أجرى موقع هسبريس الإلكتروني حوارا مع الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا التي تتعلق بالجماعة خاصة في سياق تخليدها للذكرى الثانية لوفاة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وأخرى تهم الشأن العام.

نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة:

نريد أن نبدأ معكم الحوار بمفهوم مركزي يتعلق بـ”الصحبة” والملاحظ أستاذ عبادي أن الجماعة غيرت بنيتيها الداخلية بشكل كبير، وهل حقيقة أن هذا التغيير كان سببا رئيسا في استقالة بنت الأستاذ المرشد ندية ياسين؟

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

الصحبة غير مرتبطة بالبنية والأشكال التنظيمية، الصحبة مفهوم تربوي كما هو معلوم يهدف إلى تغيير ما بالنفس في سلوك وسير المؤمن والمؤمنة إلى الله، وفي ترقيهما نحو الأفضل عن طريق التلقي والمجالسة والمشافهة والتمثل والتشرب والوفاء لأواصر وصلات الأخوة والمحبة والإرشاد التي تجمعنا مع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على هدي الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي مقترنة ومندمجة مع الجماعة، الصحبة والجماعة، الصحبة في الجماعة، وهي أول شروط التربية، وبهذا الاعتبار هي مفهوم ثابت في منهاجنا.

أما عن تغيير الجماعة لبنيتها الداخلية، فالجماعة تطور بشكل دوري وسائل وأشكال وآليات العمل وهياكل التنظيم، مواكبة للتوسع الدعوي، وسعيا لتجويد العمل وتيسيرا لعمل المؤسسات. والتطوير الأخير جاء في هذا السياق.

وماذا بخصوص ندية ياسين؟

بخصوص الأخت ندية فهي حفظها الله نشأت وترعرعت في أحضان مشروع العدل الإحسان حيث كان بيت الإمام رحمه الله منطلقه الأول ومحضنه الأساس في كل مراحله، فهي بنت الدار كما يقال، وقدمت الخير الكثير للدعوة ولاتزال. والقرارات والاختيارات عندنا خاضعة للشورى.

في الاحتفاء بالذكرى الثانية لرحيل عبد السلام ياسين تم تقديم فاطمة الزهراء الشيباني، نجلة ندية ياسين، باعتبارها قيادية من الجيل الجديد، هل نفهم أن الجماعة تعمل على تجديد نخبتها بإقحام قيادات شابة على قدر عال من الكفاءة والتكوين؟

لقد تم تقديم الأخت فاطمة الزهراء لإلقاء الكلمة باسم العائلة الكريمة للإمام رحمه الله. ونحن لا نحتاج في الجماعة لإقحام الشباب كما قلت، لأن طبيعة العمل المؤسساتي والروح الشورية الأخوية السائدة في الجماعة تفرز تلقائيا الطاقات والكفاءات في المهام والمسؤوليات على أساس الأهلية والفهم والإنجاز في مجال التخصص.

لوحظ مؤخرا الاستكثار من المواقف السياسية على حساب الرسائل التربوية، هل يعني أن الجماعة أصبحت تتخلى عن العقد العقدي لحساب العقد الاجتماعي والسياسي؟

منهاج الجماعة واضح في الجمع بين ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يجمع. أقصد الجمع بين التزكية الإيمانية القلبية الروحية المنورة لذات المؤمن والمؤمنة بمحبة الله وخشيته وذكره والوقوف عند حدوده، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وطاعته واتباع سنته، وبين السعي في الأرض بأخلاق الإسلام أخلاق الصدق والثبات والأمانة وخدمة الأمة والدفاع عن قضايا المقهورين والمستضعفين، والجهر بالحق في وجه الظالمين والمفسدين.

إن هذا السعي قبل أن يكون معارضة باصطلاح العصر فهو دين نتعبد به ربنا جل وعلا. ونعتبره مسؤولية نحاسب عليها يوم القيامة إن نحن سكتنا عن الظلم وعن التوظيف الماكر لقيم الدين لمزيد من إخضاع وإذلال هذا الشعب. ألم يجعل الله تعالى من لم يحرص على معاش الفئات العريضة من الأمة ومن لم يكفل المحرومين منهم، ألم يجعله بمنزلة المكذب بالدين ؟! حيث قال تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ.

كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.

ولكن لا ننس أن الجماعة كانت تتحدث عن الميثاق الإسلامي من خلال ما كتبه الراحل عبد السلام ياسين في كتابه حوار مع الفضلاء الديمقراطيين وبعد القراءات النقدية التي رافقت صدور الكتاب من قبل الراحل الحبيب الفرقاني وغيره من الباحثين “الفضلاء”، على حد تعبير أدبياتكم، وبعدها أصبحتم تتحدثون عن الميثاق الوطني، كما أن متدخل من الجماعة هو الدكتور الزقاقي قال في معرض مشاركته في إحدى الندوات ضمن مناسبة الذكرى الثانية بالحرف: يجب أن نتخلى عن التمييز بين هذا إسلامي وهذا يساري، هل هذا تحول في فكر الجماعة؟

إننا نعتبر ما نقدمه من إنتاجات فكرية ونماذج عملية وتنظيمية ومواقف علمية أو سياسية، نعتبر ذلك اجتهادا من الاجتهاد مبني على أسس علمية واستنباطية عملية تقويها في تقديرنا ثوابت الأصول من الدين ونقد المسار التاريخي للأمة ومعطيات الواقع. ونعمل على الاستفادة من كل نقد أو حكمة جاءت من غيرنا.

وبخصوص نعت الميثاق الذي ننادي به بالإسلامي أو الوطني ففي تقديرنا جاء الالتباس من سحب مفهوم الدين كما هو معروف في كثير من المراجع والمواقف الغربية على الدين الإسلامي وهذا خطأ كبير. في ديننا أين ما كان العدل والقسط والاجتماع على نصرة المظلوم وعلى إطعام الجائعين وعلى إغاثة الملهوفين فثم شرع الله. سمه وطنيا أو إسلاميا أو اجتماعيا… نحن باعتبار مرجعيتنا الإسلامية نعد كل هذا أعمالا صالحة نرجو التقرب بها إلى الله تعالى ونأمل أن تكون مقاصد المسلمين كلها هكذا حتى تزكي بنياتها الأعمال المباركة التي تقدمها للأمة ولم نؤمر بالتنقيب في نيات الناس. الله وحده العليم بالسرائر.

وكذلك بهذا الاعتبار أيضاً، اعتبار مرجعيتنا الإسلامية، واعتبار أن دين الشعب هو الإسلام، لا نقبل عملا يناهض الدين أو يعاديه نعوذ بالله. فبهذين الشرطين، عدم معاداة الدين والعمل على تحقيق كل المصالح النبيلة للمجتمع يمكن التعاون والتحالف من أجل إنجاز التحولات الكبرى التي يصبو إليها كل حر غيور على هذا البلد من حرية وكرامة وعدالة وإنصاف وتقدم، واختيار حر للحاكمين وربط المسؤولية بالمحاسبة والفصل بين الإمارة والتجارة، وحق الأمة في عزل الحاكم المستهتر بقيمها والخائن لأماناتها..

لوحظ أن الانتصار للعقد الاجتماعي والسياسي بدا واضحا من خلال مشاركة القطاع النقابي للجماعة في الإضراب العام لـ29 أكتوبر الفائت ضدا على إخوانكم الإيديولوجيين في العدالة والتنمية؟

لا خير في دين يهجر المجتمع ويتركه فريسة يتلاعب بمصالحه المفسدون الناهبون أموال وخيرات الأمة بجشع وتهريب وترف وتبذير غير مسبوق. ما جاء الإسلام ليقر ظلم ظالم أو فسق فاسق أو فجور فاجر، أو يزين فعله ليتخذ إلاها يعبد من دون الله. لهذا فإنه من لم يفهم ويستوعب ويتمثل ويتشرب معاني الإسلام الجامعة والقاصدة والمتكاملة بقوة إيمان وعلم وبقوة يقين وإرادة لا يستطيع أن يجمع بين تبتل الليل وخشوع الصلوات وبين سبح النهار وخدمة الصالح العام للأمة. وهذا بالضبط ما أسس له وسعى لإنجازه على الأرض الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وخط له منهاجا أساسه التربية ومن مجالاته الاهتمام والانخراط في الشأن العام وفي كل الشؤون المصيرية للأمة.

