الجميل الذي تمنى فيه أن يكون خده بساطا لقدمه الشريفة:

لَوْ كُنْتَ أَبْصَرْتَهُ حَيًّا لَقُلْتَ لَـهُ *** لاَ تَمْشِ إِلاَ عَلَى خَدي لَكَ القَدَمفالله الله على المشهد الكريم الجميل.

وفي هذا المعنى قال الإمام النبهاني أيضا مع تخليد أروع للنعل الطاهرة التي رافقت صاحبها في رحلة الإسراء والمعراج واخترقت نواميس الكون:تمنيت أن الخد موطىء نعلـه *** وكحل عيونى من تراب شغاره
لدى الطور موسى نودي اخلع وأحمد *** على القرب لم يؤمر بخلع نعاله
بل زاد العاشقون أن تمنوا تقبيل هذه النعال فقد حازت شرف ملامسة الجلد الطاهر، فتمنيت وأنا أقرأ البيت أني شراك لهذا النعل، فمن جاور شيئا أخذ حكمه ومن لاصق رحيما نال منه نصيبا، وتذكرت الصحابي سواد بن غزية رضي الله عنه الذي طلب القصاص من النبي صلوات ربي وسلامه عليه عندما غمزة بعصى لتسوية صف، وكل مراده أن يلامس جلده جلد النبي ويقبله.

قال الحافظ الكبير زين الدّين العراقيّ رحمه الله تعالى في ألفيّة السّيرة النّبويّة) على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام:

ونعله الكريمة المصونه *** طوبى لمن مسّ بها جبينه

وهذا ابن معصوم يرى أنه محروم فيحاول الاستدراك بالتقبيل:

فالثمهُ لثم محبٍّ لم يفُزْ بِلقا *** حَبيبه فرأى الآثارَ للقدَمِ
وكم فتى فاته لثم النعال غدا *** يرجو ويأملُ أن يَلقاه من أمَمِ
وقال في موضع ثان:

إن لم تفز يوماً بقرب مزاره *** فاقنعْ بما شاهدتَ من آثارِه
واكحل جُفونَك من مواطىء نعله *** واسفح دموعك في رسوم دياره
إن هؤلاء الأعلام تشرفوا بخدمة النعال اقتداء بحاملهما من الصحابة وشعارهم قول الإمام النبهاني رحمه الله:

إني خدمت مثال نعل المصطفى *** لأعيش في الدارين تحت ظلالها
سعد ابن مسعود بخدمة نعله *** وأنا السعيد بخدمتي لمثالها
وأحسب أن الشيخ محمد أحمد الراشد في كتابه عبير الوعي سقط منه في استثماره للخلود وتمنياته لما سيفعل بالجنة تقبيل القدم الكريمة، ففيها ما يشتهون، ومذهبي على قول القاضي علي بن محمد العنسي:

فكيفَ لو قبّلَ النّـعْلَ التي ارتفعتْ *** على السِّماكِ، على الجوزا، على زُحَلِ
بل كيفَ لو كان ذاك اللثْم في قَدَمٍ *** عَلَتْ محلاً على الروحِ الأمينِ علي
فضُمّهُ يا كسيرَ القلبِ منتــصِباً *** لِلَـثْمِهِ فهْوَ عندي قِبْـلة القُبَـــلِ
أجل هو قِبلة (بكسر القاف وسكون الباء) من أراد التقبيل.

وصدق من وصف حال العشاق عندما قال: معذور من ذاق ومعذور من لم يذق).

فكيف بمن شرب حتى ثمل ولم يكتف بالتذوق؟ وكيف إن كان الحبيب سيدي رسول الله ويوم القيامة يقدم الإمام المقري ومن معه في مذهب العشق هدية للحبيب في مدح نعله، فما سيكون بين أيدينا نحن يا ترى؟

كان عالم المدينة الإمام مالك، يمشي حافيا في المدينة مخافة أن يطأ بنعله موطنا مشى فيه الرسول، توقيرا له فكيف أصبح توقيرنا للحبيب.. يارب رحمتك.

ويا للمسكين التائه الشريد الذي حاول الإساءة له، وما درى أن نعله صلى الله عليه وسلم أشرف من جمعه ومن إعلامه.