إن هذا المقال يدافع عن قضية بالغة الأهمية في حياة المسلم والأمة الإسلامية؛ إنها قضية الوعي وصناعته والحفاظ عليه من محاولات الطمس والتشويه التي تقودها جهات واضحة أحيانا وملتوية في أحايين كثيرة.

إن “صناعة الوعي” مصطلح من وضع وإنتاج “هانس ماغنوس إنتزنسبيرغر” (Hans Magnus Enzensberger)، وهو يحدد الآليات التي يتم من خلالها استنساخ العقل البشري كمنتج اجتماعي. ومن أهم هذه الآليات نجد مؤسسات وسائل الإعلام والتعليم. وحسب رأيه، فإن صناعة العقل لا تنتج أي شيء محدد، لأن نشاطها الرئيسي هو تخليد وجود نظام هيمنة الإنسان على الإنسان.

إن صناعة الوعي الإنساني هي فلسفة الصيرورة التاريخية؛ أي أن الهدف والغاية من أحداث التاريخ الكبرى والصغرى، ومفاصله ومحطاته الأساسية هو الدفع بصناعة وعي كامل، وجعل الناس قادرين على التمييز بين الوعي الصحيح والوعي الفاسد والزائف؛ يقول الله تعالى: ليحق الحق ويبطل الباطل (الأنفال 8)؛ ويقول أيضا: حتى يتبين لهم أنه الحق (فصلت 53).

الأمة ومعركة الوعي

إن التأثير الآن على وعي الشعوب والأفراد لهو الهدف الأساس الذي تسعى إليه كل الأطراف المتدخلة في تشكيل وعي المجتمع بغض النظر عن توجهاتها الإيديولوجية والفكرية والسياسية مستعملة في ذلك كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة الظاهرة والباطنة، هدفها في ذلك كسب المزيد من المنخرطين في دائرة الوعي المنشود لديها.

إذن فالوعي فعل تاريخي خضع لسيرورة طويلة منذ حاول الإنسان استيعاب ما حوله من ظواهر وتفسيرها، والأمة الإسلامية الآن أحوج ما تكون إلى صنع وبناء وعي أصيل يعيد لها ريادتها بين الأمم الأخرى، ويرد لها نصاعة تقدمها وسبقها في مجالات شتى، من هنا نتساءل: ما هي القضايا التي تحتاج من علماء ومثقفي الأمة أن يرفعوا منسوب الوعي حولها؟ وكيف تستعيد الأمة بريق وعيها المنشود؟ وأي وعي نريد لأمتنا ومجتمعاتنا المسلمة؟ وهل غاب وعينا أم غُيِّب؟

إن من واجب الأفراد والجماعات أن يعملوا على إمداد الوعي الجماعي بما يملكونه من إمكانات ومواهب؛ إذ أن صناعة الوعي لا تتأتى إلا بالاستفادة الكاملة من جميع الطاقات والكفاءات، والبحث عنها واستثمارها في جذب الناس إلى الفكر الأصيل والثقافة الواعية والكتاب الهادف والمعلم الأمين، من هنا يبرز دور الرجوع إلى أصولنا وقواعدنا الكبرى وشخصياتنا التاريخية المؤثرة كي نعود معها إلى النبع الصافي والمنهل الخالد لإمدادنا بكل مقومات النهوض والرفع من مستوى وعينا الأصيل.

يبدو من خلال إشارات الإحصائيات والرتب التي حصّلتها أمتنا الآن بين نظيراتها من الأمم الأخرى أن وعيها قد تعرض لموجات خطيرة من التشويه وتعرض لهزات كثيرة ما زال صدى ارتجاجها يتردد إلى الآن، وعلى المستوى السياسي فالأنظمة التي توالت على حكم الأمة وتسيير شؤونها الصغيرة والكبيرة بدءا من أمور الدين والعقيدة وانتهاء بالفتاوى الافتراضية قد ساهمت بقسط وافر في هذا التشويه والدفع بالعلماء والمفكرين طوعا أو كرها إلى الانخراط في سلسلة الهجمات المنظمة لجعل المسلمين الحلقة الأضعف لما يعلم أعداؤهم من مقومات نجاحهم إن هم ُتركوا لأصولهم الحقيقية بدون تمويه ولا تشويه.

