مدخـل

في شهر يونيو من سنة 2014 صدر عن دار أفريقيا الشرق كتاب “سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين” للباحث المغربي إدريس مقبول، وقد جاء في 240 صفحة من الحجم المتوسط، وهو متفرع إلى تسعة فصول جاءت عناوينها كالتالي: ياسين مفكرا، سؤال المعنى، المنهاج النبوي، فلسفة المعرفة، فلسفة الإنسان، فلسفة التاريخ، فلسفة الحمال، تأصيل وتجديد، غزارة فكرية وعمق روحي.

وقد استُقبل الكتاب بحفاوة كبيرة في أوساط الباحثين، لأنه المتن الأول ـ حسب علمي ـ الذي يناقش قضايا معرفية عند الأستاذ ياسين بعيدا عن السياسة، فكُتبت حوله مجموعة من المقالات التقديمية والنقدية، وأجريت حوارات صحفية مع كاتبه، وهذا يعطي الانطباع بأن أبناء الأستاذ وتلامذته مقصرون أيما تقصير في تقريب نظريته المعرفية إلى المهتمين، وهم يتحملون عبأ كبيرا في العمل على إظهار ما تتميز به من عمق وأصالة وتجديد.

في الجزء الأول من قراءتنا للكتاب، والذي نعتبره مجرد مدخل بين يدي القراءة النقدية لقضايا الكتاب المعرفية وإشكالاته الفلسفية، فإننا سنركز على العناوين التالية:

ـ الغلاف: بين عبد السلام ياسين و كازيمير ماليفيتش

ـ إهداء على شكل مقولة معرفية

ـ تقديم مراد هوفمان

ـ في المصادر

ـ “هذا الكتاب”… قضية الكتاب وأفقه

ـ شيء من المنهج: مغامرة بين مسالك “العقل والعاطفة”

ـ في العنوان

ـ قادم اسمه إدريس مقبول

ولا أخفي القارئ بأنني أثناء إعدادي لهذا المدخل كانت ظلال “أريك بينتلي” تحوم حولي؛ خوفا من السقوط في نفس التَّبجُّحات التي سجلها على الناقد الذي يقف حائرا أمام “المسرحية المطبوعة” لأنها تشكل تحديا كبيرا له؛ فهي تَكفُّه عن أن يتشدق بإظهار معلوماته الفضولية عادة عن الممثلين ومهندسي الكهرباء ومصممي المشاهد والمديرين والمخرجين والمشرفين على حركة بيع التذاكر)!!

الغلاف: بين عبد السلام ياسين وكازيمير ماليفيتش

لا يمكن للإنسان أن “يفهم في كل شيء”، ولا ينبغي له أن يدعي ذلك، ولكني لم أستوعب مطلقا سبب وجود صورة تركيبية للأستاذ ياسين مع تفصيل من لوحة للتشكيلي الروسي كازيمير ماليفيتش (1879 ـ 1935م) على غلاف الكتاب، نعم أنا لا أنكر أن هناك مشترك بين الرجلين؛ فكل واحد منهما يُعد بحق مجتهدا في ميدانه إن لم نقل مجددا، وكل واحد منهما أيضا يقف شامخا على رأس مدرسة فكرية تربوية أو تشكيلية متميزة، لكن المختلف بينهما ـ حسب فهمي دائما ـ من العمق ما يمتنع معه الجمع بينهما في تركيب واحد.

يعتبر ماليفيتش مؤسس حركة “السوبرماتزم” أو ما يترجم بـ”التفـوقية”، وأحد أعلام الفن التجريدي الهندسي اللاموضوعي، وأهم فناني البنائية الروسية. وتتميز لوحاته بتشكيلاتها الهندسية فائقة البساطة، ولكن في نفس الوقت فائقة التعقيد: مربع أو مربعات، أو مستطيلات، مع بعض الخطوط المنحنية، واشتهر بلوحته الذائعة الصيت “المربع الأسود” التي يصل فيها إلى أبعد حدود التجريد.

