أولا- مدخل إلى الخطاب المقدماتي

أصبح الدرس النقدي المعاصر يولي اهتماما متزايدا للخطاب المقدماتي تنظيرا وتجريبا، فقد صار للمقدمة بوصفها نصا موازيا (paratexte) حيز هام في مجال اشتغال النقد الأدبي) 1 . ولعل من مبررات هذا الاهتمام، ما لحق هذا العنصر التأليفي من إجحاف وإهمال.

ومن مسوغات إفراد المقدمة بجزء من البحث والدراسة، ما لهذا الخطاب من أهمية بحكم ارتباطه بمتن الكتاب من جهة، إضافة إلى إسهامه في توضيح جوانب مهمة تضيء للباحث سُبُل التعامل مع المادة المبثوثة بين دفتي الكتاب.

إن المقدمة بوصفها نصا موازيا، تعمل على تفسير ما استغلق في النص كما توفر لهذا الأخير بعدا تداوليا وتعمل على التأثير في القارئ، وهذا ما منحها الشكل الذي سماه فليب لوجون ب: الميثاق التمهيدي).

ثانيا- قضايا التأليف من خلال مقدمة الكتاب

1- الديباجة

تعتبر البسملة والحمدلة والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) أهم العناصر المقررة في التأليف في حضارة الإسلام، بشكل عام. وتتشكل منها في العادة ديباجة الكتاب 2 . وقد أوردها الأستاذ عبد السلام ياسين في مقدمة كتابه حوار مع الفضلاء الديمقراطيين) بالترتيب السابق، إذ يقول: الحمد لله الذي جعل الجهاد ذروة سنام دينه القويم والصلاة والسلام على رسوله الكريم هادي العباد إلى صراط مستقيم) 3 .

2- البعدية

يتجلى دور البعدية في الفصل بين الديباجة وباقي المقدمة… ب: “أما بعد” أو “بعد”، وهما عبارتان معدتان للانتقال وتؤذنان به إلى الغرض المقصود، ولذلك سميت: “أما بعد” بفصل الخطاب لفصلها الكلام الثاني عن الأول) 4 . وللبرهنة على ذلك، يقول الفقيد فاصلا بين الديباجة وما تلاها: أما بعد، فقد كان سلفنا من المسلمين يتأدبون في مجالس المطارحة والمناظرة) 5 .

3- التصريح بعنوان الكتاب

تنامى الاهتمام بالعنوان، باعتباره عتبة من العتبات، إذ لا يمكن الولوج إلى عالم النص، إلا بعد اجتياز هذه العتبة، إنها تمفصل حاسم في التفاعل مع النص) 6 . وبناء عليه فقد صرح الأستاذ بعنوان كتابه قائلا: الفضلاء الديمقراطيون الذين نحب أن نحاورهم طبقة واحدة مع المتسلطين المستبدين الذين يعزلون الشعب عن منبع قوته ومصدر عزته وقوام أصالته وحقيقة هويته) 7 .

4- تسمية المؤلف

إن التصريح باسم المؤلف يعد محمدة ومكسبا للتأليف، فقد تساءل الأستاذ عباس ارحيلة قائلا: كيف يمكن الأخذ من كتاب يجهل مؤلفه؟) 8 . وهو تساؤل مشروع، لأن التصريح باسم المؤلف يضفي الشرعية على الكتاب، وقد سار الأستاذ عبد السلام ياسين في هذا الاتجاه فصرح باسمه في نهاية المقدمة جريا على عادة القدماء في ذلك 9 .

5 – المنهج

يلعب المنهج دورا حاسما في فك معمّى النص أو النصوص، لذا يتولى المؤلف بيان منهجه، فيكون ذلك هو المدخل السليم لقراءة الكتاب، ووضعه في إطاره الصحيح) 10 . ويتحدد المنهج عند الأستاذ من خلال بيان ضوابط الحوار وأخلاقياته إذ يقول: فقد كان سلفنا من المسلمين يتأدبون في مجالس المطارحة والمناظرة مع الخصماء في الرأي بالآداب الرفيعة، تقربا وتحببا وإيناسا وتبليغا. يسعهم التلميح إن خشي من التصريح استيحاش، وتتصدر الكلمة اللينة الخطاب فتبسط أمام المتناظرين من أسباب الرفق ما يمهد للتفاهم دون أن يمنع الإنصاف الذي يعطي كل ذي حق حقه) 11 .

فقد أسس الأستاذ منهجه على ثلاثة أسس هي: التأدب في المجالس والتلميح بدل التصريح ثم الكلمة الطيبة البانية.

6- بواعث التأليف

يكشف الأستاذ عبد السلام ياسين عن أسباب تأليفه للكتاب في قوله: ثم إن هذه الصفحات، وإن جاءت تحت عنوان حواري موجه لفئة من الناس، قصدها الأول والثاني عرض القضية الإسلامية ومشروع المجتمع المسلم على جمهور المسلمين) 12 .

7- كلمة الاختتام

يرى بعض الباحثين أن الاختتام قد يرد في بداية الكتاب… وقد يرد في وسط المقدمة، ولكنه عادة ما يرتبط بنهاية المقدمة في التصانيف) 13 . وهكذا فقد وردت كلمة الاختتام في الكتاب بهذه الصيغة وإنه دائما الإسلام أو الطوفان. خاطبنا من يعلم أن للكلم معنى، وأن بعد اليوم غدا. والله المستعان) 14 . فلا يخفى على كل ذي بصيرة أن الشيخ نهج نهج المثل إياك أعني واسمعي يا جارة).

ثالثا- تركيب

يتبين من خلال ما ذكر آنفا ما يأتي:

* كان الأستاذ عبد السلام ياسين على وعي تام بمسألة التقديم لكتبه ومصنفاته، فجاءت مقدمة حوار مع الفضلاء الديمقراطيين) مستوفية ومستجيبة لأساسيات التقديم أو قضايا التأليف.

* يتبين كذلك أن الفقيد نهَج نهْج القدماء في التقديم لكتبهم وإن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على ثقافة الفقيد الواسعة التي تنهل من المصادر القديمة دون نسيان الانفتاح على الثقافات المعاصرة.

* تفتح هذه المداخلة الأبواب لدراسة مقدمات كل الكتب المصنفة من قبل الأستاذ عبد السلام ياسين لكشف خباياها وقضاياها، ونتمنى من الله العلي القدير أن يقيض لهذه الأمة من يكشف النقاب عن هذا الأمر.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


[1] الخطاب المقدماتي، عبد الواحد بن ياسر، ضمن علامات في النقد، ج: 47 / مج: 12، 2003م، ص: 626.\
[2] مقدمة الكتاب في التراث الإسلامي وهاجس الإبداع، د عباس ارحيلة، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش ط: 1،2003، ص: 83.\
[3] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 2.\
[4] مقدمة الكتاب، ص: 101.\
[5] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 2.\
[6] من النص إلى العنوان، محمد بوعزة، ضمن علامات في النقد، ج:35 / مج:1، 2004 م، ص: 408.\
[7] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 2.\
[8] مقدمة الكتاب، ص: 116.\
[9] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 2.\
[10] مقدمة الكتاب، ص: 126.\
[11] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 2.\
[12] نفسه، ص: 2.\
[13] مقدمة الكتاب، ص: 113.\
[14] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص: 3.\