قبل البدء

مصطلحات ثلاثة تشكل لبنات بناء هذا الموضوع: “تعليم”، “تحرير”، “تغيير”، العلاقات بينها من التداخل والتشابك والتلازم والتمازج بحيث لا يملك الباحث الحصيف في تراث الأستاذ عبد السلام ياسين إلا أن يصوغ منها معادلات في غاية الدقة والحكمة والوضوح والتماسك والمنطقية، ذلك أن لا حديث في مشروع الرجل عن تعليم في غياب التحرير والتغيير، كما أنه لا وجود للتحرير في غياب التعليم والتغيير، وتبعا لذلك فإنه يستحيل الحديث عن التغيير إلا بحضور التعليم والتحرير معا.

قبل تفصيل القول في بنود وحدود كل معادلة من هذه المعادلات الثلاث، يجدر بنا التساؤل: ما الرؤية المنهاجية المؤطرة للموضوع ككل؟ ما المقصود بكل مصطلح من المصطلحات الثلاثة؟ ما مقتضيات ومستلزمات وضوابط كل معادلة؟

أولا: إضاءتان

إضاءة أولى: الرؤية المنهاجية المؤطرة

تعد خاصية “المستقبلية” واحدة من أهم الخصائص المميزة لنظرية المنهاج النبوي التي يقترحها الأستاذ ياسين على المسلمين سبيلا للخلاص من واقع الذيلية والغثائية، ذلك أن المنهاج النبوي منهاج يرسم معالم المستقبل، ويحدد الصوى لتجديد الدين وتربية جند الله تربية ربانية نبوية تتحدى العقبات وتتجاوز الصعاب، لتغيير ما بالأنفس والعالمين من فتنة وجاهلية، استعدادا لجهاد شامل) 1 ، وهذا يعني أن المنهاج فكر مستقبلي لأنه يفتح آفاقا تجعل صاحبه يتجاوز اللحظة الآنية بكل أورامها وآلامها وعفوناتها وأوجاعها، ليستشرف لحظة مستقبلية مشرقة يقترحها هو على التاريخ، وهذا ما يجعل النظرة إلى الإسلام لا تقتصر على الحنين إلى الماضي أو القعود مع الأحلام ولكنها إعداد للمستقبل، مستقبل الخلافة الثانية على منهاج النبوة، هكذا تتجاوز قراءة التاريخ الإسلامي في التصور المنهاجي مشاعر الحنين الآسر، وعواطف الأسى والحسرة، وتتخطى حدود اليأس والإحباط، لتبلور انطلاقا من الإدراك الواعي لذلك الماضي/النموذج، وانطلاقا من وحي يدعو للتفاؤل والاستبشار بمستقبل الأمة، بشكل لا يتعالى عن الواقع، ولا يغض الطرف عن أزماته وحسراته، ولا ينكر بأن تغييره يستدعي جهدا جهيدا، ونَفَسًا طويلا يتقاطع في بوتقته الارتباط المتين بالله، والثقة الراسخة في وعده، والعمل الدؤوب المتواصل، ويتمازج فيه السعي لتحقيق الخلاص الفردي بالسعي لتحقيق الخلاص الجماعي.

إضاءة ثانية: دلالات المصطلحات المفاتيح

ليس من قبيل الصدفة أن تكون الكلمات المفاتيح الخاصة بالموضوع قيد المناقشة على صيغة صرفية واحدة، يتعلق الأمر بالمصادر الثلاثة الآتية: “تغيير”/”تعليم”/”تحرير”، فكلها على وزن “تفعيل” المشتق من الفعل الثلاثي المضعف العين “فَعَّلَ”: “غَيَّرَ – تَغْييرٌ” / “عّلَّمَ – تَعْلِيمٌ” / “حَرَّرَ – تَحْرِيرٌ”، فصيغة “فَعَّلَ” من الفعل الثلاثي المزيد بالتضعيف، وتفيد الزيادة في مثل هذه الحالة معنى “التعدية” كما يقول علماء الصرف، وهذا يعني أن ثمة مفعول به يتعدى إليه هذا الفعل ليدل على شيء وقع عليه فعلُ الفاعل، إثباتا أو نفيا) 2 ، وإذا كان الفعل المتعدي في الاصطلاح النحوي هو ما يتعدى أَثَرُهُ فَاعلَه، ويتجاوزه إلى المفعول به، وهو يحتاج إلى فاعل يفعله ومفعول به يقع عليه -ويسمى أيضا: “الفعل الواقع” لوقوعه على المفعول به، و”الفعل المجاوز” لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به) 3 – فإن ما يثير الانتباه في هذا السياق هو أن المفعول به يشكل أيضا قاسما مشتركا بين هذه الأفعال الثلاثة ألا وهو “الإنسان”، فهو المعني بالتغيير، وهو ذاته المقصود بالتعليم، وهو عينه المراد بالتحرير، فالأمر إذا يتعلق بتغيير الإنسان لتغيير واقعه، وبتحرير الإنسان، وبتعليم الإنسان. فما المقصود بكل مصطلح من هذه المصطلحات؟

