سياق التأليف والنشر

ليس من عادة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله نشر كتبه عقب تأليفها إلا ما كان مظروفا بزمانه لا يستدعي تأجيل نشره، فهو يصرح بأنه يكتب للآن وبعد الآن) تنظيرا لمستقبل الإسلام وعزة الأمة، بما تحمله نظريته التغييرية من أفكار “كبرى” و”طولى” بتعبير الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن. لذلك فكتاب الخلافة والملك) صدر في بداية الألفية الثالثة عن دار الآفاق في طبعته 2 سنة 2001م بعد الطبعة الأولى، وتزامن- على ما يبدو- مع مذكرة إلى من يهمه الأمر) (2000م) التي وجهها للملك محمد السادس بعد توليه الحكم، ويعد الكتاب جزءا من كتاب كبير 1 يحمل اسم دولة القرآن) ألفه الأستاذ في بداية القرن الخامس عشر(بداية ثمانينيات القرن العشرين) توفيقا من الله، وتيمنا بحديث بعثة تجديد الدين 2 ، ورجاء أن يدركه فضل “من يجدد لها دينها” فردا وجماعة.

من هنا، فالفارق الزمني الذي قارب العقدين بين زمن التأليف وزمن النشر يعكس رجحان السياق الفكري الذي ألف فيه الكتاب؛ فالأستاذ ياسين ندب حياته العلمية لبحث واكتشاف النظرية التغييرية الكفيلة بإعادة السيادة لدولة القرآن في سياقها الفردي الإحساني والعدلي الاستخلافي، بعد أن سادت دولة السلطان قرونا، تهيئا وتهييئا للانتقال من الملك الجبري إلى الخلافة على منهاج النبوة.

سمياء الغلاف

صورة الغلاف بها أبواب كثيرة ذات أقواس، تعكس فن العمارة الإسلامية في بناء المساجد، ويشع منها نور وضاء يرمز لشمس الإسلام ونور القرآن الذي يغطي الآفاق في الزمن المستقبل، مخترقا الحاضر الملبد المضبب الذي يرمز له اللون الداكن الدال على وهن الأمة وتمزقها وسيادة الاستبداد فيها، وفي أسفل الغلاف ذكر عنوان الكتاب، كتبت كلمة الخلافة بخط عريض، وكلمة الملك بخط دونه أسفلها، وكتب اسم المؤلف في أعلى صورة الغلاف جهة اليمين أمام اكتمال النور، ليرمز ذلك إلى تنظير الرجل للخلافة الثانية على منهاج النبوة ويقينه في وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بها بعد الملك العاض والجبري لنا مع الله عز وجل يقين واحد: هو أن العالم في مخاض لميلاد الإسلام الجديد) 3 .

دلالة العنوان

عنوان الكتاب دليله؛ فوظيفته التعريف بموضوعه والدلالة على مضامينه. والأستاذ ياسين يختار المباشرة والوضوح في وضع عناوين كتبه، فلا يميل إلى العناوين الغامضة المثيرة لانتباه القارئ. وعنوان كتاب الخلافة والملك) لم يخرج عن هذا الاختيار، فقد جعله واضحا شاملا، يعرف القارئ بموضوعه الذي ينتمي إليه “الحكم”، وقضيته المركزية “الخلافة والملك” مقارنة بينهما تعريفا وماهية، وخصائص وسمات، ومقاصد وغايات.

منهج تأليف الكتاب

كون الأستاذ ياسين لنفسه منهجا وطريقة خاصة في الكتابة تختلف عن “منهجية الكتابة الأكاديمية” في صرامتها الشكلية، فدأب على تحرير كتبه يناقش القضايا المختلفة بلغة بليغة وأسلوب خاص يعرض نظرته لها وموقفه منها، دون الاعتماد على المراجع إلا إذا دعته الحاجة إلى ذلك، وكانت النصوص المقتطفة تعكس موقفه ورأيه الذي يذهب إليه. لهذا، ولارتباط موضوع الكتاب بالتفسير والحديث والفقه والتاريخ في موضوع الحكم، لم يجد الكاتب بدا من اعتماد ثلاثة عشر مرجعا، أبرزها “المقدمة” لابن خلدون، و”أحكام القرآن” لابن العربي، و”الفتاوى” لابن تيمية، و”الأحكام السلطانية” للماوردي، و”نصوص الفكر السياسي الإسلامي” ليوسف أبيش.