وأخوة الإسلام تجمعنا مع أبناء هذا الشعب جميعا لنتعاون على البر والتقوى سواء كانوا أفرادا أو هيآت أو فئات متعددة من هذا الشعب الكريم. بل تجمعنا أخوة الإنسانية لنتعاون مع كل حر شريف منصف قصد تحقيق الخير لكل جهات المعمور.

في ندوة الذكرى الثانية، تم التأكيد من خلال المتدخلين المحسوبين على الجماعة أن الميثاق يكون بعد مرحلة انتقالية، إن كان الأمر كذلك فما معنى التأكيد على ميثاق مع الفرقاء؟

ما نقدمه حول الميثاق اقتراحات الغرض الأساس الذي تصبو إليه هو التعاون والعمل المشترك بين الأطراف الأساسية في البلد من أجل ترسيخ مجتمع يعتز بهويته وتسوده قيم الحرية والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتجنيب البلد الفتن التي عمل على تغذيتها ويغطيها الآن الاستبداد والفساد نتيجة الظلم الفظيع السائد في بلدنا. فالمطلوب الحوار والتواصل والتعاقد الآن وفي أي مرحلة من مراحل التغيير المحتملة من أجل تحقيق كل الأهداف النبيلة الكبرى التي تشرئب لها أعناق كل الأحرار والشرفاء في هذا البلد.

طيب، هل حقيقة أن الجماعة حريصة على التواصل والتوافق مع الغير الذي يرى عدم المساس كليا بالملكية، هل تستطيع العدل والإحسان أن تتوافق مع هذا الشرط؟

جوهر المشكل هو الظلم والجور المصلت اليوم على رقاب شعبنا بجماهيره ونخبه. إذا كان شكل النظام قرين بالفساد والاستبداد فهذا مشكل لهذا النظام في ذاته وليس مشكلنا نحن المغاربة الطامحين للانعتاق من كل ظلم وهيمنة وقمع. وينبغي لهذا النظام أن يعرب هو عن إمكانياته من أجل المشاركة في ترسيخ تحول حقيقي نحو مجتمع الحرية والكرامة الذي ننشده جميعا. وقائع اليوم لا تشير إلى أي مؤشر في هذا الاتجاه. لهذا ينبغي في تقديرنا أن تتحمل كل الأطراف وبكل شجاعة مسؤولياتها لتتحاور فيما بينها وتعمل على إنضاج صيغ مشتركة من أجل الضغط في اتجاه التحول الحقيقي المنشود.

أسقطت وحشية العديد من الأنظمة وخاصة ليبيا وسوريا، إمكانية التغيير السلمي، وجعلت التغيير من خارج النسق السياسي بثمن جد باهظ، ألا يشكل ذلك ضربة موجعة لنمط التغيير عند الجماعة؟

مناهج التغيير في الأمة اليوم تتركز عموما حول ثلاثة خيارات، التغيير الذاتي للأنظمة أو التغيير عن طريق العنف مع السلطة أو التغيير السلمي الجاد الذي غالبا ما يقوده الشعب أو الفئات الفاعلة وسطه.

التجربة التاريخية والحالية أثبتت أفول الخيار الأول والثاني ونجاعة الخيار الثالث (مع بعض الاستثناءات في الخيار الأول كاليابان مثلا..) ومسار التغيير الحالي في الأمة عرف عدة مزالق وتلاعبات يعلمها الجميع، لكن الزمن الآن زمن مخاض ومرحلة عبور معروفة بالاضطرابات والتقلبات والمؤامرات قبل أن تستقر على النافع الجامع للأمة بجهود الأطراف المختلفة الفاعلة داخلها إذا حالفها توفيق الله عز وجل. ونحن مستبشرون بالمستقبل بفضل الله رغم جراحات اليوم.