بقلم: محمد زاهد جول (باحث تركي)

نظمت “مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين” مساء يوم الفاتح من فبراير 2015 بقاعة المؤتمرات في المركز الثقافي علي إميري أفندي في إسطنبول حفلها الافتتاحي، بمشاركة الفنان رشيد غلام من المغرب والفنان اندر دوغان من تركيا. ومؤسسة الإمام عبد السلام ياسين “مؤسسة علمية أكاديمية، تهدف إلى “تطوير وتعميق البحث في المشروع التجديدي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، والتعريف به”، وإلى “إعداد المتخصصين في الدراسات المنهاجية، وإلى المساهمة الفاعلة في تقدم البحث العلمي”.

أما جماعة العدل والاحسان فهي إحدى حركات العمل الإسلامي الحديث في المغرب، وقد أخذت على عاتقها مسؤولية التغيير للواقع الإسلامي الأليم، وقد كانت جماعة العدل والاحسان ولا تزال من أهم مدارس التغيير والتجديد في المغرب أولاً، وفي البلاد العربية ثانياً، وفي العالم الإسلامي ثالثاً، وميزتها على غيرها من الحركات والجماعات الاسلامية أنها اعتمدت على بيان مناهج التغيير التأصيلي في القرآن الكريم والمنهاج النبوي العظيم، وإعطاء أجوبة كافية وشافية على تحديات الحاضر داخلياً، وعلى الموقف من الآخر الحضاري وقيمه التي حاول أن يغزو بها المغرب الاسلامي والعالم أجمع.

مؤسس جماعة العدل والاحسان هو الامام عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي كان مولده يوم الإثنين الرابع من ربيع الثاني سنة 1347 هجرية الموافق للسابع عشر من سبتمبر/أيلول 1928 ميلادية بمدينة مراكش (المغرب). وقد كان الشيخ عبد السلام أحد المجددين الاسلاميين في العصر الحديث، وقام بنشاط علمي ودعوي وتربوي وتنظيمي وتجديدي في معظم أيام حياته، إلى أن توفاه الله إلى رحمته يوم الخميس 28 محرم 1434هـ الموافق 13 ديسمبر 2012، وقد ترك بين يدي أتباعه أمانة علمية ودعوية كبيرة، وعدداً كبيراً من المؤلفات القيمة.

لقد انطلق هذا المشروع بكتابي: “الإسلام بين الدعوة والدولة” 1972، و”الإسلام غدا” 1973، اللذين وضعا أسس ومنطلقات “مدرسة المنهاج النبوي”. ثم كتاب: “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” 1982 الذي تضمن المعالم الكبرى لهذه المدرسة من خلال تقديم تصور تربوي وتنظيمي متكامل للعمل الإسلامي، لذلك يعد هذا الكتاب الإطار الإيديولوجي لجماعة العدل والإحسان، ثم جاءت كتب أخرى تفصل مفردات هذا التصور في مختلف المجالات، مثل كتاب “الإسلام والقومية العلمانية”، 1989 الذي يتناول الموقف من النزعة القومية وما جنته على الأمة، ومن الأطروحة العلمانية أيضاً، وكتاب “نظرات في الفقه والتاريخ”، 1990، وكتاب “تنوير المؤمنات” في جزأين، 1996، الذي يطرح فيه الأستاذ ياسين موقع المرأة المسلمة في معركة التغيير والبناء؛ بتحرر كامل من النظرة التقليدية المتزمتة والنظرة الغربية المتحررة، وكتاب “الإحسان” في جزأين، 1998-1999 وهو عماد “مشروع المنهاج النبوي” بما تضمنه من تحليل عميق لما عرف بالتصوف، وتأكيد على محورية الأساس التربوي في العمل الإسلامي، وكتاب “العدل: الإسلاميون والحكم”، 2000 يمثل هذا الكتاب تنظيرا شاملا للحكم الإسلامي وعقباته، وسبل مواجهتها، وهو بذلك توضيح لمضامين “العدل” الشطر الأول من شعار مدرسة المنهاج النبوي أي “العدل والإحسان”، وغيرها من المؤلفات القيمة.

لقد أسس للمغاربة والمسلمين مشروعاً تجديدياً يحتاجه عصره أولاً، وسيبقى منارة فكرية لكل مشاريع التجديد القادمة داخل المغرب وخارجه، وهذا التيار العلمي والسياسي والتجديدي هو اليوم أكبر تيار إسلامي منظم في المغرب على الإطلاق، وقد استطاعت الجماعة خلال العقود الماضية تكوين شعبية كبيرة قادرة على الحشد الجماهيري عند الضرورة، تجلى ذلك أثناء ما سمي بثورة فبراير، كما شهدناها مرارا في المظاهرات التي تخرج تأييداً للقضايا الاسلامية العالمية مثل القضية الفلسطينية وغيرها، وكذلك مئات الآلاف التي خرجت بطريقة عفوية عند جنازة الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله.