1- مفهوم التغيير

أ- في اللغة

نقرأ في “لسان العرب”: تغير الشيء عن حاله: تحول. وغيَّره: حَوَّلَهُ وبدَّله كأنه جعله غير ما كان. وفي التنزيل العزيز:)ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 4 .

ب- في الاصطلاح المنهاجي

يرتبط “التغيير” في الاصطلاح المنهاجي بعبارة “اقتحام العقبة” التي تملك قدرة آسرة على اختصار النظرية الجهادية التغييرية كلها، يقول الأستاذ المجدد: المنهاج النبوي أجملناه في هذه العبارة «اقتحام العقبة إلى اللّه عز وجل»، فأول ما نفهمه من العبارة تحرك سالك إلى مسلوك إليه، صعدا وارتقاء. تقرب العبد إلى ربه. فكل ما يصرف العبد عن هذه الوجهة، أو يعرقل هذه الحركة، أو ينسيها أثناء السير، أو يذيبها في الانتشار الفكري والشغل الجماعي، خطر يهدد عملنا بالسطحية، ثم بالغفلة، ثم بالانحراف) 5 ، وهدف “التغيير” في هذا المشروع هو محاصرة الباطل المنكر وتقويض حصونه، ثم لبناء صرح الحق لبنة لبنة بجهاد لا يكل لن نشم لها رائحة إلا بروح الإيمان ودعاء أهل الإيمان) 6 .

2 – مفهوم التعليم

أ- في اللغة

نقرأ في “لسان العرب”: العلم: نقيض الجهل، عَلِمَ عِلْمًا وعَلُمَ هو نفسه، ورجل عالم وعليم من قوم عُلماء فيهما جميعا … وعَلَّمَهُ العِلْمَ وأَعْلَمَهُ إياه فَتَعَلَّمَهُ، وفرق سيبويه بينهما فقال: عَلِمْتُ كأذِنت، وأعلمتُ كآذنت، وعَلَّمته الشيء فَتَعَلَّمَ، وليس التشديد هنا للتكثير) 7 .

ب- في الاصطلاح المنهاجي

يصنف الأستاذ ياسين “التعليم” في الخانة الثالثة من أبواب خصلة الجهاد بعد جهاد النفس وجهاد المال، ويؤكد في هذا السياق أن طليعة الأمة -جند الله المجاهدون- هم معلمو الأمة غد النصر إن شاء الله. هم المبعوثون ليعلموا كما بعث رسول الله معلما. هو بعث برسالة وهم ورثتها القائمون عليها، وبعثهم ميراث من ميراثه) 8 .

3- مفهوم التحرير

أ- في اللغة

يذهب صاحب “لسان العرب” إلى أن: الْحُرُّ، بالضم نقيض العبد، والجمع أَحْرَارٌ وحِرَارٌ … وحَرَّرَهُ: أعتقه … وتَحْرِيرُ الولد: أن يفرده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد. وقوله تعالى:)إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني، قال الزجاج: هذا قول امرأة عمران ومعناه جعلته خادما يخدم في متعبَّداتك…) 9 .

ب- في الاصطلاح المنهاجي

يرتبط مفهوم “التحرير” في الاصطلاح المنهاجي بتحرير الفرد من إسار عقبات ثلاث الذهنية الرعوية والأنانية المستعلية والعادة الجارفة 10 من جهة، وبتحرير الأمة من واقع الغثائية بكل صورها المقيتة: فتنة، تبعية، تجزئة وتشرذم، إباحية أخلاقية ومسخ ثقافي. والرهان الكامل على “المنهاج النبوي” لتحقيق الخلاصين معا، فنحن نبحث عن المنهاج النبوي المتصل سندا علما وعملا، تربية وتوفيقا، نبحث عن المنهاج النبوي الكفيل بالفتحين، فتح بصيرة المؤمن السالك، وفتح النصر. سلوكان متلازمان كما كان سلوك الصحابة الأبرار) 11 .