أما عبد السلام ياسين فما أنا متأكد منه أنه ليس ضد البساطة في الفن، بل هو من الداعين لها، ومن ثم هو ضد التعقيد الذي يتدثر بدثار البساطة، والذي يصل في الكثير من الأعمال الفنية والأدبية إلى درجة الإبهام، الذي يجعل المتلقي عاجزا عن الإمساك بطرف خيط الفهم، فانظر إليه مثلا وهو يؤكد في مقدمة ديوانه المنظومة الوعظية) على أن لا طاقة للأديب الإسلامي على منازلة الدوابية وفنونها (…) إن لم يصمد الأدب الإسلامي (أي يقصد) إلى المعنى وخبر الموت ونبإ الآخرة يبلغ الإنسان ببلاغ القرآن ولغة القرآن وبيان النبوة بشارة أن الإنسان مخلوق لغاية، ميت غدا مبعوث محاسب مجازى في يوم لا ريب فيه) (ص 11). وانظر إلى دعوته إلى ضرورة أن يكون الأدب الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة، لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك) (ص 15).

ولكن هل هذا يعني أنه مع البساطة في الفكر؟ كلا؛ بل هو من أكبر محاربي التسطيح والتجزيء، ومن أكبر دعاة بناء إنسان مركب و فكر مركب.

إهداء على شكل مقولة معرفية

1.

إذا تجاوزنا ـ مؤقتا ـ العنوان، على اعتبار أنه في أحايين كثيرة يمارس نوعا من الإغواء الكاذب، ويجعل القارئ ـ بعد رحلة فكرية قد تطول وقد تقصر ـ يستفيق على صدمة الاكتشاف بأنه قد خُدع وغُرر به؛ لأن اختيار العنوان أصبح صناعة وحرفة وفن. قلت: إذا تجاوزناه فإن الصفحة الأولى، بل قل السطر الأول، كاف لجعلك ـ إن كنت عشّاقا ـ تنتبه وتعدّل من جلستك لأنك تحس أنك أمام تجربة ستهيج ذهنك، وستخُظّك لا محالة.

ما مناسبة هذه “المدحية”؟

قليلة هي “إهداءات” الكتب التي تثير القارئ العادي، فأولى الأكاديمي، وإن حصل لها الشَّرف وفعلت، فلجمالية لغتها، وتناسق أسلوبها، أما أن يُبحث عن خيط من خيوط المعرفة فيها فهذا ـ لعمري ـ أندر من الندرة، وأعز من أن تطلب.

يهدي الأستاذ إدريس مقبول كتابه إلى الذين آمنوا بأن طريق المعرفة هو نفسه طريق المحبة)، وأكاد أجزم بأن هذا المتن: موضوعا ومنهجا يتلخص في هذا الجزء من الإهداء الذي أرتقي به ـ وبدون أدنى مبالغة ـ إلى مستوى “المقولة”، إلى درجة أني أدعي أنه لن يتسنى لنا إدراك قصد الكاتب من كتابه ومراده من وضعه ما لم نضع الأصبع بدقة متناهية على المعاني التي يشحن بها كل من مفهومي “المعرفة” و”المحبة”، وكذا على نوع العلاقة التي يقيمها بينهما.

2.

يذكرني محتوى هذا الإهداء بمقولة للأديب الروسي الشهير أنطوان تشيخوف يقول فيها إن كان في وسعك أن تحب، ففي وسعك أن تفعل أي شيء). ومن ضمن ما في الوسع فعله، بل على رأسه، أن يدفعك الحب إلى التهمم بـسؤال المعنى).

في نص جميل يربط الحافظ ابن رجب ربطا متينا بين المعرفة والمحبة والعمل بما يوضح أن هذه الثلاثية هي الكفيلة وحدها لمنح إجابة واضحة عن سؤال المعنى)، وذلك عندما يقول: لا قوت للقلب والروح، ولا غذاء لهما سوى معرفة الله تعالى، ومعرفة عظمته وجلاله وكبريائه. فيترتب على هذه المعرفة: خشيته، وتعظيمه، وإجلاله، والأنس به، والمحبة له، والشوق إلى لقائه، والرضا بقضائه).

وفي هذا يقول بعض المربين: من عرف الله أحبه)، وعلى هذا الأساس فإن المعول في محبة الله هو على معرفته. وطبعا المعرفة غير العلم.