يقع كتاب “الخلافة والملك” في 87 صفحة، من الحجم الصغير (21/14) الذي يغري القارئ بقراءته، ويضم بعد المقدمة خمسة فصول تندرج تحتها ثلاثون فقرة يختلف حجمها من صفحة إلى أربع صفحات.

وقد سلك الأستاذ ياسين منهجا واضحا في كتابه يقف عليه القارئ دون عناء، إذ يستند إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية ونصوص منتقاة بدقة من مطالعاته لما يتصل بموضوع الكتاب، وبما يخدم قصده وغرضه منه، يناقش فقهاء وعلماء الإسلام ومؤرخيه، ويطارح آراءهم وصفا وتحليلا؛ يبرز منطوقها، ويقرأ خفايا ما بين سطورها وخوالج كتابها، فيتبناها أو يتجاوزها، فيمزج بذلك بين مناهج عدة: التاريخي والوصفي والتحليلي. وعناوين فقرات الفصول منها ما هو مقتبس من آية أو حديث أو نص مسوق – وهذا هو الغالب -، ومنها ما هو من نسج الكاتب، تقريبا لمعنى أو تعليقا على ظاهرة أو حكما على رأي وموقف.

قصد الكاتب ومرمى الكتاب

سبقت الإشارة إلى أن الكتاب جزء من مشروع تأليفي كبير “دولة القرآن”، يناقش موضوعا دينيا وسياسيا يتعلق بمسألة الحكم في الإسلام عموما، والإمامة والخلافة خصوصا، و لا ينفرد هذا الكتاب ببسط رؤية الأستاذ ياسين للحكم، بل تناوله من زوايا مختلفة في كتب عدة حسب موقعه في الهيكل التنظيمي لها، إيمانا منه بأهمية التجديد في قضية لم تأخذ حظها في الفكر الإسلامي بحثا ودرسا. لذلك يمكن تركيز قصد الكاتب ومرماه من كتابه في النقاط الآتية:

– تجديد النظر في مسألة الحكم في الإسلام، بما يغني الفقه السياسي الإسلامي الذي يمر بفترة حرجة، ويواجه إشكالات متعددة على مستوى الخطاب والممارسة، وبما يساهم في سد الخصاص الكبير في المكتبة الإسلامية.

– إعادة الاعتبار لقضية الحكم، وموقعها في الإسلام، بعد أن ألحقت أحكام المبايعة وشؤون الإمامة بكتب الفقه كأنها فروع لا خطر لها) 4 .

– إبراز الفوارق الأساسية بين الخلافة والملك حاكما ونظاما.

– وضع الأصبع على أصل البلاء مع حدث الانكسار التاريخي بتحول الخلافة إلى ملك.

– رأب الصدع بين شطري الأمة سنة وشيعة في أفق إقامة دولة القرآن دولة وحدة الأمة) 5 .

مناقشات الكاتب ومضامين الكتاب

إذا كان عنوان الكتاب يعرف بقضيته المركزية، فإن عناوين الفصول وفقراتها تمكن القارئ من اكتشاف مضامينه المعرفية وأفكاره الأساسية لإدراك بنائه الكلي وصورته العامة، ونهج القراءة التحليلية المتتبعة لمناقشات الكتاب من شأنها أن تعكس رؤية الكاتب للخلافة والملك. ولئن كان لكل فصل مناقشة، فإن بين الفصول مجتمعة تناسقا واتساقا داخليا.

نظام الخلافة والتسامي الإيماني

ففي الفصل الأول المعنون بـخليفة أنا أم ملك؟) ميز الأستاذ ياسين بين الخلافة والملك، مع التركيز على نظام الخلافة وسماته، فأورد تعريفا دقيقا لابن خلدون للملك بنوعيه: الطبيعي وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة)، والسياسي وهو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار)، وللخلافة حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها… فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) 6 .

ذهب الأستاذ ياسين إلى أن الخلفاء الراشدين جسدوا الخلافة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، باستخفافهم بالدنيا، وإقامتهم الدعوة، وإحيائهم الدين، وعدلهم في الأموال، وملكهم الشهوة والكبرياء بتدافعهم الرئاسة خوفا من تبعاتها، هذا التسامي الإيماني) حسب الكاتب ظاهرة فريدة انبثقت عنها دولة قرآنية هي الامتداد الطبيعي لحكم النبوة، ونظام النبوة، وجهاد النبوة، وأخلاق النبوة) 7 ، وتحققت لها وحدة اجتماعية وسياسية، فامتد سلطانها الروحي والسياسي لقارات وحضارات أثرت فيها وأخذت النافع منها. ولتجلية الفرق أكثر بين الخلافة والملك “بالمثال الحي التاريخي” ساق الكاتب صورتين متقابلتين: صورة للخليفة الراشدي عمر الفاروق رضي الله عنه في زهده في الدنيا، وعدله بين الأمة، وإقامته للدعوة، وصورة للملك الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان رمز الفسق والزندقة والكفر بتمزيقه المصحف.

