وصف الكتاب

صدرت الطبعة الأولى لكتاب رسالة إلى كل طالب وطالبة، إلى كل مسلم ومسلمة) لكاتبه الإمام المجدد عبد السلام ياسين، سنة 1995 عن مطبوعات الأفق بالدار البيضاء. وهو كتاب من الحجم الصغير يشمل مجموعة من الرسائل؛ أولها وأهمها رسالة إلى كل طالب وطالبة)، والتي ألحقت بها أربع رسائل أخرى موجهة للطلبة كان قد نشرها صاحب الكتاب في مجلة الجماعة ما بين 1399 و1407 هجرية. واشتملت الرسالة على مقدمة وخمسة أجزاء عنونها بـ: هموم المصير، السياسة والدعوة، في قلبك تعطش إلى الحق، مادة الفتوة وقوة الاقتحام، خياركم أحباب الله حملة رسالة الإسلام.

سياق الكتاب

يندرج هذا الكتاب في إطار سلسلة رسائل الإحسان)، حيث يعد الرسالة الثانية بعد رسالة تذكير). وقد اتسمت الظرفية التاريخية لصدوره بالحضور المتنامي والقوي للطلبة الإسلاميين في الساحة الجامعية، والذي واكبه احتدام التدافع الفكري والحركي والسياسي بينهم وبين باقي التوجهات اليسارية الأخرى، خاصة بعد أن أصبح للحضور الإسلامي في الجامعات المغربية ثقله واعتباره ورهاناته. لذلك فقد برز تأثير هذه التفاعلات في أكثر من موقع من الكتاب، خاصة عندما يضع الطالب أمام الاختيار بين مختلف التوجهات الفكرية التي يكتشفها فور التحاقه بالجامعة، فتتجلى له الساحة الجامعية بنقاشاتها وشعاراتها واحتجاجاتها وحلقياتها واختلافاتها، فيطرح أمامه تحدي حسن الاختيار. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين على لسان الطالب والطالبة: ضرورة الاختيار، وأهمية الاختيار، وانسحاب الاختيار على بقية حياتي، على مستقبلي، على مصيري ومصير أمتي في الدنيا، على مصيري يوم البعث بعد الموت وآتي فردا مسؤولا عما فعلت بحياتي، وما عملت. يوم أجازى الجزاء الأوفى، إما الجنة أو النار) 1 . ليضع بذلك معيارا ومعلما يساعد الطالب المتردد التائه على حسن الاختيار، وهو معيار ربط اختيارات الدنيا بمآلات الآخرة.

أهم قضايا الكتاب

سؤال المصير: حين يعي الشاب والشابة سؤال المصير والمستقبل، الفردي منه والجماعي، يكتشفان عالما غير متجانس الأفكار والمرجعيات، تطغى عليه مسحة البؤس والفقر والتثبيط والخواء الروحي، ليرتفع صوتهما الداخلي متسائلا كيف أكتمل راشدا في ظروف سفيهة؟) 2 ، كيف أخرج من هذه الدنيا سعيدا بسعادة أهل الجنة؟ كيف أعبر مخاضة حياة أنا فيها مظلوم مكبوت مقهور؟ بأية عقيدة؟ لأية غاية؟ لأية أهداف؟ مع أي سراب؟ بأية أخلاق؟) 3 . فيعرض الكتاب خيارا وسطا بين إسلام رسمي يرعى الظلم الموروث، وبين إيديولوجية ثائرة منافحة عن الحقوق المسلوبة منقطعة عن الوحي ورسائله. هو اختيار يدفعني، يقول الإمام عبد السلام ياسين بلسان الطالب، لأبحث عن باعث أسمى أحقق به آمال أمتي وكمال شخصيتي. ماذا يجديني إن ناضلت من أجل قضية إنسانية شريفة وأضعت مصيري الأخروي؟ أبحث عن مسلك في الحياة، عن عهد مع الله تعالى قبل كل شيء، تنتظم به حياتي في الدنيا بمصيري في الآخرة) 4 .

بين السياسة والدعوة: الوظيفة الأساس للعمل الإسلامي هي الدعوة، فينبغي أن لا ينسي الوزن السياسي والوظيفة السياسية النقابية، الواجب على الجماعات الإسلامية الاضطلاع بها، وظيفتها الكبرى: ألا وهي تنشئة أجيال صادقة صلبة تخضع لشرع الله، وتعبد الله وحده لا شريك له، وتجاهد في سبيل الله لتكون في الأرض كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا أو نافقوا أو استكبروا في الأرض وظلموا هي السفلى) 5 . هي إشارة واضحة للمقبلين من الشباب على الحركة الإسلامية وللعاملين في أي تيار من تياراتها، إلى أن البعد السياسي ليس إلا جزءا من وظيفة هذه الحركة، فالمطامح السياسية الجليلة من ديموقراطية وحرية وتداول على السلطة غير كاف لإحداث التغيير العميق كما يراه الإمام عبد السلام ياسين ويؤثث له، لأنه لن ينقذ الأمة من بوار حالها.

مداخل التغيير: التغيير الذي تحتاجه الأمة ينبغي أن يلامس القلوب ليولد فيها معاني الصدق والأمانة والنزاهة، متشبعة بالخوف من الله، والحياء من الله، واتباع سنة رسول الله. وهو إيمان بالله وتوبة دائمة متجددة وإقبال على الله يعصمنا من عثرات الاستسلام الكلي لشروط الواقع ولتدبير المياومة وللمطامح الأرضية. ومتى تشبع الشاب والشابة بهذه المعاني يصبح التغيير عندهما مشروع حياة، يمتد وهجه من الفترة الجامعية إلى ما بعدها. وإلا فإن الحماس المنقطع عن الآخرة الذي يبديه الطالب وتبديه الطالبة خلال حياتهما الجامعية لم يكن ليحيي القلب بهمة طامحة إلى الله وإلى ما عند الله صابرة مثابرة. كان وعيا سياسيا نقابيا شبابيا فكريا. كان نشوة في ترديد الشعارات الهادرة وأخذة في تقليب كلام الغير، وعرض أفكار الغير) 6 .

