مقدمة

نكون منهاجيين إن نحن عالجنا موضوع فقه الدَّيْن والنفقة بفقه جامع يجمع بين النظرتين الفردية والجماعية بدل الفقه الموروث المجزأ، إنه فقه عويص ينتظرنا يقول الإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: -إنه- فقه صعب لأن البيئة العالمية بيئة إنتاج وإنتاج وبيع وسوق ودعاية. فثَمَّةَ حدود لا يمكن لمجهود – الرجل – والمرأة في أسرتها ولا للدولة الإسلامية في المجتمع الدولي والسوق العالمية أن يتجاوزاها.)من الجانب الآخر هناك فقر وسوء قسمة وتفاوت طبقي. فجهاد المومنات والمومنين السياسي العام والسلوكي الخاص ينبغي أن يربط بين سوء القسمة والعادات الاستهلاكية التي تؤول بالأمة أن يعيش بعضها فوق مستوى طاقة الأمة الكسبية، بينما الأغلبية تعيش في البؤس. والقضية عالمية. في العالم شمال غني وجنوب بائس ولكل قطر شماله وجنوبه) 1 .

مهمات كالجبال، تحتاج لرجال سامقي الهمم، متوفري الخبرة، قادرين على العطاء بلا حساب) 2 ، أمامهم معارك كثيرة ومتنوعة: (إيجاد شغل للعاطل وخبز للجائع، وتغيير اجتماعي، وتوزيع عادل، وإدارة مجدية، وصناعة تقنية، وقوة تدفع العدو، واقتصاد يحررنا من التبعية). يحررنا من قيود الديون الفردية والجماعية من همها بالليل وذلها بالنهار.

وأحكام الدّيْن من المعاملات التي شرعها الله ـ عز وجل ـ بين العباد، وجاءت الآيات والأحاديث لتنظيمها وضبطها. ولما كان مال المسلم محفوظاً في الشريعة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حرمة مال المسلم كحرمة دمه”، وقد أنزل الله ـ عـز وجل ـ أطول آية في القرآن وهـي آيـة الدّين.

وقد أصبح كثير من الناس، يتساهلون في أمر الدَّيْن، من السبل المباحة وغيرها، فيظلمون أنفسهم ويظلمون الغير. وعدم الوفاء بالدين، بقصد أو غير قصد، خطر كبير، دنيا وأخرى. لذا نعرض في هذا المقال بعض أحكام الدّيْن وضوابطه وآثاره على النفس، سائلين الله ـ تعالى ـ التوفيق والسداد.

تعريف الدَّين وحكمه

الدَّين لغةً: يقال: داينت فلاناً إذا عاملته دَيْناً إما أخذاً أو عطاءً، ومنه اسم الله الدّيّان.

وفي اصطلاح الفقهاء: لزوم حق في الذمة؛ فيشمل المال والـحقـوق غير المالية كصلاة فائتة وزكاة، كما يشمل ما ثبت بسبب إجارة أو إتلاف أو جناية أو غير ذلك. وما يعنينا هنا هو الدّين المتعلق بالمال بين العباد.

حكم الدّين: الأصل فيه الإباحة، فيجوز للإنسان أن يستدين إذا علم من نفسه القدرة على الوفاء، وقد يعرض له ما يجعله واجباً إذا كان لدفع الضرّ عن نفسه. وينبغي على المسلم أن لا يتساهل بالاستدانة لأدنى سبب؛ فقد نزل التشديد في الدّين؛ فعن محمد بن عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال: كنا جلوساً بفناء المسجد حيث توضع الجنائز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهرانينا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره قِبَل السماء فنظر، ثم طأطأ بصره، ووضع يده على جبهته ثم قال: سبحان الله سـبـحـان الله، مــاذا نــزل من التشديد؟ قال: فسكتنا يومنا وليلتنا، فلم نرها خيراً حتى أصبحنا. قال محمد: فــسـألت رسول صلى الله عليه وسلم ما التشديد الذي نزل؟ قال في الدّيْن، والذي نفس محمد بيده، لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله، ثم عاش، ثم قُتل في سبيل الله، ثم عــاش وعـلــيـه دَين؛ ما دخل الجنة حتى يُقضى دينه».