الصدع الخطير في الأمة

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد تطرق فيه الكاتب لحدث الانكسار التاريخي)؛ فبعد سوق آية ونص مفسر لها للاستدلال على صحة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، ووصية نبوية محذرة من العلو في الأرض والاستعلاء على العباد، نبه إلى ثلمتين خطيرتين أصابتا نظام الحكم والأمة معا، هما:

– الثلمة الأولى: تمثلت في حدث مقتل الإمام الشهيد عثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي شكل الشق الذي أخذ يتسع بما أحدث من نتائج تاريخية حتى شكل بداية انكسارنا ووهننا) 8 .

الثلمة الثانية: اعتبر الأستاذ ياسين الإمساك عن حماية الإمام الشهيد مخافة الفتنة ثلمة أخرى أدت إلى الانكسار التاريخي) 9 ، وموقف اعتزال طائفة من الصحابة رضي الله عنهم بعد مقتله واضطرام نار الحرب بين المسلمين فجوة كبيرة منها دخل على تاريخنا سابقة الحياد مخافة الفتنة) 10 .

وقد وقف المؤلف موقفا وسطا بين إمساك العلماء عن ذكر هذه الفترة الدموية الأليمة من تاريخ المسلمين ووصيتهم بذلك، وبين فتح الباب لنبش الماضي وثلب الصحابة رضي الله عنهم، فذهب إلى أن رفع جانب من الستار بقدر ما نتبين الأسباب التاريخية للانكسار المريع واجب. ولن نفهم إعادة الخلافة إن بقينا نغطي وجوهنا كلما ذكرت تلك الفترة العنيفة والدة كل ويلاتنا) 11 .

بمقتل الإمام الشهيد وافتراق الصحابة بين مناصر لعلي رضي الله عنه وقاعد عن نصرته وقع الصدع الخطير في الأمة، وساعدت ظروف الفتنة والحروب بين المسلمين على احتداد الخلاف واستفحاله) 12 .

أصول الخلاف بين السنة والشيعة

خصص الأستاذ الفصل الثالث من كتابه الذي عنونه بـالاختيار وولاية المعصوم) للحديث عن أصول الخلاف بين السنة والشيعة بوصفها من آثار الانكسار التاريخي المبكر في تاريخ الأمة، مؤكدا على ضرورة معرفتها لتتضح لنا معالم مستقبل تنصب فيه الجسور بين السنة والشيعة ليعود فيه الصدع إلى الالتئام إن شاء الله كما يشاء ربنا الحكيم العليم) 13 ، فأصل الخلاف في مسألة الخلافة والإمامة مرده إلى اعتبار علماء السنة الخلافة بالاختيار خلافا لمذهب علماء الشيعة القائل بالنص والوصية لعلي ولأئمة البيت من بعده، إضافة إلى هذا الأصل الخلافي ثمة خلاف حول السنة في معايير توثيق الرجال، واعتقاد الشيعة بعصمة أئمة آل البيت، ذهب الكاتب إلى قبول ما صح عنهم باعتبارهم ورثة بيت النبوة، وخلاف آخر حول الإجماع اعتبر فيه أن مذهب السنة فيه أنسب لتنشيط الاجتهاد والتفاعل الحي مع أحداث التاريخ) 14 ، منتقدا اختلاف علماء السنة في معنى الإجماع وحدوده الذي انتهى بسد باب الاجتهاد وفتح الباب أمام الأمة للتقليد، ومنوها بالاجتهاد الجماعي المبتكر الذي خرج من مؤسسات الحوزة العلمية في إيران والعراق في القرون الأخيرة.

كيف انقلبت الخلافة ملكا؟

اتخذ الأستاذ ياسين من هذا السؤال عنوانا للفصل الرابع الذي يعتبر من أهم فصول كتابه، لوضعه الأصبع على “أصل البلاء” انقلاب الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض بعد ثلاثين سنة من خلافة الخلفاء الأربعة، وبعد حدوث الرجة الكبيرة الانكسار التاريخي الذي ترك آثارا عميقة في كيان الأمة ثقافة وذكرى ومذهبا) 15 . وقد كان من عواقب ذلك ونتائجه:

– وقوع فصل عملي بين الدين والسياسة، وتحررها من رقابته، وإخضاعها له، حتى صار الدين مقصوص الجناح مكتوف الأيدي. وأصبحت السياسة مطلقة اليد، حرة التصرف، نافذة الكلمة، صاحبة الأمر والنهي) 16 .

