أبدأ مقالي بإدانة صريحة لا تردد فيها ولا مواربة لأعمال العنف التي حصلت البارحة في فرنسا. فقتل الأبرياء جريمة لا تُغفر وليس لها أي مبرر في دين الإسلام أيّاً كان مصدرها وأياًّ كانت شعاراتها وأهدافها. لكني في نفس الوقت أحتفظ بعقلي ووعيي وشجاعتي وحقي في التفاعل الحر مع الحدث دون استسلام لمحاكم التفتيش التي سارع بإقامتها من يُناصبون الإسلام العداء هناك في فرنسا وهنا حيث يتبارى بنو جلدتنا من اللائكيين وذراريهم، بطفولية، في تصفية الحساب مع خصومهم الإسلاميين.

من البديهيات التي يدركها كل عاقل أن لكل حادث صانعا أو صانعين، هم من يخطط له ويرسم الأهداف والمسارات، وهم من يهيئ الظروف ويختار السياقات ويُنَشِّطها وهم، في النهاية، من يُحدد أدوات الإنجاز وتوقيته ومكانه وصور استثماره فمُخرجاته تصب في النهاية في مصلحتهم الإستراتيجية. كما أن لكل حادث مُنفذون قد لا يكونون بالضرورة هم من خطط بل في الغالب يظلون مجرد أدوات تنفيذ تنحصر مهمتهم في إنجازه في الواقع. ولكل حادث، أخيرا، مستثمرون هم إما من خطط لوقوعه منذ البداية، أو من وقع متساوقا مع أهدافهم ولو بشكل مفاجئ. فكلا الطرفين سيعمل جاهدا لاستغلاله بكل الطرق وبمختلف الأشكال والتدخل في تداعياته وتوجيه مآلاته. لأجل ذلك، واستحضارا لهذه المعطيات، وجب على من يقرأ الأحداث أو يُحللها ويرتب المسؤوليات عدم إغفال هؤلاء المتدخلين وأدوارهم فيما قبل وأثناء وبعد الحدث. فالتحاليل المُغرضة أو غير الموضوعية أو غير الدقيقة تركز، في الغالب، على متدخل واحد ـ وعادة ما يكون المُنَفِّذ ـ وتُسلِّط الضوء عليه وتُضَخِّم حجمه بهدف التعمية على الحقيقة أو انسياقا وراء الدعاية الجامحة. وحين يتعلق الأمر بالأحداث الكبيرة أو المحورية فإن التدقيق في حجم دور ومسؤولية كل متدخل من أولئك يكتسي أهمية بالغة. وبإطلالة سريعة على واقعنا البشري، المأزوم بكم هائل من الأحداث، يتضح لنا حجم الانزياح ـ المقصود والمتعمد في كثير من الأحيان ـ في تفسير الوقائع وترتيب المسؤوليات خاصة حين يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين.

لا ينفصل كل حدث، كذلك، عن سياقاته، التي تفسر كيفية تبلوره ولا يستقل عن تداعياته التي قد تكشف عن حقيقة المتدخلين في صناعته. والسياق هنا يطال ما هو مجرد وما هو مادي. إذ هناك دائما سياق فكري وعاطفي نفسي يتولد داخله الحدث، كما أن هناك أيضا سياق مادي يشمل الأوضاع والعلاقات. وكل قراءة أو تحليل لحادث ما، مهما كان حجمه أو تأثيره، لا تستحضر سياقاته ومسار تداعياته لا جرم ستكون قراءة منحازة ولا تمت للموضوعية بصلة.

فهل يُقرأ حدث الهجوم الذي حصل في باريس باستحضار سياقاته المحلية (الموسومة بارتفاع منسوب الإسلاموفوبيا في فرنسا، خاصة، ومشكلة إدماج أبناء الضواحي من المهاجرين..) وسياقاته العالمية (تورط فرنسا في العديد من جبهات الحرب في العالم العربي والإسلامي تحت مسمى محاربة الإرهاب، فضلا عن المساهمة في دعم الأنظمة المستبدة وإعاقة التحول نحو الديموقراطية..)؟ وهل سيتم تشخيص أدوار كل الفاعلين والمتدخلين حسب حجم كل طرف بشكل موضوعي ونزيه؟ وهل ستطال المسؤولية بأبعادها المتنوعة، الجنائية والأخلاقية والسياسية، كل من يثبت تورطه؟ هل سيغلب صوت الحكمة وبُعد النظر على هدير وصخب الدعاية ضد الإسلام ورموزه وأبنائه؟ أم أن تصفية الحسابات والمصالح الضيقة وخدمة الأجندات المعلنة والخفية هي من سيتسيد الميدان؟

ما يجب ألا يغفله الجميع أن هجوم باريس ليس حدثا استثنائيا في مناخ عالمي يخيم عليه، يوميا، القتل والعنف بالجملة وبأبشع الأساليب وأحدث التقنيات التي ابتكر منها العقل الغربي الكثير. إنه حدث عابر أو بلغة الفرنسيين أنفسهم: “un fait divers” مهما ضخّمته آلة الدعاية السياسوية. من المهم أيضا أن يتذكر العقلاء أن سوء التعامل مع حدث مثل هذا لن يعمل إلاَّ على إعادة إنتاجه في صور أشد بشاعة وأقل توقعا في الزمان والمكان وحجم خسائر ونوعها.