أسباب ثبوت الدّين

الأصل براءة ذمة الإنسان من كل ديـن مالي، ويثبت في ذمة إنسانٍ ما لأحد الأسباب التالية:

– الالتزام بالمال في عقد يتم بين طرفين؛ كالبيع والسّلَم والإجارة والقرض.

– العمل غير المشروع المقتضي لثبوت ديْن على الفاعل: كالقتل الموجب للدية.

– إتلافه مال غيره.

– هلاك مال غيره بيده بتفريط منه.

توثيق الدّين

التوثيق هو الإحكام. ومعـنى توثيـق الـدّين: هو تثبيت حق الدائن بحيث يتمكن ـ عند امتناع المدين عن الوفاء ـ من استيفاء دَينه. وطرق توثيق الدّين أربعة:

– الكتابة، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: 282]. وجمهور الفقهاء على أن توثيق الدّين مندوب إليه، وليس بواجب وأن الأمر فيه للإرشاد.

– الاستشهاد بالشهود، كما قال ـ تعالى ـ في آية الدين: وَاسْــتَـشْهِـدُوا شَهِـيـدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ.

– الرهـن، كما فـي قـوله ـ تعـالى ـ : وَإن كُنتُـمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَـانٌ مَّقْبُوضَةٌ [البقرة: 283].

– الكفالة، كما في قصة الرجلين من بني إسرائيل التي حكاها النبي صلى الله عليه وسلم.

استيفاء الدّين

إذا ثبت الدّين في ذمة المدين فلا تبرأ ذمته منه إلا بحصول أحد أسباب انقضاء الدّين؛ ونذكر منها:

– الأداء: وهو أن يؤدي المدين ما عليه للدائن.

– الإبراء: وهو أن يسامح الدائن المدين عن الدّين كله.

– الحوالة: وصورتها: أن يكون للمدين مبلغ من المال عند شخص؛ فـيحيل الدائن عليه. وفي حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مُطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع” 3 .

– قبض الرهن: بعد حلول الأجل.

حسن القضاء وإمهال المعسر أو إبراؤه

وقد حثت الشريعة على أداء الديون وحسن القضاء والسماحة في طلبها؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سِنّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: أعطوه. فطلبوا سنه فلم يجدوا له إلا سناً فوقها. فقال: أعــطــــوه، فقال: أوفيتني؛ أوفى الله بك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن خياركم أحـسـنكم قضاءً”.

وفي حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صـلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى”، وعن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم استلف مــنـــه ـ حين غـزا حُنيناً ـ ثلاثين أو أربعين ألفاً، فلما قدم قضاها إياه، ثم قال له النبي صلى الله عــلـــيـه وسلم: “بارك الله لك في أهلك ومالك؛ إنما جزاء السلف الوفاء والحمد”.

وأما عن إمهال المعسر بأن يصبر عليه حتى يتمكن من أدائه متى تيسر له دون إحراجه بين الناس أو يعفيه منه فهي ولا شــك خصلة عظيمة ولا يوفق لها إلا من تحلى بخصال الإحسان والخيرية، من الذين قـال الله فيهم: وَإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَـمُــونَ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 280-281] وقال عنهم رسوله صلى الله عليه وسلم: “من سره أن ينجيه الله مــن كُرَب يوم القيامة فلينفّس عن معسر أو يضع عنه” 4 .