– سيادة بيعة الإكراه بعد أن كانت في عهد الخلافة الراشدة عقدا اختياريا.

– ممارسة القهر والاستبداد على الإرادات الحرة منذ بداية الملك العاض.

– اختلاف مواقف العلماء والفقهاء بين معارض للحكم، وحائد منعزل، ومنتقد متلهف عاجز، ومتعاون لمصلحة دينية أو شخصية. وقد عرض مؤلف الكتاب فتاوى لفقهاء الإسلام كفتوى إمارة الاستيلاء) الاضطرارية وفتوى إمامة المتغلب) التي تعكس مرونتهم لجمع أمر الأمة الشتيت في شبه مشروعية) 17 ، وذلك حفاظا على وحدة الأمة ولو في أدنى مظاهرها، وخوفا من ضياع الدين وسط الفتن المذهبية وصراعاتها. لكن الكاتب وإن كان ينتقد الفقهاء ليؤسس للمستقبل يلتمس لهم العذر فيقول: لا يظنن بأئمتنا إلا أنهم احتاطوا لدينهم وللأمة جزاهم الله خيرا. وهم كانوا أبصر بواقعهم وأقدر على وزن النتائج المترتبة على الصبر أو المناهضة) 18 .

– سيادة روح الطاعة الخانعة دين الانقياد) بتعبير ابن خلدون على مستوى الأمة، والوراثة مناط البلاء) التي غيبت اختيار الأمة على مستوى الحكم.

“الشرع ذم الملك”

هكذا عنون الأستاذ ياسين آخر فصل من كتابه “الخلافة والملك”، مستندا إلى نصين؛ نص لابن تيمية يذهب فيه إلى أن خبر الرسول صلى الله عليه وسلم بانقضاء خلافة النبوة فيه الذم للملك والعيب له، ونص لابن خلدون يرى فيه أن الشرع لم يذم الملك لذاته وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتع باللذات، لكن الأستاذ يرى أنه إذا كانت هذه الصفات ناشئة عنه فكيف تنتظر أن يصبح الفساد صلاحا؟ وكيف نبرئ “ذات الملك” وهي لا تنفك عن صفات الملك؟ معتبرا أن ظهور ملوك صالحين رغم فساد النظام استثناءات من القاعدة 19 .

خلاصات الكتاب

فوارق بين الخلافة والملك

يجلي الأستاذ ياسين في ثنايا الكتاب أبرز الفوارق بين الخلافة والملك لمعرفة ما يجب الانقطاع عنه، وما يجب إحياؤه ووصل الحبل به، مستندا في ذلك على المبادئ القرآنية والنبوية في مسألة الحكم، وعلى التجربة التاريخية للخلافة الراشدة والملكين العاض والجبري.

– الخلافة سيادة للقرآن، وإحياء للدين، ورعاية لمصالح الأمة الأخروية والدنيوية، وعدل في الحكم وفي المال، وشورى في الأمر العام واختيار، وعدم مواداة للأعداء، وتدافع للرئاسة، وملك للشهوة والكبرياء، وتعفف عما في أيدي الناس، وتأييد من الأمة ونصح صادق وتعاون ووقوف مع الحق، وقياس لأمور الدنيا بمعايير الإيمان).

– الملك سيادة للسلطان، وإخضاع للدين، ورعاية للمصالح الدنيوية إن وجدت، وجباية للأموال وتعسف، وقهر واستبداد، وشراء للذمم والضمائر، وصناعة للموالين المتملقين، وترف وبذخ، وصراع على السلطان، ومعاداة للأعداء ومقاتلة، وفي بعض الأحيان موالاة ومهادنة ماضيا وحاضرا.

بين شخص الحاكم والنظام

لا ينكر الكاتب أهمية شخص الحاكم ومكانته في الأمة وتأثيره في سيرها إن كان قويا أمينا علما للهدى، وقد يحدث “ثلم” في صرحها بذهابه، لكنه يصحح فهما للقارئ العامي للتاريخ) لما يعتقد بأن تاريخ المسلمين صنعه أشخاص منفردون، مع الاعتراف لذوي الفضل بالفضل، فلم يعدم وجود حكام صالحين أبلوا البلاء الحسن على رأسهم عمر بن عبد العزيز رحمه الله. يقول: لا نكران لأهمية الأشخاص في الصلاح والفساد. لكن النظام هو مناط الخير والشر في المرتبة الأولى) 20 .

