توطئة

يعتبر كتاب العدل: الإسلاميون والحكم) 1 للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى من أهم ركائز مشروعه الفكري. فهو، إلى جانب كتاب الإحسان، أس المنهاج النبوي الذي استفرغ الإمام الجليل جهده الفكري والحركي للتأسيس عليه، مستنيرا بالوحي القرآني- النبوي، رافعا عينيه إلى أفق الغد المشرق للإسلام، غد الخلافة الثانية على منهاج النبوة، مقارعا هذا الواقع المتردي لأمة المسلمين لا محلقا فوقه بعيدا عنه.

يتناول هذا الكتاب، في ما يقارب 600 صفحة أو يزيد، قضايا مرتبطة بالجانب “العدلي” في المنهاج النبوي، أي نظرة الإسلاميين للحكم وقضايا الشأن العام، مع التنبيه أنه ليس في الكتاب برنامج جاهز للحكم لزمان ومكان الكاتب، بل هو نظر إلى مستقبل المسلمين على اتساع رقعة دار الإسلام) 2 ، ناظرا في أهداف الإسلاميين وأرصدتهم الإيمانية وكفاءاتهم الذاتية وخططهم ليوم تلوذ بهم الأمة ليخرجوها من واقع التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي… بل ليوم يحكم فيه شرع الله في بلاد الاسلام ليتأتى لخير أمة أخرجت للناس لتبلغ رسالة الرحمة والهدى للعالمين.

لكن هذه الأهداف دون بلوغها عقبات خارجية: يمثلها عالم يمور ويموج في اتجاه خنق كل نسمة تهب على المسلمين، وأخرى داخلية: تمثلها النخب المغربة وحكام الجبر والتبعية الاقتصادية… كلها عقبات لا بد من مواجهتها على بصيرة لترسو السفينة على الشاطئ، شاطئ الخلافة على منهاج النبوة.

الدعوة والدولة: أية علاقة؟

تعتبر قضية “الدعوة والدولة” من أهم القضايا التي أثارها الكتاب. بل قضيته الأولى، وهي قضية مركزية في تصور الإسلاميين بل محط خلاف كبير، بين من يرى أن الإسلام دعوة لا شأن لها بالدولة، وبين من نفخ في جانب الحكم حتى يتخيل أن كل هم الإسلاميين ومشروعهم ينتهي بإقامة هيكل الدولة الإسلامية.

فأي نظام يراه منظر مدرسة المنهاج النبوي لعلاقة الدعوة بالدولة؟ وهل هو هذا التلفيق الذي يتعمده حكام المسلمين اليوم بحثا عن خرقة تغطي نفاق الاسلام الرسمي؟ أم أن الدعوة والدولة لهما شأن آخر؟

الدعوة والدولة بين الوحي المنزل والنموذج المخلد

يرى الإمام المجدد رحمة الله عليه أن تحديد العلاقة بين الدعوة والدولة في برنامج الإسلاميين لا بد لها من مرجعية تنير التصور، وتزيل غبش الأمس الثقيل بموبقات حكام لقبوا زورا بأمراء المؤمنين والمسلمين وخلفاء رسول الله، وتفضح نفاق حكام الجبر المعاصرين، منتقدا سكوت كثير من الإسلاميين اليوم عن غبش الماضي ونفاق الحاضر، مسائلا إياهم يأيها الإسلاميون المقبلون على الحكم، ماذا تريدون؟ أتريدون دولة باسم الإسلام ينتهي عمَلُكم الدعَوِيُّ عند إقامتها، فتذوب الدعوة في الدولة، أم تريدونها خلافة على منهاج النبوة؟) 3 .

وهذه المرجعية لن تكون إلا المنهاج النبوي: كلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم كما جسدها في حياته وجسدها من بعده خلفاؤه المهديون. قال تعالى: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه 4 . رسالة الاسلام إذن رسالة دعوة تشهد بين الناس وعليهم وتبشر وتنذر وتبين أن الإسلام هي دعوة للفرد للفوز برضى ربه وجنته إن قام بتكاليف تعبدية كالصلاة والصيام وغيرهما، ودعوة لجماعة المؤمنين، المخاطبين في القرآن بـيا أيها الذين ءامنوا للقيام بتكاليف تعبدية أخرى لا تتم إلا بالتعاون كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.

ولأنه لا يصلح الناس فوضى، ولا يستقيم أمر المسلمين بلا نظام حكم. ولا يخدم أهداف الإسلام الجماعية والفرديةَ نظامٌ لا يخضع للإسلام ولا تكون طاعتُه من طاعة الله ورسوله. فالإسلام دولة ونظام حكم، لا يُضارّ في ذلك مجادل) 5 . هي دعوة ودولة إذن: أمر تعبدي واحد والمعبود واحد والغاية واحدة رضى الله عز وجل والفوز في الدار الآخرة.

