لا تستوحشوا طريقَ الحق لقلّة سالكيه)سيدنا علي كرم الله وجهه.

1.

بعد اندلاع الانتفاضات العربية نهاية 2010 سادت في أوساط المهتمين رؤيتان مختلفتان إلى حد التناقض؛ الأولى استبشرت بها خيرا واعتبرتها مقدمة لسياق التغيير نحو الديمقراطية، والثانية توجست منها واحتاطت خوفا من أن تسير دول “الربيع العربي” في الاتجاه الذي سلكته الثورة الإيرانية، ومن ثم التخوف من أن يتم استبدال استبداد علماني بآخر إسلامي.

2.

ولكن الأيام أثبتت أنه لا يمكن التعامل مع هذه الانتفاضات بمنطق واحد؛ على اعتبار أنها ليست نسيجا واحدا؛ فالمداخل كانت مختلفة، والمخرجات أيضا، لكن الملاحظ أن المشترك بينها كثير:

ـ مقاومةٌ واعتراضٌ من جهة العلمانيين على البروز الواضح للإسلاميين واقتراحاتهم تجاوزَت حدَّ الاختلاف ومنطقه إلى الرفض الوجودي.

ـ التدخل الأجنبي ـ المعلن والمخفي ـ الرافض لتمكن سلطة تمتلك “حق تقرير مصيرها”، أيا كانت هذه السلطة، أمّا إذا كانت “ذات طبيعة متدينة” فالرفض سيكون مضاعفا.

ـ انحيازٌ تام للإعلام ـ خاصة في التجربة المصرية ـ ضد الانتفاضة والمنتفضين، مع تشكيل طليعة لثورة مرتدة.

ـ تأخرُ الإسلاميين؛ بل قل غلطهم الشديد ـ النابع من نقص تجربتهم ـ في استيعاب معطيات المرحلة ومفاصلها؛ مما أعطى الانطباع بأنهم لم يكونوا مستعدين بما فيه الكفاية لقطف ثمار هذه “الفرصة التاريخية” النادرة؛ ومن ثم تولَّد التساؤل المشروع: ما الذي كانوا يفعلونه في مؤسساتهم ومجالسهم طول مدة مكوثهم في المعارضة إن لم يعملوا على بناء الفرد والمؤسسات لزمن تؤكد أدبياتهم أن عليهم أن يكونوا مستعدين له؟

ـ إنهاك التيار المهيمن ـ وهم الإسلاميون ـ بالانتقادات والحركات الاحتجاجية السياسية والفئوية؛ الأمر الذي شلَّ حركته وجعله يتمركز في موقع المدافع في الوقت الذي كان يجب أن يبدأ في تدشين قرارات التغيير في أفق تطبيقها.

ـ الاصطفاف الشديد للمشاريع، والرغبة المحمومة في إشعال الخلاف الفكري والأيديولوجي وإظهاره في الوقت الذي كان ينبغي تأجيله إلى حين استواء “سفينة الانتفاضات”.

ـ تململ واسع في صفوف الشعب الذي طلب قطفا سريعا لـ”مجهوده الانتفاضي”، والذي استنتجت شريحة واسعة منه، وبسرعة قياسية، أن الإسلاميين غير قادرين على توفير الأمن والغذاء في المرحلة الراهنة.

3.

لا يمكن أن ينكر أحد أن “الانتفاضات العربية” الأخيرة دفعت بالإسلاميين إلى الواجهة؛ وهذا يعني أنهم أصبحوا مطلبا جماهيريا، وتعبيرا ـ بشكل أو بآخر ـ عن إرادة الشعوب العربية، وهذا ما شكل تحقيقا واقعيا لما كانت تستشرفه مراكز البحث والدراسات الغربية؛ أي أنه لم يكن بأي حال من الأحوال صدمة للغرب كما يريد أن يثبت بعض الباحثين بل كان منسجما تماما مع توقعاتهم الإستراتيجية، وهذا ما جعلهم يتحركون بسرعة وفي الوقت المناسب لضرب أي إمكانية لنجاح “حراك” قد ينتج “سلطة” تمتلك استقلالية قرارها، وهو ما يخيف الغرب.

وبالعودة إلى سؤال سابق: هل كان الإسلاميون في مستوى المرحلة التاريخية؟

الوقائع تؤكد ـ للأسف ـ أنهم أخلفوا الموعد، وفوتوا فرصة نادرة للانتقال من مرحلة تميزت بسيطرة مقولات من قبيل: الكمون، والمعارضة، والاضطهاد، والمحنة، إلى مرحلة تتيح لهم إبراز مشاريعهم التغييرية ومحاولة أجرأتها من موقع المسؤولية.

