بنظرة خاطفة، ينتهي المتابع للمشهد السياسي العربي إلى اقتناع لا يختلف حوله اثنان، ولا يتناطح عليه عنزان. اقتناع يلخص حجم البؤس واليأس الذي أضحى طاغيا.

مشهد يبدو فيه الحاكم العربي عنصرا رئيسا، ماسكا بخيوط مؤسسات الحكم، فهو يحركها كيف شاء ومتى شاء، ولأي غرض شاء.

وتبدو الديمقراطية أعظم غائب في حضرة الحاكم العربي، وفي الآن ذاته، أكبر خاسر. ولا شك، أيضا، أن متلازمات الدمقراطية، بدورها، لن تجد لنفسها مكانا في هذه الحضرة “المتألهة”، فلا استقلال للسلط، ولا تداول على السلطة، ولا ربط بين السلطة والمحاسبة، سلطة منفلتة من كل عقال المساءلة.

فإلى أي حد تؤثر سوداوية المشهد على المواطن العربي؟

وكيف تؤدي هذه العناصر الاستبدادية وظيفتها التدميرية في تأخير مسيرة التنمية؟

يعاني العالم العربي من أزمات متعددة في أغلب المجالات، تبدأ بضعف واضح في مجال الصناعة، وإخفاق كبير للتعليم والبحث العلمي، واحتلال مراتب متأخرة في مؤشرات التنمية البشرية، ولا تنتهي بالفشل في تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الغذائي، وغياب مهول للحرية وحقوق الإنسان.

هذه الإخفاقات المتراكمة إنما هي انعكاس طبيعي للإخفاق السياسي، الناتج عن غياب الديمقراطية من الساحة العربية إلا فيما ندر، في أشكال أحزاب سياسية كرتونية لا تلبي طموحات الناس، أحزاب في واجهةِ بيتٍ حديقتُه الخلفية حبلى بالقمع والاستبداد.

استبداد قروني نال من وهج الحضارة الإسلامية المتألقة؛ فانكفأ، تبعا لذلك، العالم العربي على ذاته. وبذلك، قل الإنتاج وتضخمت معدلات الاستهلاك، ليصبح العرب، مع هذا الواقع، يعيشون تبعية سياسية واقتصادية للخارج المتربص لمجرد غفوة وكبوة، فكيف بسبات؟! يزيد من حدتها تغول الحاكم الأناني الماكيافيلي 1 في الداخل، وتوالي ضرباته.

حاكم لم تفرزه صناديق الانتخابات، ولم تسيده إرادة المرؤوسين، وإنما اعتلى صهوة الشرعية التاريخية عنوة، وظل يعزف عليها زمنا، فاستكان إليها البعض وقالوا إنها ملاذ من الفتن ومجلبة للأمن، وعارضها آخرون ورأوا فيها مبررا مقيتا للتسلط والاستحواذ.

حاكم يأنف من الديمقراطية، على علاتها، ويرى فيها تهديدا لكينونته وسيادته، وأن ما إليه تدعو نقيض ما هو عليه من سطوة وجبروت. فإذا كانت الديمقراطية اختيارا للحاكم لا إكراه في ذلك، وتداولا سلميا على السلطة، وفصلا بين السلط الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، تتمتع فيه كل واحدة منها بـ”استقلالها الذاتي”، فإن استبداد الحاكم العربي غير مستعد لتنازلات كهذه ودخول صرح المنافسة، فهو إن فعل، علم يقينا أنه خارج دائرة الاختيار.

ولا يفوت الحاكم العربي أن يستدعي بعضا من صور الديمقراطية، يؤثث بها قلعته ويخرس بها الأصوات المطالبة بدولة الحق والقانون. فهو يرى أنه لا ضير في استعمال بعض أجزائها لتغطية الثقوب، وتلميع الصورة بغية الإمعان في إخضاع الرقاب وإذلالها؛ وإنما الاحتراز كل الاحتراز من الخطر الداهم إن هو سمح لها بالحضور في المشهد مكتملة الأركان. ولما كانت الديمقراطية لا تقبل التجزيء فقد تَوَلد عن هذا الفعل مخلوق هجين، وهو سماه المفكر الراحل البروفسور المهدي المنجرة، رحمه الله بـ”الذلقراطية” 2 ، وهي سياسة قائمة على الإذلال بمساحيق الديمقراطية؛ تركيبة من ديمقراطية شوهاء خِداج، وإخضاع بصولجان الاستبداد، والنتيجة ذُلّ وصَغار تتجرع مرارته القاعدة المحكومة، في مقابل رأس الهرم، قلة متحكمة بكل شيء، وتملك كل شيء.

وهذا، يقودنا إلى الإشارة لمسألة غاية في الأهمية والخطورة، وهي الجمع بين السلطة والثروة، فالحاكم الطالب للثروة، المنشغل، بل المشتغل، بمراكمة الأموال والخوض في التجارة، لا فكاك له من مخالطة الفساد، حتى يصير أصلا من أصول معاملته التجارية وممارسته السياسية، وبذلك تضيع مصالح العباد بين طمع الحاكم وهواه، وقد أشار إلى ذلك عالم الاجتماع والمؤرخ العربي ابن خلدون، رحمه الله، حين تعرضه لفساد الحكم المرتبط بالتجارة.

ومما يزيد الوضع تأزما، طول الفترة التي يقضيها الحاكم العربي على الكرسي، حتى إنه لا يكاد يقوى على الجلوس عليه، فكيف يستطيع تسيير شؤون البلاد والعباد؟!

ذلكم، مختصر قصة الحاكم العربي، فهو يموت فداء للكرسي، ويفنى فيه، وينحني له، وعليه، حتى يشيخ.


[1] نسبة إلى الفيلسوف الإيطالي نيقولاي ماكيافيلي (1469 – 1527م)، الذي يرى أن الحاكم يجب عليه أن يستعمل كل الوسائل الممكنة، المشروعة منها وغير المشروعة، القانونية وغير القانونية من أجل ضمان استمرارية حكمه، وأن يتخذ من شعار “الغاية تبرر الوسيلة” أساسا لحكمه. وقد ضمّن نظريته، هذه، في كتابه الأمير (1513م) الذي اعتبر من الأعمال المؤسسة للنظرية السياسية الحديثة. يقول ماكيافيلي في هذا الكتاب: “على الأمير أن يعلم جيدا كيف يتصرف كالحيوان، عليه أن يقلد الثعلب والأسد في نفس الآن…” [الأمير، الفصل 18، ص: 123 – 125].\
[2] يشير المهدي المنجرة في كتابه الموسوم بـ(انتفاظات في زمن الذلقراطية) منشورات البوكيلي-القنيطرة، الطبعة الثانية – 2001 إلى أن “الذلقراطية عنصر تركيبة خماسية تضم الجهلوقراطية والفقرقراطية والشيخوقراطية والمخزنقراطية (بالنسبة لحالتنا بالمغرب) هي التي أفرزت مجتمعة التخلفقراطية وانتفاضة أطفال فلسطين، وستفرز شبيهات لها بكل الدول العربية التي جعلت من الخماسية إياها منظومة فكرها ونظام حكم لشعوبها. ومن هنا، فالانتفاضات القادمة لن تكون ردة فعل بقدر ما ستتحول إلى فعل يتغيأ التغيير وينشد الديمقراطية.”\