في عهد النبوة كانت الدعوة والدولة قضية واحدة جسدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي، أمرٍ ونهيٍ جميعٍ غيرِ شتيت، الكل دينٌ) 6 . عاش المسلمون وغيرهم تحت كنف دولة الدعوة النبوية الرحيمة فكان العدل وكانت الشورى وكان الإحسان وكل حقوق الإنسان، بما فيها حقه في معرفة ربه. ولم يسلم النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم المشعل لمن أتى بعده حتى أخبر أنها دورة نبُوَّة – خلافة على منهاج النبوة – حكم عاض – حكم جبري – خلافة ثانية على منهاج النبوة) 7 ، حيث قال فيما رواه الإمام أحمد رحمه الله بسنده الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون مُلكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.

هذا الوحي المنزل خلده الأربعة الخلفاء المهديون عندما ساروا على منهج النبوة، منهج الدولة تخدم الدعوة، فكان حكمهم مشروطا “إن أصبت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”. وهو شرط سمعه الناس من أبي بكر ومن عمر. رضي الله عن أبي بكر وعن عمر، وعن عثمان وعن علي، وعن سائر الصحب الخيرين، وعن آل البيت الطيبين الطاهرين) 8 . مما جعل فترة حكم الخلفاء الراشدين تكون خلافة تريد إعزاز المسلمين لا إذلالهم، وتعتبر أن حرمان الناس من حقوقهم يدفع إلى الكفر. خلافة تُنيط بالعمال، وهم أساسا ممثلو سلطة الدولة، مهمة الدعوة، مهمة تعليم الناس دينهم. فهم خدَمة للقرآن ينبغي أن يُنبَّهوا بقوة لذلك كيلا يُطغِيَهم السلطان) 9 .

وقد ضرب الخلفاء الدعاة المثال في تربية الناس على الحق وقوله فقد “أخرج ابن عساكر وأبو ذر الهرويُّ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار: “أرأيتم لو ترخَّصتُ في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟” فسكتوا. فقال ذلك مرتين أو ثلاثا. فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قوّمناك تقويم القِدْح (وهو عود السهم)! فقال عمر: “أنتم إذاً! أنتم إذاً!””.

الدعوة والدولة بعد دورة الرحا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن رَحا الإسلام دائرةٌ فدوروا مع الكتاب حيثُ دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم” رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. فكان كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث لم تمر سوى ثلاثون سنة على النموذج البشري الخالد، الخلافة الراشدة خلافة العدل والشورى والإحسان، حتى تردت ملكا عاضا وعصبية جاهلية استفاقت في بني أمية بعد فترة حضانة وتربص حتى انقضت على السلطان، فكانت الفارقة بين عهدين، عهدٍ كريمٍ تُرَشِّحُ فيه الأمة خيارها لخدمة القرآن، وعهدٍ مفتون الأهليَّةُ فيه بالنسب) 10 . فكانت الكلمة للسيف في الدولة بعد أن عاش الناس عصرا ذهبيا في حضن الدولة الرحيمة النبوية والعدل الراشد.

سطا الأمويون على الحكم بعد مقتل الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه معلنين نهاية الشورى في الاختيار والعدل في الحكم ووأد الدعوة وقتل رجالها الذين انتفضوا ضده حكام يرونهم خارجين عن الدين، ومن الدين الشورى والعدل، وهكذا قتل معاوية بن أبي سفيان الصحابي الجليل جُحر بن عَدي الذي استنكر سب الإمام علي بن أبي طالب على منابر كانت بالأمس يعتليها أمثال أبو بكر وعمر، وقُتل سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي سبط الرسول الأعظم الذي قام على دولة يزيد الأموي، وقٌتل غيرهم ممن اختار أن يدور مع القرآن لا مع السلطان آزرهم في ذلك أئمة العلم والدعوة مثل أبو حنيفة ومالك والشافعي.

صراع مرير انتهى بالتمكين لدولة السيف وبيعة الاكراه وحكم التوريث وانزوت الدعوة تذوذ عن عرى الاسلام الأخرى أن تنتقض بعد انتقاض عروة الحكم وتحول موقف أئمة العلم والفقه ممن كانوا متحفزين لإصلاح الحكم تطور الأمر إلى موقفٍ لأتباع مذاهبهم بَنى على قاعدة الأمر الواقع، معترفين بما هو قائم، شاعرين بحدود قدراتهم) 11 ، فتعاقب على كرسي العض والجبر بعد الأمويين أصحاب عصبيات مثل بني العباس و”الأمراء المستولون” من بني بويه وبني سلجوق، ومن شاهات وأتابكة، إلى أن هجم التتار وخربوا بغداد. ثم حكم المسلمين أصنـاف من المتغلبين الوراثيين من سلاطين وملوك عرب ومماليك عجم، إلى أن ظهر بنو عثمان الأتراك، إلى أن صدم الاستعمارُ الأمة لتدور بها رحا الإسلام في جولة الحكم الجبري الذي نعيشه 12 .