ثانيا: لعبة المعادلات ومشروع الخلاص

يتعلق الأمر بمعادلة رئيسة/أم تتفرع عنها معادلتان اثنتان، وتتمثل الأولى في الصيغة الآتية: [التغيير = التعليم + التحرير]، أما المعادلتان المتولدتان عنها، والمستلزمتان لها تباعا فيتمثلان في الصيغتين الآتيتين: [التعليم = التحرير + التغيير]، و[التحرير = التعليم + التغيير]. ونفصل القول في كل منها كما يلي:

أ – المعادلة الرئيسة/الأم: [التغيير = التعليم + التحرير]

يقف المطلع على مؤلفات الإمام على حقيقة مفادها أنه بوأ “التعليم” مكانة سامقة متميزة في مشروعه التغييري، ولا غرابة في ذلك لأن موضوع اشتغال التعليم هو الإنسان أس التغيير وأداته ووسيلته وهدفه وغايته في الوقت نفسه. فما هي ملامح المشروع التعليمي الذي يقترحه الأستاذ من أجل التغيير؟ وما هي آليات التغيير المنشود وفق قاطرة التعليم؟ وما مدى صحة المعادلة التي مفادها أن التغيير يساوي التحرير والتعليم معا؟

إن التغيير المنشود في المشروع المنهاجي، هو الذي يتفاعل في فضائه التحرير والتعليم معا، ولنبدأ بشرط التحرير أولا، ليتبين لنا أن هذه الصيغة المصدرية للفعل تختزن صيغتين اشتقاقيتين اثنتين: اسم المفعول واسم الفاعل، فوجب أن يكون هذا التعليم مُحَرَّرًا أولا قبل أن يصبح مُحَرِّرًا، يجب أن يُحَرَّرَ:

– من قبضة الاستبداد المتحكمة في أعناق العباد وأرزاقهم، والمصرة على ربط القرار التعليمي/التربوي بالقرار السياسي.

– من ربقة التبعية وأصفاد وإملاءات البنك الدولي. ومن الدوران في فلك الاستكبار العالمي الذي لا يعترف إلا بمنطق الربح، ولا يؤمن إلا بمنطق المصلحة الذي يبيح له البحث المستمر عن مناطق نفوذ جديدة باستمرار.

– من أيدي الطغمة الفرنكفونية اللائيكية الممسكة بالمقود، والتي تعد أصدق ممثل للغرب الجشع النهم في بلادنا، وأكبر مدافع عن مصالحه، وأقوى مروج للهزيمة النفسية في صفوف الأجيال.

وعندما يتحرر من هذه الأغلال، يستطيع حينئذ تحرير أجيال الأمة:

– من ينابيع التغريب وسراب التعريب: فقد كان التعريب شعارا وطنيا ما لبث أن تحول إلى سراب، وما لبثت الوطنية تمتسخ وقد غمروا منها نبع الإيمان، فانبجست ينابيع التغريب من هنا وهناك..) 12 .

– من هيمنة ثقافة اقتصاد السوق الذي تحولت في ظله المدرسة المغربية من فضاء للتربية وتعلم المعارف والمهارات والتنشئة على القيم الأخلاقية الفاضلة، إلى فضاء لـتسابق مجنون في حلبة سباق دنيوي لا تنتهي إلى نهاية، وهجوم عنيف على القيم الأخلاقية يقوده الرأسمال العالمي معززا بالمؤسسات المالية العالمية، مؤزرا بالاتفاقيات الدولية التي تُشَرِّعُ لَهُ وَتُشَرْعِنُ هَيْمَنتَهُ على الأسواق، ويأتي الاتفاق العام حول تجارة الخدمات ليزج بالتعليم في ذلك الخضم المظلم) 13 .