العنف معول هدم: التغيير الذي يطمح إليه جيل الشباب المتوقد لا ينفع معه عنف، فما يصلح العنف من حال الأمة شيئاً. الرفض الانفعالي للحال التي وصلنا إليها، والتهييج المجاني لن يؤديا إلى بناء حالة ترضي الطامحين إلى غذ أفضل. فقد يخر البناء الهرم كله على رأس الكل في فتنة عارمة غاضبة قاتلة مبيدة) 7 . وهي إشارة قوية من الإمام لضرورة وقف العنف المتبادل بين الفصائل الطلابية، والذي راكم خلال سنوات السبعينات والثمانينات الكثير من الأحقاد والحسابات التي ضيعت على العمل الطلابي سموه وفاعليته وقوته. يقول الإمام عبد السلام ياسين موجها كلامه لعموم الطلبة: لا تستنزفوا قواكم، ولا تضعفوا فتوتكم في عنف رافض وحوار غامض) 8 . ومقابل ذلك هناك دعوة صريحة إلى الحوار الجاد والعمل المشترك.

العمل المشترك: التوحد تحت راية تؤلف القلوب وتوقظ فيها معاني الإيمان والصدق والكرامة. وتنور الفكر وتوجه الجهود بين تكامل صادق، وتعاون مخلص بين النزهاء من أبناء الأمة وبناتها. وليس غير راية الإسلام جامع مؤلف. هو عمل مشترك لمواجهة الاستبداد الداخلي والتآمر الخارجي. فالعالم من حولنا هو مجالنا الحيوي، هو بحر الابتلاء الإلهي للعباد (…) نعطي كل ذي حق حقه دون أن نتنازل عن رسالتنا) 9 . هو لقاء وتعاون على صعيد القيم المشتركة ما دام الناس يحترمون ديننا. ويصون المصالح بيننا ذمم مرعية وعهود مقضية) 10 . ومقدمة ذلك تفادي الصدام خاصة مع الصادقين المحبين الخير للناس مهما بلغت درجة الاختلاف معهم.

سلاح الطلبة: هي أسلحة لا مناص من امتلاكها في أي مشروع تغييري عميق، أسلحة تعطي نفسا أقوى وتوجيها أكثر دقة وفعالية. وهي:

عقيدة التوحيد: أنتم الطلبة المؤمنون والطالبات تَحصنوا وحَصنوا الناس بعقيدة التوحيد) 11 .

الجندية: أنتم معاشر الطلبة المسلمين والطالبات مادة الفتوة وقوة الاقتحام… فتجندوا للدعوة) 12 .

طلب العلم: التحصيل العلمي جهاد في حد ذاته مهما بدت الآفاق منسدة) 13 .

اليقظة: كونوا يقظي العقل والقلب وأيقظوا الناس) 14 .

العمل المنظم: تعلموا الانضباط في عمل منظم، فالجهود المبعثرة ضياع) 15 .

تنظيم الوقت: كونوا أشحة بوقتكم، لا تضيعوه ولا تضيعوا وقت غيركم في مناقشات عقيمة) 16 .

خيار الطلبة: لا يحمل الأمانة العظمى إلا خيار الناس، وقد اختار الإمام عبد السلام ياسين أن يحددهم انطلاقا من مجموعة من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الخيرية في الإسلام. فخير الأعمال الصلاة في وقتها. وخير الناس من يحسن إليهم فيعاملهم بالحسنى فيسلموا من لسانه ويده. وخير الناس أقرؤهم للقرآن وأفقههم في دين الله وأتقاهم له، وخير الناس من لم يكن كلا على الناس، وخير الأصحاب والأخلاء من يذكرك بالله.

على سبيل الختم: رغم أن كتاب رسالة إلى كل طالب وطالبة) خصص مبدئيا لمخاطبة الفئة الشابة في المجتمع، لما تتميز به من خصوصية وحضور كمي وتأثير نوعي، إلا أن الكتاب يجمع بين دفتيه أهم أسس العمل التربوي والدعوي والسياسي من منظور الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى، ولعل هذا ما يبرر الشق الثاني من عنوان الكتاب؛ إلى كل مسلم ومسلمة)، بما يوحي بأن مشروع الإمام رحمه الله من الشمولية والعمق اللذين يجعلانه متجاوبا مع مختلف الفئات والأوساط والطبقات.


[1] عبد السلام ياسين، رسالة إلى الطالب والطالبة إلى كل مسلم ومسلمة، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، 1995، ص 10.\
[2] المرجع السابق، ص 8.\
[3] المرجع السابق، ص 7.\
[4] المرجع السابق، ص 13.\
[5] المرجع السابق، ص 15 – 16.\
[6] المرجع السابق، ص 19.\
[7] المرجع السابق، ص 23.\
[8] المرجع السابق، ص 26 – 27.\
[9] المرجع السابق، ص 31.\
[10] المرجع السابق، ص 31.\
[11] المرجع السابق، ص 28.\
[12] المرجع السابق، ص 26.\
[13] المرجع السابق، ص 29.\
[14] المرجع السابق، ص 28.\
[15] المرجع السابق، ص 29.\
[16] المرجع السابق، ص 29.\