من أجل التأسيس لمستقبل الأمة ووحدتها

مطمح الكاتب من كتابه التأسيس لالتئام الأمة بعد الصدع الذي حصل بالانكسار التاريخي، فيتساءل: فهل ينسينا بأس الجاهلية علينا اليوم ما كان بيننا من بأس؟ وهل تعود الأمة فتلتحم على وهج الجهاد الحاضر والمستقبل كما تصدعت في آثار الفتنة؟. إجابة عن هذين التساؤلين، يقدم الكاتب المقترحات التالية:

– نبذ التقليد والقومة عليه لاستبانة الرشد لغد الأمة من عبر أمسها، يقول: والقومة من التقليد المغمض، وإزاحة هيمنة النص الموروث ما دون قال الله وقال رسول الله أولوية من أولويات القومة خاصة فيما يرجع للحكم) 21 .

– التمسك بالأصلين القرآني والسني، فهما كفيلان برفع كل حاجز دون فهمنا لمقاصد الشريعة، ودون تجديدنا للمنهاج النبوي القرآني لمستقبل الخلافة) 22 .

– الإغضاء عن فروع الخلاف، والتمسك بالأصول الثابتة، وجمع ما فرقته عصور الخلاف.

– نصب الجسور، والتعاون الفعلي في جهود البناء المشترك تمهيدا وتحفزا لتوحيد النظرة بعد حين)، يقول: لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق، ولا أن نيأس لما نراه خلفنا من أهوال تاريخية. فإن تحولنا عن المواقف العاطفية، وعمقنا معاني الرحمة الأخوية الجامعة، فعسى يأذن الله جلت قدرته برجوع المياه إلى المجرى الأول) 23 .

خاتمة

بعد هذا السبح الفكري والقراءة التحليلية لكتاب الخلافة والملك) للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله نؤكد أمرين، أولهما رغبة الرجل في توحد الأمة سنة وشيعة، يؤكدها قوله: يرجى أن تجمع الضرورات الوقتية والمستقبلية شطري الأمة بعد أن فرقها الصدع التاريخي والتعلق بآلام الماضي وخلافاته) 24 ، وثانيهما يقينه في الانتقال إلى عهد الخلافة الثانية على منهاج النبوة، قال: كان لابد من هذه الفجوة التي ظهر فيها الملك الجبرية على الساحة، واختلس الحكم فيها دعاة جهنم ليبلغ الشر مداه، ولتكره الأمة أنصاف الحلول، فيعود العهد الراشد. اللهم أنجز لنا ما وعدتنا، تباركت وتعاليت ربنا) 25 .


[1] صدر لحد الآن الأجزاء التالية: في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية (1995)، رجال القومة والإصلاح (2001)، مقدمات لمستقبل الإسلام (2005)، إمامة الأمة (2009)، القرآن والنبوة (2010)، جماعة المسلمين ورابطتها (2011)، للتنبيه لم يكتب الأستاذ عبد السلام ياسين الخاتمة إلا لكتاب “في الاقتصاد”.\
[2] روى أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.\
[3] العدل، الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين، ص 233.\
[4] الخلافة والملك، عبد السلام ياسين، ص 63.\
[5] مقدمات في المنهاج، عبد السلام ياسين، ص 32.\
[6] مقدمة ابن خلدون، ص 338.\
[7] الخلافة والملك، مرجع سابق، ص 15.\
[8] المرجع نفسه، ص 30.\
[9] المرجع نفسه، ص 36.\
[10] المرجع نفسه، ص 37.\
[11] المرجع نفسه، ص 31.\
[12] المرجع نفسه، ص 46.\
[13] المرجع نفسه، ص 47.\
[14] المرجع نفسه، ص 51.\
[15] المرجع نفسه، ص 57.\
[16] ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي، ص 133.\
[17] الخلافة والملك، مرجع سابق، ص 66.\
[18] المرجع نفسه، ص 64.\
[19] المرجع نفسه، ص 79-80-81.\
[20] المرجع نفسه، ص 19.\
[21] العدل، الإسلاميون والحكم، مرجع سابق، ص267.\
[22] نفسه.\
[23] المرجع نفسه، ص 52.\
[24] المرجع نفسه، ص 50.\
[25] جماعة المسلمين ورابطتها، عبد السلام ياسين، ص 21.\