– من داء شلل الإرادة الذي أسلم التعليمَ لمطامح التدخل الخارجي، وحال دون نجاح أي مبادرة وطنية، مادام تيارُ التوصيات الأجنبية يشل كل إرادة للتغيير، وحتى عندما بادرت وزارة التربية الوطنية نفسها إلى فتح باب “الحوار الوطني حول التعليم”، وأحدثت لهذا الشأن “لجنة وطنية” تمثلت فيها الأحزاب والنقابات، باءت جميع جهودها بالفشل بعد التدخل الملكي المباشر) 14 .

– من التسيب الفكري العقدي الأخلاقي إلى الالتزام بالكلمة الحق، والرسالة الصدق، يحملونها في أمتهم وفي العالمين نبراسا في مدلهمات الدخان الجاهلي الجالب بخيله ورَجله) 15 .

– من الأميات المختلفة والمتنوعة: أمية تاريخية، أمية فقهية، أمية تقنية …

– من هجرة أدمغة الأمة (النوابغ والنابغين) إلى الضفة الأخرى …

– من النظر إليه على أنه حرفة يؤجر عليها من صندوق الدولة، إلى كونه قبل كل شيء بذلا وتطوعا ومسارعة إلى الخيرات كما كان في سالف الأيام.

وعندما يتحقق شرط التحرير، يحق الحديث حينئذ عن التغيير، ويؤكد الأستاذ ياسين في هذا السياق أن التعليم يعد بابا من أهم أبواب المواجهة، يقول: وأعظم ميدان للمواجهة ميدان التربية والتعليم، ذلك الميدان الذي فيه يتقرر المستقبل، وعلى نتائج غرسه يتوقف مصير الأمة. الأطفـال والشباب ضحايا في يد المثقفين المغربين المعادين للدين، ما مثلُ المثقفين العـائدين من يستنقذهم من الأيدي القذرة) 16 ، كما يجعله في صدارة الآليات التي يراهن عليها لصنع التغيير المنشود، يقول: وللتعليم مكان الصدارة في أولويات البناء بما هو التعليم، ومعاهد التعليم، ومدارسه الابتدائية والثانوية والجامعات، ومحاضن الصغار أمكنة للتربية والتأثير. وبما هو النظام التعليمي والإعلامي شبكة محيطة بوقت الناشئة مستولية على حياتها الفكرية والنفسية) 17 ، ويؤكد في هذا السياق أيضا أن نظام التربية والتعليم هو العَمود الفِقَري للدولة. وإعادة ترتيب هذا الجهاز ضرورة الضرورات في حياة الأمة. يجب إنشاؤه إنشاء جديدا، وصياغة قنواته، وسد منابع الفساد المُخَلَّفَةِ فيه لإعداد أجيال سليمة العقيدة والفطرة، مسلحة بالمعارف العملية التطبيقية) 18 .

إن الهدف من منظومة التربية والتعليم في التصور المنهاجي هو بناء أجيال حاملة رسالة، تتضلع من علوم القرآن والسنة وأحكام الشريعة على كل المستويات. ثم تستطيع أن تخدُمَ تلك الأهدافَ التي حددها القرآن، وعلمتها السنة، وحددتها أحكام الشريعة، بأحدث خبرة وأعلاها وصل إليها الإنسان) 19 ، هدفها هو إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله. تفتح العقل على علم الشريعة وعلوم الكون وسيلة لمعرفة الواجب الديني والتعامل مع الخلق ومع الأشياء، لكن التعامل مع الخالق، ونيل مواهبه ورضاه، لا يصح إلا بسلوك وتربية ينفتح القلب على إثرهما لمعرفة الله عز وجل…) 20 .

وبناء على ذلك يحدد الأستاذ معالم ومواصفات الشخصية الإسلامية المطلوب من المدرسة الإسلامية المستقبلية صياغتها كما يلي 21 :

1- الشخصية المومنة بالله واليوم الآخر. المخلصة لله عز وجل، العالية الروحانية.

2- الشخصية الصالحة للاندماج في الجماعة، من حيثُ محبة الله ورسوله المنتجة لمحبة المومنين، ومن حيث الإرادة والقدرة على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ومن حيث المشاركة في الأمر العام، وفي الشورى، والدعوة، والدولة.

3- الشخصية الصادقة الشجاعة في الحق التي يوثق بها.

4- الشخصية الواعية بمسؤوليتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض، المستعدة لبذل الجهد والمال من أجل إقامة العدل في الأرض.