إن النظر في تراث الباحثين عن الحقيقة ومقولاتهم تمكننا من إجمال الطرق التي يُتوصَّل بها إلى المعرفة الحقة؛ وهي عندنا معرفة الله تعالى المفضية إلى المحبة والعمل، في ثلاث: طريق الفطرة؛ لأن الصنعة ـ كما يقال ـ تدل على الصانع. وهذا ما نجده في قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ. والطريق النظري؛ وهو التعرف على الله تعالى بالبرهان العقلي. وطريق ما يسمى بالإشراق، ويحصل عندما يتم تخليص النفس من الشوائب فتنعكس في القلب معرفة الله بدون استعمال النظر.

تقديم مراد هوفمان

بعد الإهداء والشكر يُلاقينا تقديم قصير يتألف من صفحة ونصف الصفحة للدكتور مراد هوفمان (ألماني مسلم، وسفير سابق في الجزائر والمغرب، اعتنق الإسلام سنة 1980، صاحب كتاب “الإسلام كبديل”)، وسيُعتقد بادئ الأمر وكأن مرادا أراد فقط أن يجامل صاحب الكتاب، كما يفعل بعضهم حينما يكون المطلوب فقط حضور اسمه اللَّمّاع على واجهة الكتاب.

لكن هوفمان ـ كعادته ـ يحترم نفسه ويقدر قارئه، من أجل ذلك جاء تقديمه مفيدا وممتعا رغم إيجازه؛ فقد عودنا في جل كتاباته على ذلك؛ فهو من المسلمين الأوربيين الذين أوصلهم بحثهم في نهاية المطاف إلى طرف حبل الحقيقة المتين، وإن كان أقل عمقا من آخرين كمحمد أسد و غارودي، فإن له سؤالا وحضورا.

يشير هوفمان في عجالة إلى ثلاث مسائل معرفية تستحق منا وقفة قصيرة:

ـ يؤكد في الأولى على أن البحث عن معنى الإنسان وفي فلسفته، وفي علاقة الإنسان بالتاريخ وبالفن والجمال هي أهم القضايا التي شغلت الفكر البشري بأسئلتها على مر العصور).

ـ وينبه في الثانية إلى أن هناك كثير من المعلومات اليوم والقليل من الحكمة، هناك كثير من وسائل الرفاهية ولكن هناك قليل من السعادة، الإنسان بدأ يعرف الكثير عن العالم ولكنه يعرف قليلا عن نفسه).

ـ أما في الثالثة ـ وهي أهم هذه المسائل ـ فيريد من خلالها أن يوضح أن سؤال المعنى يدفع إلى اعتقاد ديني أو على الأقل تبني فلسفة ما للمعرفة).

في المصادر

أثناء اشتغاله على سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين اتكأ الأستاذ مقبول بالأساس على العُدَّة المنهجية التي أنتجها المفكران المبدعان طه عبد الرحمن وعبد الوهاب المسيري اللذان يجمعهما بالأستاذ ياسين الانتماء الواسع للمدرسة التي تبشر بنهاية التسيد العلماني المادي وتدعو لسعة “الائتمانية”.

فالأستاذ مقبول يستدعي بشكل واع، بل قل يطوع ترسانتيهما المنهجية والمفاهيمية بشكل سلس وبلغة أنيقة ليكشف عن المحاور والمسالك التي اتبعها الأستاذ ياسين أثناء بحثه المضني عن المعنى من الوجود ومن الفعل ومن رد الفعل والموقف، والمعنى من السكون والحركة، ومن كل ما يحيط بالكائن الإنساني، ومن كل ما يصدر عنه ويرتد إليه، المعنى في الصعود والهبوط، المعنى في الحياة والموت) (ص 23)، أما ما عاداهما من المفكرين والمدارس الفكرية الأخرى فقد استأنس بهما فقط، باستثناء قامتين علميتين شامختين، نضيفهما بارتياح كبير، صاحبت ظلالُهما المؤلفَ طول بحثه، وإن حاول إخفاء أثرهما، وهما: أبو حامد الغزالي ومحمد إقبال.