والغريب أن الجماعة غير مشهورة في المشرق إلا عند المختص بمتابعة الحركات الإسلامية، وحتى المختصون فإن معلوماتهم النظرية قليلة إذا لم يتقصدوا متابعة شؤون الجماعة او شؤون الحياة السياسية المغربية، ولقد كان تصوري عن جماعة العدل والإحسان قبل سنوات تصوراً بسيطاً للغاية، كما هو تصور جل المشارقة عن هذه الجماعة وشيخها ومؤسسها الشيخ عبد السلام ياسين؛ لقد كنت أعتقد كما يظن الأغلبية من الإسلاميين أن هذه الجماعة ما هي إلا جماعة صوفية منظمة كالجماعات الصوفية الكبيرة التي تكون لها رؤية سياسية معارضة، ولكن تبين لي وبعد لقاء قادة الجماعة عن قرب أن الجماعة أكثر أهمية ونضوجاً وتنظيماً ووعياً وانتشاراً وقدرة على حمل رسالة الدعوة داخل المغرب وخارجه.

لقد اطلعت في الماضي على تقارير أمريكية وأوروبية عدة تتحدث عن مدى قوة هذه الجماعة في المغرب، لكن القراءة والاطلاع ليس كالمعاينة والمشاهدة، إذ كانت دهشتي كبيرة جداً عندما عايشت قيادات الجماعة وتعرفت عليها خلال ستة أيام في المغرب، شاركت فيها في الندوة الفكرية في موضوع: ”التغيير في نظرية المناهج النبوي للإمام عبدالسلام ياسين”، بتاريخ 13 ديسمبر 2014، فقد اكتشفت في هذه الندوة واللقاءات مع القيادات العليا المشاركة في الندوة أنها جماعة متكاملة في جميع المجالات، سواء من خلال التنظير أو التربية أو ما يمكن تسميته بالتنظيم السياسي، وأنها جماعة متكاملة الأركان والجوانب بالإضافة للقوة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهائلة لأكبر جماعة إسلامية مغربية.

الجديد في هذه التجربة العمق في الفكر والتأصيل، إضافة لكونها جماعة مغربية خالصة، لم تتأثر بالحركات والرموز الإسلامية في المشرق عموماً إذ أنها بنت واستفادت في رؤيتها الدينية التأصيل على علماء المغاربة من أمثال المرحوم الحسن بن الصديق الغماري وعدد من إخوانه وأبنائه، أو تلاميذه من أمثال الشيخ عبد الله بن عبد القادر التليدي، الذي يعد أحد أعمدة التصور الفقهي للجماعة، وهو فقيه مالكي بخصوصية مغاربية تختلف عن المرجعيات الفقهية المعروفة في العالم العربي والإسلامي، ولكن ذلك لا يعني أن الجماعة لم تكن تعرف أخواتها من الحركات الإسلامية في المشرق، فكتب الشيخ عبدالسلام مليئة بأسماء أئمة الدعوة الإسلامية مثل حسن البناء وسيد قطب والغزالي وغيرهم.

وتنظيم جماعة العدل والإحسان ربما يشبه نسبياً طبيعة التنظيمات اليسارية المحظورة من الناحية التنظيمية الهيكلية، لكن التأصيل الديني والفقهي لطبيعة التنظيم في كتاب “المنهاج النبوي” يثبت أنها حركة نموذجية، فقد كان الكتاب إبداعاً وتفرداً مهماً تمتاز به الجماعة من وجهة نظري، ولذلك فإن للجماعة أطرها العلمائية الفقهية، وهي بذلك تتجاوز غالبية الجماعات الإسلامية التي لا تول اهتماماً خاصاً بهذا الموضوع.

كما أن للجماعة مراكزها الخاصة التي تعنى بالدراسات والبحوث العلمية الخاصة بها، وقد أصدرت الجماعة خمسة تقارير سنوية شاملة عن حالة المغرب على كافة الأصعدة، مما يؤكد أن اللجان الفرعية في الجماعة على دراية كاملة بأحوال بلدهم في كل مناحي الحياة، وهي نقطة تنعدم كليا أو جزئياً عند الجماعات الإسلامية في الغالب، إذ كبرى الجماعات الإسلامية لا توجد لديها مراكزها البحثية.