5- الشخصية العالمة بعلم الحق وعلم الكون، القادرة على الاجتهاد في الشريعة، وعلى توطين العلوم الكونية في بلاد الإسلام وتطويرها واستثمارها.

6- الشخصية المتحركة النشيطة الخفيفة إلى كل عمل يرضى عنه الله عز وجل، الممسكة الثقيلة عن محارم الله.

7- الشخصية المتميزة ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، عاطفة وفكرا، مضمونا وأسلوبا، عن الشخصية الجاهلية، وعاداتها، وثقافتها، ومنهاجها.

8- الشخصية الصامدة أمام كل إعصار، المقتحمة لكل العقبات التي لا تعرف الملل، ولا يَفُت في عزمها الكلل.

9- الشخصية المنتجة، المقتصدة، القادرة على إدارة أموال الأمة وخيراتها، وعلى التعامل مع تيارات المصالح العالمية تعاملا يضمن استقلال الأمة في غذائها، وكسائها، ورخائها، وسلاحها.

10- الشخصية المقاتلة المجاهدة في سبيل الله، الحاملة رسالة الله إلى العالمين بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، المدافعة عنها بحد السيف، وقوة الدبابة، ونار الصاروخ إن اقتضى الحال، ووقع على الأمة العدوان.

ب- المعادلة الفرعية 1: [التحرير = التعليم + التغيير]

لن يتحقق التحرير المنشود إلا إذا لعبت آلية التغيير دورها المطلوب في التعليم بحيث يجب أن تحقق في التعليم شروطا نجملها في:

– الشرط الأول: تغيير سياق قضية التربية والتعليم بنقلها من الاحتضان الرسمي إلى الاحتضان الشعبي، مادام الاحتضان الرسمي يسعى جاهدا للحفاظ على الأوضاع المنهارة والمتردية على جميع المستويات كما هي، ومادام ينظر إلى المدرسة باعتبارها أنسب آليات إعادة الإنتاج.

– الشرط الثاني: تغيير المرجعية المسؤولة عن بناء المنظومة من حضن المرجعية اللائكية المتغربة المستلبة إلى حضن المرجعية الإسلامية، لأن الأولى هي المسؤولة عن تفريخ أجيال منفصمة الشخصية، ممسوخة الهوية، مستسلمة تماما للغرب/المتوحش بدعوى العقلانية والحداثة ومواكبة العصر.

– الشرط الثالث: تغيير الجهات المسؤولية عن البث في القضية من القرار السيادي الأحادي الذي لم تنتج مشاريع (إصلاحه) منذ برنامج اللجنة الملكية لإصلاح التعليم 1957 إلى حدود المخطط الاستعجالي 2008 إلا أجيالا وألوانا من الفشل والضياع والتسيب واللامعنى، وإلا مزيدا من الاقتراحات والمواثيق الخادعة المخدوعة، إلى ميثاق مرجعي شامل يتم على مرأى ومسمع وبمشاركة كل الأطراف المعنية الممثلة للشعب، لضمان احترام هوية الشعب، ولتحرير إرادته، ولتأكيد واقع تحرره الحقيقي من أنياب الاستبداد والفساد.

– الشرط الرابع: إن القول بالميثاق المرجعي يستلزم بالضرورة إعادة الثقة في الخبرة الوطنية المحلية بعد استجماعها كلها، وتكليفها بتشخيص دقيق محكم وصادق لمواقع الأمراض في جسد المنظومة ككل، وهو ما سيفضي لاقتراح أدوية مناسبة تجعل الجسد المتهالك يتماثل للشفاء والعافية شيئا فشيئا، وهذا يفرض بالضرورة القطع مع مقولة استيراد الخبير الأجنبي الذي تُحَوِّلُ بَرَامِجُهُ المقترحةُ أجيالَ الأمة إلى فئران تجارب مقابل مبالغ مالية خيالية، والذي كان إلى عهد قريب جدا مستعمرا يطأ أرضنا ويستغل ثرواتنا ويمسخ هويتنا.