فيكفي مثلا أن نقف عند درس واحد من الدروس الكثيرة التي لا أشك أن “الإخوان” استوعبوها جيدا، والتي لا أظن أحدا ممن يشاركهم التصور في إطاره العام في المشرق والمغرب يمكن أن ينساه؛ ذلكم هو ضرورة امتلاك قراءة دقيقة وصحيحة للمجتمع وأفراده، والوعي التام بالعناصر الفاعلة فيه والمؤثرة في توجهاته.

فليس كل من يصلي بجانبك في المسجد سيدعم مشروعك وسيصوت لصالحك في الانتخابات، وليس كل من تسدي له جمعيتك الخيرية معروفا أو خدمة هو بالضرورة سيقتنع بتصوراتك وأفكارك، أو على الأقل يتعاطف معها، فلربما ـ بل وهذا هو الذي حصل ـ سيكون ضدك، وقد يصوت على غيرك، وإذا انْقُـلِب عليك سيكون أول من يشي بك.

4.

المعضلة الكبرى والخطيرة الآن؛ أن “الانتفاضات العربية” وضعت كلَّ الطامحين للتغيير أمام معادلة صعبة وعصية على الحل؛ فلا شك أن الجميع كان يطمع لإحداث قطيعة حقيقية مع الأنظمة السائدة عن طريق خيار الرفض والثورة؛ ولكن تجربة بعض “دول الربيع العربي”، خاصة سوريا وليبيا، وما أحدثته من جروح غائرة في نفسية المواطن العربي، جعلتهم يعيدون النظر في هذا المسلك لصالح نمط آخر من التغيير، والذي سبق أن جربه الكثيرون دون أن يفضي بدوره إلى أية نتيجة تذكر؛ ألا وهو “التغيير التدريجي”: من داخل مؤسسات النظام القائم أو من خارجها، ولكنه ـ في كل الأحوال ـ يحفظ أمن المواطن في ظل استقرار هش قابل للانفجار في أية لحظة؛ ولكن الإشكال يبقى دائما مطروحا: ما الحل؟ هل كُـتب على الأمة أن تعيش ما تبقى من عمرها ترزح تحت الظلم الداخلي والتبعية للخارج؟

نظريا، الحل الوحيد الذي يبدو في الأفق هو الإصرار في “الموجة الثورة” القادمة على سلميتها، ورفض أي تدخل أجنبي أثناءها، مع الاستعداد لدفع الثمن باهظا. فإذا ما انتصرت الثورة فمن الواجب على الثوار أن لا يقفوا عند حدود الإطاحة برأس النظام بل لابد من كنس الساحة من كل رؤوس الفساد، واتخاذ “قرارات ثورية” مصيرية. فلم يُطِح بالإخوان ـ في الحقيقة ـ سوى “إصلاحيتهم”.

5.

ينظر حاليا إلى الواقع العربي “لما بعد الربيع” بكونه ارتكاسة وعودة إلى الخلف بعدما اعتبر في البداية تدشين للقطيعة مع “واقع الاستبداد” الذي طال أمده؛ والسبب في ذلك يعود أساسا إلى التحالف الحقيقي أو الموضوعي بين “قوى ممانعة التغيير”؛ ونقصد بها الغرب والمتطرفين العلمانيين وما يسمى بالدولة العميقة.

لقد اكتشفت القوى العلمانية ـ وبطريقة الصدمة ـ أنها لا تمتلك أي عمق شعبي أو سند جماهيري، مما فرض عليها في لحظة “إنجاز الحسابات” ـ والتي لم تنتبه لبشاعة خطئها ـ أن تذهب في اتجاه محاولة فرض نفسها عن طريق التحالف مع قوى كانت دائما ضد التغيير، ولكن النتيجة كانت بطعم المأساة، لأن الأنظمة اللاشعبية غير مستعدة أن “تتقاسم الأرباح” مع أي كان.

6.

أكبر خطر يهدد الأمة الآن يتجلى في فشل “الحراك” الشعبي العربي في الوصول إلى تحقيق مطالبه المعلنة، وعلى رأسها إسقاط الأنظمة الفاسدة وتحقيق الديمقراطية، بل ونكوصه إلى فترات التمكن الكلي لأنظمة الاستبداد حيث عاد واقع الاضطرابات السياسية والأمنية وارتفعت وتيرة العنف بجميع أشكاله، مما أدى إلى ترسخ حالة من اليأس والقنوط لدى جمهور عريض من أي إمكانية للتغيير، وجعلهم يقتنعون بالمبدأ القائل: سلطان غشوم ولا فتنة تدوم).

7.

أربع سنوات إذن كانت كافية لتغير الأحوال والاحتمالات؛ فما اعتُبر في البداية موجة ثورية حقيقية أفضى بطريقة مأساوية إلى أفق مفتوح على كل التوقعات، ولكن السيادة تبقى الآن للحقيقة المُرَّة التالية: “خذلان الواقع للحلم”.