لم ينفح مسك النبوة والرسالة المسلمين فحسب، بل غمر بأريجه حتى أولئك الذين تشبثوا بنصرانيتهم، فلم يمنعهم اختلاف معتقدهم أن ينحنوا إجلالا للرسول الأعظم، بل مضوا يدبجون من الكلم ما يعبرون به عن عظمته صلى الله عليه وسلم، بل يستشفعون به من الدل الدي أصاب الجميع على حد سواء:

فاشفعْ فإنك أدنى المرسلين إلى الـ *** ـباري فنسلَمَ من ذلٍّ وتعيير

وهذا بيت من قصيدة رائعة للشاعر النصراني جورج بن ميشيل سلستي، الحمصي السوري المولد، اللبناني النشأة، (1909-1968)، وبعد إتقان العربية والإنجليزية انكب على دراسة الهندسة ثم أقبل بهمته على حفظ القرآن الكريم فأتم حفظه… ولعل هذا هو سر السحر الذي يطبع لغته الشعرية.

شاعر رحب الوجدان، ذو نزعة إنسانية رحيبة، يصف ويعبر وصف وتعبير محب عاشق ولهان. في قصيدته: «نجوى الرسول الأعظم»، أجاد بلغة سهلة وأسلوب محكم، من غير أن يكسر للخليل عروضا أو يخرق له قافية.

له قصائد عدة نشرت في عدد من الصحف والمجلات، منها نجوى الرسول الأعظم) – التي كتبها عام 1964. وهي وإن كان مناسبتها ما كانت، ولا تزال، تكابده الأمة من تمزق، إلا أنها أبلغ من أي دفاع عن “الرسول الأعظم” كما وصفه هذا الشاعر النصراني:

نجوى الرسول الأعظم

أقبلتَ كالفجر وضَّاحَ الأسارير *** يفيض وجهُكَ بالنعماء والنورِ
على جبينك فجرُ الحقِّ منبلجٌ *** وفي يديك جرت مقاليدُ المقادير
فرُحتَ والليلُ ليلُ الكفر مُعتكرٌ *** تفري بهديك أسدافَ الدياجير
وتُمطر البيدَ آلاءً وتُمرعها *** يُمْنًا يدوم إلى دهر الدهارير
ما أنتِ بالمصطفى يا بيدُ مجدبةً *** كلاّ ولا أنتِ يا صحراءُ بالبُور
أبيتِ إلا سموَّ الحقِّ حين أبى *** سواكِ إلا سموَّ البُطْلِ والزُّور
أطلعتِ منْ تاهتِ الدنيا بطلعتهِ *** ونافستْ فيه حتى مَوئلَ الحُورِ
أطلعتِ أكرمَ خلق الله كلِّهمُ *** وخاتمَ الرُّسُلِ الصِّيدِ المغاوير
بوركتِ أرضًا تبثّ الطهرَ تربتُها *** كالطيب بثّتْه أفواهُ القوارير
الدينُ ما زال يزكو في مرابعها *** والنبلُ ما انفكّ فيها جدَّ موفور
والفضلُ والحِلم والأخلاق ما فتئتْ *** تحظى لديها بإجلالٍ وتوقير
قَدْكِ افتخارًا على الأكوان قاطبةً *** بما حبوتِ الورى يا بيدُ من نور
فليس كالدين نورٌ يُستضاء به *** في عالمٍ بظلام الجهل مغمور
يا سيّدي يا رسولَ الله معذرةً *** إذا كبا فيكَ تِبياني وتعبيري
ماذا أُوفّيك من حقٍّ وتكرمةٍ *** وأنت تعلو مدى ظنّي وتقديري؟
وأنتَ ربُّ الأداء الفذّ في لغةٍ *** تشأو اللغى حُسْنَ تنميقٍ وتصوير!
على لسانك ما جُنَّ البيانُ به *** وأقعدَ الشعرَ يرنو شبهَ مسحور
آيٌ من الله ما ينفكّ مُعجزُها *** يُعيي على الدهر أعلامَ النحارير
تلوتَها فسرتْ كالنور مؤتلقًا *** يطوي الدُّنا بين مأهولٍ ومهجور
ولفّتِ الناسَ من بدوٍ ومن حضرٍ *** كما تلفّ الثرى هوجُ الأعاصير
فلان من كان فظّاً واستكان لها *** مستكبرٌ وعنا طاغوتُ شِريّرِ
وكنتَ عفّاً رقيقَ القلب متّسمًا *** بكلّ زاهٍ من الأخلاق منصور
تستلّ بالحِلم حقدَ الحاقدين وتَحْ *** تَلّ القلوبَ بلطفٍ عنك مأثور
اللهُ أكبرُ! كم في اللين من عظةٍ *** لعِلق شرٍّ غليظ القلب مغرور
فاللين مقدرةٌ والحلم مأثرةٌ *** والعطف مكرمةٌ تُنبيك عن خِير
وأنتَ من أنت في دنيا الخصال ألا *** بوركتَ من مُرسَلٍ بالطهر مفطور
تنهى وتأمرُ بالحسنى ورائدُك الدْ *** دينُ الحنيفُ بما أُلهمتَ من سور
يا ممرعَ البيدِ بالإيمان مرحمةً *** قد تناءى الهدى عن صفوة الدور
وجامعَ الشمل بالتقوى لقد صَفَرتْ *** منها النفوسُ فتاهت كاليحامير
أشكو إليك ديارًا كنتَ مُرشدَها *** ومرشدوها استكانوا اليومَ للنّير
وأصبحوا تبعًا للأجنبيّ فما *** ادوا وحقِّك إلا سوءَ تدبير
وكان بالأمس حبُّ الله يجمعهم *** بات يجمعهم حبُّ الدنانير
وذي فلسطينُ: أولى القبلتين لقد *** بِيعتْ على يدهم بيعَ الجآذير!
يا سيّدي يارسولَ الله روَّعنا *** صرفُ الزمان بشرٍّ منه مسعور
وامتدَّ بالعُرْب ليلُ النائبات أما *** للفجر بعد الدياجي من تباشير؟
وطال منّا السُّرى في مَهْمَهٍ دُرِستْ *** فيه الصُّوى، قاتمِ الأرجاء مسجور
فاشفعْ فإنك أدنى المرسلين إلى ال *** باري فنسلَمَ من ذلٍّ وتعيير
ويرجع العزُّ معقودَ اللواء لنا *** وحقُّنا مُستحيرٌ غير منزور
واكلأْ – عليكَ صلاةُ الله – أمّتَنا *** حيّاك ربُّك حتى نفخةِ الصور