والآن وفي عصر الإعلام العابر للزمان والمكان وفي عهد الصورة والسرعة في نشر المعلومة والخبر، كم صمد وعينا اتجاه ما نراه وكم سيصمد في المستقبل؟

بدون شك أن وعينا الجامع لن يندثر من الدنيا وسيبقى له مدافعون ومجددون، إلا أن هذا لا يخفي التخوف من هول التحولات التي طرأت عليه بظهور مواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات التي تمارس الدعوة التي يتصدرها “علماء” يفتون ويشرعون في مسائل الحيض والنفاس ومحاربة الفرق الضالة والمبتدعة.. وبذلك نشأت لدينا “نخبة مزيفة” من العلماء والمفكرين و”الفنانين الملتزمين” الذين يرتزقون من وراء عقائد عامة الناس، ونشأت قاعدة وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب)، فكلما أعجبنا بشخص لحسن صوته وبلاغة أسلوبه وتأثيره فوق المنبر جعلناه هو الداعية والمنظر والمفكر والفيلسوف الموفق، ونجعله شيخا مفتيا يستشار ويؤخذ رأيه في المدلهمات؛ فالحق ما وافق الأصول المتعارف عليها، كما يقال: لا يعرف الحق بالرجال وإنما يعرفون به، ومجرد نفور الناس من رأي أو إقبال آخرين عليه لا يدل على صحته وسداده أو فساده وضعفه.

أي وعي لأية نخب؟

لا شك أن طرق تحصين وعينا من هذه الموجات القوية موجودة وحاضرة في أذهان القلة القليلة من نخبنا ومثقفينا باختلاف مشاربهم وتلاوينهم، أبرزها عدم تجاهل أي فكر وعدم إقصائه بدعوى عدم ملاءمته لخصوصية أمتنا، بل يجب أن يدرس ويفهم ويناقش بعيدا عن إي إقصاء أو تجاهل، ولأن من نتائج التجاهل أو الإقصاء هو التطرف والانتقام والتخلص من الفكر المخالف، من هنا يبرز دور “النخب” في تطوير وعي الأمة بشتى اتجاهاته ومساراته، إذ لا يخفى أهمية هذا الدور وحساسيته في التأثير على العامة وجر الأغلبية المؤثرة لصياغة فكر غالب على الشارع وفي المنتديات الشعبية والتسلل إلى قلب الأسر عبر البرامج الإعلامية الرديئة والمنحلة التي تهدم أكثر مما تبني، تلك النخب التي وصفها الجنرال مارشال قائلاً: النخبة هي تلك الجماعة محدودة العدد القادرة وصاحبة المصلحة في المناورة بالأمور المذهبية. هم إذن رجال الأفكار الذين يجذبون الخيوط الفكرية لتشكيل أو على الأقل تهيئة التوجهات والآراء لدى أولئك الذين يقومون بدورهم بتوجيه الرأي العام).

وكما يقول أحد الفلاسفة: إذا قال خمسون مليون شخص مقولة حمقاء، فإنها ما تزال مقولة حمقاء).

أي وعي نريد لأمتنا؟

لا شك أن الأمة أدت ضريبة قاسية ولا تزال تؤدي جراء عدم وعيها بقضاياها المحورية والمحددة لنقط قوتها وهزائمها، إذ ما خلفته صدمة انحراف مسار الحكم في تاريخ المسلمين، وما تعرضوا له وبلدانهم من استعمار مسلح واستغلال لثرواتهم يبقى قويا وصادما أدى لضرب أسس الوعي الجمعي الإسلامي والقضاء على “النخب الواعية” بمقومات أمتنا الإسلامية بتغييبها أو إغرائها أو تجاهلها إذ تعتبر هذه العناصر أساليب قد اعتمدت لضرب وعينا قصدا وتحكما واستبدادا، فقد اعتمد النظام الليبرالي مثلا القوة الناعمة أو القمع اللطيف والغير المحسوس لتشكيل وعي هجين يضع السم في العسل لقاعدة هامة غير محصنة فكريا وعقائديا ضد هذه الهجمات المنظمة الخطيرة، وقد اعتمدت الأنظمة القمعية السابقة كالنظام السوفيتي والناصري والبعثي على المواجهة المباشرة لضرب فكر المخالفين قمعا لهم وسجنهم واغتيالهم بشكل مباشر وغير مباشر، وقد أدت هذه الأساليب على اختلافها لخلق وضعية فكرية وعقائدية هشة عانت منها الأمة ولا تزال الأمرين.

من هنا نتساءل: هل المسلمون الآن في حاجة لوعي بديل لما ساد قرونا من الزمان انحبس بموجبه فكرنا وانقطع عن الاجتهاد والإبداع في شؤون الدين والدنيا؟ وهل سيأتي يوم نتخلص فيه من الوعي الذي ترسب في أذهان مثقفينا وعلمائنا؟ أم أنه لا خلاص أمام أمتنا إلا بتكسير أغلال التحجير على الطاقات والكفاءات وفتح باب الإبداع أمامها؟ ولماذا يحارب الوعي الخلاق والمبدع ويفتح أمام وعي هجين ومستلب وتابع لفكر غربي “حداثي” مسموم لا يهتم إلا بمصالحه الضيقة ولا يعترف إلا بمرجعيته وإيديولوجيته المنحرفة عن مسار الأخلاق والقيم.