لكن، وكما سبق لي وأن صرّحت بذلك سابقا في مقال إلى الذين لم يقرؤوا بعد “الإسلام بين الشرق والغرب”)، فإن خسارة الكتاب الكبرى ـ إذا جاز الوصف ـ هو عدم استثمار ما وصل إليه البحث الـ”بيجوفيتشـ”ــي في موضوع “المعنى”؛ فحقيقة، لا يمكن تجاوز “عليّ عزت” مطلقا في القضايا التي طرحها الكتاب موضوع قراءتنا، لأن طروحاته متقدمة جدة إلى حدِّ “الإعجاز”!

ثم هناك خسارة من نوع آخر والمتمثلة أساسا في عدم الاشتباك مع بعض المفكرين والفلاسفة والأدباء وعلماء النفس الذين عالجوا ـ بشكل أو بآخر ـ بعض قضايا “سؤال المعنى”، كباسكال وكيركيغارد وألبير كامو وفيكتور فرانكل.

“هذا الكتاب”… قضية الكتاب وأفقه

عادة ما يوضع نص في الغلاف الخلفي للكتاب تكون مهمته الرئيسية هي التحالف مع العنوان للتغرير بالقارئ ودفعه لاقتناء الكتاب وامتلاكه، فلا يمكن إنكار أن المؤلف ودار النشر يهتمان بهذا الأمر أيما اهتمام، وإلاّ لِمَ يعرضُ الكتابُ في أروقة المكتبات، لكني (ولأنه سبق وأن أَغْوَتني كتب إما بسبب اسم الكاتب أو العنوان أو نص “هذا الكتاب” في بداية تعاملي مع عالم الكتب إلى حد أنني مزقت كتبا بعد اكتشافي ذلك) أشهد أن إدريس مقبول أو الناشر أو أيّا من كتب النص الموجود على الغلاف الخلفي (وإن كنت متيقنا بأن إدريس هو من صاغها انطلاقا من مؤشر دال على ذلك؛ وهو كلمة “تتشابك”، فهو مغرم كثيرا باستعمالها!)، كان بعيدا كل البعد عن هذا الهاجس؛ فالنص كان موفقا إلى حد بعيد في التعريف بقضية الكتاب وأفقه، وكان يلزم أن يكون في بداية الكتاب لولا أن تقديم “هوفمان” قام ـ بطريقته ـ بهذا الدور.

أقرأ لكم جزءا من هذا النص الذي يشير إلى أن الكتاب جاء ليبحث مسألة من طبيعة فلسفية غاية في الأهمية في عصرنا الحاضر خصوصا، وهي “سؤال المعنى” في الحياة والفكر والمواقف والرؤى… أين يكمن المعنى؟ وأي دور للتجربة الدينية في السمو بـ”المعنى”؟ وما أهميته في الحفاظ على إنسانيتنا من التلاشي والتحلل؟ وكيف نحافظ على المعنى لنبقى وتبقى القيمة من وراء وجودنا؟ وما دور ظواهر كالاستبداد والاستغراق المادي والتجزيئية وانفصال العلم عن القيمة حين تتشابك في تعطيل “المعنى” وإقصائه، كل هذا وغيره من الأسئلة التي أثارها الكتاب تبرز لنا وجها آخر من وجوه الشيخ عبد السلام ياسين “المفكر” و”الفيلسوف”.)من هو الإنسان؟ ولماذا هو هنا؟ وأي وظيفة له في هذه الحياة؟).

شيء من المنهج: مغامرة بين مسالك “العقل والعاطفة”

يعترف الأستاذ مقبول ـ وفي نفس الوقت يفتخر ـ بأن كتابه ما هو إلا “مغامرة” محفوفة بالمخاطر، على اعتبار أنه لا يستطيع في مكتوبه أن يستوعب فكرا يتحرك في اتجاهات معرفية متعددة وسرعات قياسية) (ص 13)، وهذا الاعتراف يمنحنا طرف الخيط لنفهم أنه لا يهتم كثيرا بالإشكالية المتوهمة التي تسمى بـ”الذاتي والموضوعي”؛ فهو ينطلق منذ البداية وهو مقتنع أيما اقتناع بأن صاحب الفكر الذي سيشرَحه هو أحد رجالات الأمة العظام، ومن أبرز مفكريها وعقولها الملتزمة بقضية الإنسان وصلاح أوضاع البشرية وحاجة الإنسانية في كل زمان ومكان للإيمان) (ص 13).