والجماعة تصدر تقارير مختصة في كل شؤون المغرب والعالم الإسلامي وهو عامل مهم لزيادة الوعي لدى كوادر الجماعة، والجماعة لديها ما يمكن تسميته بحكومة الظل كما كان ذلك في التجربة التركية وبناء على المعطيات التي اطلعت عليها يمكنني القول أن الجماعة لديها تصور سياسي وبرامج جاهزة وربما عدد من الأسماء المرشحة لاستلام المناصب الرسمية، ويمكن القول أن الجماعة لديها تصورها الخاص والواضح الذي ستعمل به في أي حالة انتقالية، والجماعة وضعت تصورات محتملة في كل يمكن للجماعة أن تفعله فيما لو تغيرت الأوضاع السياسية في المغرب، وتعمل بكل طاقتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية لتصحيح أوضاع المغرب السياسية، لذا فهي تعمل لإنهاء سلطات الاستبداد المتنوعة، وتؤسس للشورى في كل مستويات الدعوة واجتماعات الجماعة، وهي رؤى تقوم على منهجية علمية وسياسية يقوم بها مختصون من أبناء الجماعة.

إن طريقة الخطاب بين أفراد الجماعة بسي فلان للرجل والمرأة بللا فلانة وهي طريقة مغربية خالصة في الخطاب تظهر مغاربية الجماعة، بخلاف الجماعات الإسلامية المغربية الأخرى التي ربما تنادي بالاسم أو اللقب أو الكنية تأثراً بالمشارقة، وهذا يظهر أن الجماعة حريصة على تأكيد الانتماء للمغرب بكل أبعاده ومقوماته، وما يُمكنه أن يتقدم ويزدهر بالشراكة مع كل مكونات المجتمع المغربي.

إن الجماعة لها تصورها الخاص بمفهوم التعددية والإثنيات وربما يمكن القول إن الشيخ عبد السلام ياسين طرح مشروعاً سياسياً لحل كل المشاكل الاقتصادية والسياسية التي تواجه المغرب، بما فيها قضايا المغرب السياسية ذات الشأن الدولي مثل حل مسألة الصحراء المغربية، وحل المسألة الأمازيغية في كتابه: “حوار مع صديق أمازيغي”، وللشيخ مقولة ربما لم يتنبه لها الكثيرين إذ قال: “إنه يفكر بالأمازيغية” والتفكير بالأمازيغية لا تعني اللغة فحسب بل تعني في مضمون دلالاتها الفكر والفلسفة وجوانب الحياة الاجتماعية وما إلى هنالك.

إن الخلاصة الضرورية هي أن الشيخ عبد السلام ياسين استطاع أن يقدم رؤية إسلامية مغربية متكاملة، كما طبق هذه الرؤية وترجمها واقعاً في إطار جماعة العدل والإحسان طوال حياته، والتي أصبح لها نصيب وافر من الهيمنة على مفاصل الدولة في الاقتصاد ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والتربوية والكثير الكثير مما يمكن تسميته بالكيان الموازي الذي يباشر عمله بكل جدية ومثابرة.

إن الجميل في هذه الجماعة الخصوصية المغاربية وعدم الاتصال بالخارج بل الإبقاء على تلك الخصوصية حتى لو كان تنظيما في أوروبا أو دول افريقيا، وربما تسمح لي الظروف للكتابة عن جماعة الإحسان وتنظيماتها في أوروبا وهي جماعة تنفصل كليا عن العدل والإحسان المغربية في إطار التنظيم لكنها ترتبط بها عاطفياً ووجدانيا.

بدأت جماعة العدل والإحسان بنشر رؤيتها للعالم الإسلامي من خلال مؤتمر عقد في اسطنبول لمدة يومين قبل سنتين من الآن، وكان ذلك قبل نحو 10 أيام من وفاة الشيخ عبد السلام، وعملت الحركة على تدشين مركز للدراسات في اسطنبول في البارحة، ومن المتوقع أن يعطي المركز فرصة لنشر فكر الجماعة، ويزيدها بريقاً جديداً، ويوفر لها منصة ومنبراً للتواصل مع الجماعات والحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وهي نقطة تفتقر إليها الجماعة الآن.

إن الأمل أن يتوجه أبناء التيارات الإسلامية الأخرى في المشرق والمغرب أيضاً للتعرف عن قرب على تجربة إسلامية فريدة في التنظير والتأهيل والتأصيل والتربية والتنظيم، وأعتقد أن لدى هذه الجماعة الإسلامية ما ستضيفه وتقدمه للمغرب ونهضة العالم العربي والاسلامي كالتجربة التركية لحزب العدالة والتنمية، مع الاعتراف بوجود نوع من الاختلاف الفكري والمنهجي والتنظيمي مع هذه الجماعة، إلا أن لكل جماعة ظروفها وشروطها واجتهادها، الذي يحقق لها النجاح كرافد من روافد نهر الإسلام العظيم.