التشديد في أمر الدَّيْن

وكما حثت الشريعة على أداء الديون، فقد حذرت من المماطلة في تسديده لمن يجد، وأن ذلك يحل عرضه وعقوبته؛ فعن الشريد ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَيّ الواجد يُحِلّ عرضه وعقوبته”، قال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ له. وعقوبته: يحبس له، إن الشريعة وإن كانت تبيح هذا الضرب من المعاملات فهي تبرز مقدار الحرج الذي يلحق المتعاملين، لذلك فهي تحذر تارة وتضيق تارة أخرى، وتتوعد تارة ثالثة، وما كل ذلك إلا محاذير وعوائق حتى يتم اللجوء إليه عند الضرورة وفي أضيق الحدود…

وقد بلغ أمر التشديد والترهيب أبعد من ذلك، كيف لا؟ والشهيد الذي يُغفر له ما تقدم من ذنبه مع أول دفعة من دمه تكون نفسه معلقة بديْنه، كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صـلـى الله عـلـيـه وسلم؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدّيْن”، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صـلـى الله عليه وسلم: “نفس المؤمن معلقة بديْنه حتى يُقضى عنه”، ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه؛ فعن أنس بن مالك قـال: كــان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والـعجز والكسل، والجبن والبخل، وضَلَع الدّيْن وغَلَبة الرجال”.

آثار الدّين على النفس

للدّين آثار سلبية على النفس، تجعل المدين مكبلاً بدَينه، لانشغال القلب بالتفكير بالدّين. منها:

1- الشعور بالخوف وعدم الأمن؛ فعن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تخـيـفـوا أنفسكم بعد أمنها! قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: الدّيْن”.

2- اللجوء إلى الكذب وإخلاف الوعد؛ فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة ويقول: “اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم. فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم! قال: إن الرجل إذا غرم: حدّث فكذب، ووعد فأخلف”، وهاتان الصفتان من صفات المنافقين، وحَري بالمسلم أن يبتعد عن كل ما يؤدي للتخلق بصفاتهم، فإن قال قائل: قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استدان؛ فكيف استعاذ؟ فالجواب كما قال ابن المنيّر: لا تناقُضَ بين الاستعاذة من الدّين وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استُعيذ منه غوائل الدّين، فمن استدان وسلم منها؛ فقد أعاذه الله وفعل جائزاً).

2- الهم والغم والتعلق بالدنيا والخوف من الموت لعدم سداد الدين، فيكون نهاره مشغولاً بكسبه، وليله بهمومه؛ مما يفقده لذة العبادة والخشوع، وقد قال بعض السلف: ما دخل همّ الدّين قلباً إلا أذهب من العقل ما لا يعود إليه.

4- خسارة الحسنات يوم الآخرة لمن مات وعليه دَين وفي نيته عدم الوفاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “الدّين ديْنان: فمن مات وهو ينوي قضاءه، فأنا وليّه، ومن مات ولا ينوي قضاءه فذاك الذي يؤخذ من حسناته، وليس يومئذ دينار ولا درهم”.

العوامل المعينة على تسديد الدّيْن

1- النية الصالحة؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أخذ أموال الناس يريـد أداءهـا أدى الله عنـه، ومـن أخذها يـريـد إتلافها أتلفه الله”، فجعل النية الصالحة سبباً قوياً للرزق وأداء الله عنه، وجعل النية السيئة سبباً للتلف والإتلاف.

2- المبادرة بسداده متى توفر المبلغ؛ لأن الإنسان قد يفجؤه الموت فيسلم من تبعاته؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كان لي مثل أُحُد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليّ ثلاثٌ وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدَيْن”.

3- التخطيط الجيد المدروس المبني على معرفة الحال، والابتعاد عن الكماليات والزهادة في الدنيا والتطبيق العملي لقوله صلى الله عـلـيـه وسلم: “من أصبح منكم آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه: فكأنما حِيزت له الدنيا”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “انظروا إلى من أسفل منكم ولا تـنـظـروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله”.

4- الإكثار من الدعاء؛ فهو الـعـبـادة؛ فـعن علي ـ رضي الله عنه ـ أن مكاتباً جاءه فقال: إني قد عجزت عن كتابتي، فأعني، قال: ألا أعـلـمـك كلمات علمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل صِير ديْناً أداه الله عنك؟ قل: “اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك”.

اللهم صل على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون. والسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين.


[1] تنوير المومنات 1، ص179.\
[2] المنهاج، ص207.\
[3] متفق عليه.\
[4] رواه مسلم عن بن أبي قتادة رضي الله عنه.\