وفي عهد الحكم الجبري الذي نعيش استفحل خصام الدعوة مع الدولة حيث أن في كل قطر من أقطار التجزئة الشنيعة دولةٌ بلا دين، دولة تستخف بالدين، دولة تنكر الدين. فقمنا نصبُ كل جهودنا على تفنيد أصول اللاييكية، ونصرُخ أن الإسلام دعوة ودولة، حتى بُحَّتْ أصوات الغيرة منا، فيخيل للسامع والقارئ أن مقالتنا تتلخص في أن الإسلام دولة، دولة، دولة) 13 .

الدعوة والدولة: نحو الأفق المشرق

ولئن كان المنهاج النبوي حاسما عند الإمام المجدد في دراسة تاريخ العلاقة بين الدعوة والدولة، منهاج جعله ينظر من أعالي التاريخ لهذه العلاقة في دورتها من الاجتماع إلى الافتراق إلى الخصام، فإنه كان كذلك في استشرافه علاقتهما بعد اكتمال الدورة صعودا إلى الخلافة على منهاج النبوة. خلافة ترجع البيعة بالاختيار والشورى في التسيير والعدل في الحكم لتتأسس دولة اسلامية تهيئ الظروف لسيادة الاحسان بمعانيه التعبدية والمعاملاتية والإتقانية في الأمة لتبلغ رسالة ربها إلى الانسانية جمعاء.

الدعوة في المنهاج النبوي مهمتها توجيه الدولة والمجتمع والفرد إلى الغاية الكبرى لوجود الفرد المسلم وهي عبادة الله عز وجل وغاية وجود أمة الاسلام وهي دعوة العالمين إلى رحمة الاسلام وعدل الإسلام ورضوان الله وجنته قبل هذا وذاك. وهذا يفرض أن تكون الدعوة مستقلةَ الوجود ماضية الإرادة في وِجهَة التغيير الشامل الجذري للمجتمع) 14 وأن تحذر أن تجذِبها الدولة ويستقطبها الحكمُ فيستولي على النفوس، ويستغرق الجهودَ، ويغلب على الوجهة حتى تذوبَ الدعوة في الدولة) 15 ، وتستبقي الخبراء وذوي الكفاءات والتخصصات من كل نوع وميدان تحت إشرافها ومراقبتها مخافة أن يسْرِق الخبراءُ من خارج الدعوة المفاتيحَ فيصبح الأمر دولة بلا دعوة) 16 .

ونختم بقصة استقاها الإمام المجدد رحمة الله عليه من هدي الخلافة الأولى فيها عبرة لاستشراف علاقة الدولة بالدعوة، كان زياد بن سمية عاملا على البصرة للإمام علي عليه السلام، فلم يُذْكَرْ في عهد الخلافة بِشَرٍّ. وإنما كان الموظفَ الكُفْءَ تُسَيِّره يد أمينة قوية. فلما اغتيل الإمام واستمال النظام الأموي زيادا الداهية الكُفْءَ انخرط مع دولة الدهاء. وأعلن برنامجه في خطبته البتراء المشهورة، سُميت بتراء لأنه لم يبدأها بذكر الله. وطبق برنامجه بالفعل فسن للحجاج وأضرابه منهجا. قال مقسما: “لآخذن الوليَّ بالمولى، والمُقيمَ بالظاعن، والمُقبل بالمدبر، والمطيعَ بالعاصي… حتى تستقيمَ قناتكم”) 17 .


[1] العدل: الإسلاميون والحكم، عدد الصفحات: 594، تاريخ التأليف: 1411هـ.\
[2] العدل، مطبوعات دار الآفاق، الطبعة الثالثة ص: 7.\
[3] العدل، ص72.\
[4] سورة الفتح الآيتان 9-8.\
[5] العدل، ص 72 و73.\
[6] العدل، ص 73.\
[7] العدل، ص 76.\
[8] العدل، ص 77.\
[9] العدل، ص 77.\
[10] العدل، ص 79.\
[11] العدل، ص 88.\
[12] العدل، ص 87.\
[13] العدل، ص 74.\
[14] العدل، ص 99.\
[15] العدل، ص 99.\
[16] العدل، ص 101.\
[17] العدل، ص 102.\