السؤال المهم هنا هو: هل هذه نتيجة استخلصها الباحث من طول مصاحبته لكتابات الأستاذ ياسين وفكره وضعها في المقدمة ـ وكما هو معلوم فإنها آخر ما يخطه المؤلف ـ أم هي “عقيدة” منغرسة في قلبه وعقله، انطلقت معه ورافقته طول بحثه عن سؤال المعنى في فكر الأستاذ ياسين؟

حسب الخلاصة التي استخلصتها من الكتاب، وحسب معرفتي بكتابات الأستاذ مقبول السابقة فإن الأمر لا يتعلق مطلقا بخلاصة سبقتها دعاوى ومقدمات وأسئلة، بل أساسا نابعة من اشتغاله من داخل نفس بنية المُفكِّر الذي يشتغل على “نظريته”. وهذا ما عبَّر عنه أحد الأصدقاء بقوله: إنها “مسلَّمة تلميذ نجيب جاثٍ في حضرة أستاذه وشيخه”.

ترى هل هذا يشين البحث العلمي، ويضر الباحث في بحثه؟

كلا، فثنائية “العقل والعاطفة” لا يمكن مطلقا إلغاؤها، وحتى وإن أراد الباحث أن يتمترس خلف دعاوى العقلانية وأحكامها فإن “اللغة” وسياقاتها تفضحه تماما كما تفضح عيون المحبِّ المحبَّ.

في العنوان

الآن، وبعد هذه الجولة في مداخل الكتاب، هل مازال عندنا شك في صدقية العنوان؟

الآن، والآن فقط، يحق لي أن أبدي ملاحظ واحدة ووحيدة عليه؛ ذلك أن “سؤال المعنى” هو مؤشر قوي يبرز أن الكاتب في خصومة عميقة مع الفلسفة الحديثة التي تجعل من “سؤال المعرفة” أسبق وأهم من “سؤال الوجود”. فالقضية إذن ليست في كوني “موجود لأني أفكر” بل لأني أبحث عن معناي ومعنى وجودي وما يستتبع ذلك من عمل. فالمشكلة البشرية اليوم هي ليست مشكلة معرفة فحسب، بل مشكلة مصير) كما يقول أدغار موران في “النهج: إنسانية البشرية”.

قادم اسمه إدريس مقبول

عندما اقتربت من إنهاء هذا المقال ارتأيت أن أتواصل مع الكاتب عبر بريده الإلكتروني رغبة في إمدادي بسيرته العلمية كي أستغلها أثناء تقديمي للكتاب، ولقد فعل مشكورا، ولكنه ذيلها باقتراح متواضع مفاده أن لا داعي للإشارة إلى ذلك، والاكتفاء فقط بالقراءة المعرفية)، وبعد الاطلاع عليها أرسلت له الكلمة التالية:

الأستاذ العزيز إدريس مقبول. اطلعت على موجز سيرتك العلمية الثرية، وقد ازددت تقديرا لك واحتراما، وبذلك تكون قد أدت وظيفة مهمة، حتى ولو لم أوظفها أثناء قراءتي لكتابك كما قدَّرتَ. لا يسعني إلا أن أعبر لك بأنني أحس الآن بضرورة الرفع أكثر من منسوب العمق والأصالة في قراءتي المنتظرة. لنقل إذن بأن الأمر أصبح تحديا شخصيا…! لأني حقيقة وصدقا أعشق أن أجرب مطاولة الكبار الذين ـ بدون أدنى شك ـ ستكون أحدهم في المستقبل إن وُفقتَ إلى السير على هذا النهج ونفس الدرب).

هل هذه مبالغة؟

كلا، فمن اطلع على سيرته العلمية ـ مثلي ـ سيغزوه لا محالة هذا الانطباع الأولي الذي يبشر بقدوم مفكر واعد… إنه مجدٌّ وكفى!