ج – المعادلة الفرعية 2: [التعليم = التحرير + التغيير]

نركز الحديث في هذه المعادلة على حقيقة مفادها أن التعليم المنشود في المشروع المنهاجي يستوجب توفر شروط التحرير والتغيير كاملة، وكلا من التحرير والتغيير يبدآن معا من الإنسان/الفرد أولا الذي يجب أن يتحرر من ثقافة اليأس التي يسعى أصحابها جاهدين لإقناع الأجيال بأنه ليس في الإمكان إبداع أفضل مما هو كائن، وأن خضوعنا لجبروت الاستبداد ولأخطبوط التبعية للغرب المفترس الشره قدرنا الذي لا سبيل إلى تغييره، كما ينبغي أن يتحرر من هواه وأنانيته المرضية، ومن ذهنية القطيع، ومن عاداته الموروثة عبر تربية مدجنة وظفت فيها كل أساليب التدجين والتنميط، وبهكذا تحرر يبدأ التغيير الصادق المنبثق من القلب والعقل معا، التغيير الذي تتمثله الذات المؤمنة عندما تنصهر في جماعة مجاهدة ومنظمة شعارها ودثارها صحبة ربانية تبني بتدرج ورفق ورحمة التغيير الجذري العميق الانقلابي بتوبة المومن والمومنة. ينقلبان من الأنانية المرسلة الهائمة، ومن العقلية المنكمشة في سياق ثقافتها أو أميتها، ويتحرران من العادات الممسكة عن الخير، الساكتة عن المنكر لا تنهى عنه، وعن المعروف لا تأمر به، وعن علم الحق لا تتعلمه ولا تعلمه، وعن المعونة لا تبذلها، وعن العمل الصالح لا تتآزر عليه، وعن التميز الذي أمر المومنين أن يتميزوا ليكونوا شامة خلق وسلوك بين الناس، وعن الرفق والتؤدة، وعن الصبر والمصابرة، وعن الجهاد) 22 .

على سبيل الختام

خلاصة القول إن الانهيار الشامل لمنظومة التربية والتعليم هو العنوان الأبرز لحقيقة الانهيار السياسي والاقتصادي والمجتمعي-القيمي الذي تزكم روائحه النتنة الأنوف، وهذا ما يفرض الانخراط في تغيير حقيقي وشامل يضرب الحلول الترقيعية، وخطابات الدعاية والتمويه، وشعارات الزيف والخداع عُرض الحائط.

إن التغيير الذي تنشده نظرية المنهاج النبوي يراهن على تحقق بل على تفاعل وانصهار شرطين رئيسين: التحرير والتعليم، ومعنى ذلك أن تغيير الإنسان رهين بتحرره أولا وبتعليمه ثانيا، ورغم شمولية وجذرية هذا التغيير فإن نقطة الانطلاق تكمن في نفس الإنسان تمثلا لسنة الله التي لا تحابي أحدا: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد/11]، وتغيير ما بالأنفس يقتضي انخراط صاحبها في زمرة التائبين تلك التوبة الانقلابية التي اصطلح الشيخ عبد القادر الجيلاني على تسميتها بالتوبة قلب دولة)، إنها التوبة التي تنقله من معاصي المخالفات واللامبالاة إلى الطاعة والعمل الصالح، تنقله من لعنة الاستخفاف بدين الله والعدوان على دين الله إلى المشاركة المهمومة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف) 23 .


[1] (القرآن الكريم وبناء الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي)، الحسن السلاسي (كتاب أعمال المؤتمر العلمي الدولي الأول في موضوع: “مركزية القرآن الكريم في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين”) ج 1 ، ص: 63.\
[2] (جامع الدروس العربية)، مصطفى غلاييني، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، الطبعة السابعة والعشرون، 1413 ه – 1992 م، ج: 3 – ص: 5.\
[3] (جامع الدروس العربية) ج: 1، ص: 34.\
[4] (لسان العرب)، ابن منظور، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1410 هـ – 1990 م، ج:5 – ص:40 – مادة “غير”.\
[5] (مقدمات في المنهاج)، الطبعة الأولى، 1409 ه – 1989 م، ص: 50 – 51.\
[6] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين)، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى، 1994، ص: 97.\
[7] (لسان العرب) 12، 416 – 417 – مادة “علم”.\
[8] (المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا)، عبد السلام ياسين، الطبعة الرابعة، 1422هــ – 2001م، ص: 355.\
[9] (لسان العرب) 4، 181 – مادة “حرر”.\
[10] (المنهاج النبوي) 23.\
[11] (المنهاج النبوي) 336.\
[12] (تحرير التعليم)، محمد ياسين العشاب، الطبعة الأولى، 2008م، ص: 55.\
[13] (تحرير التعليم) 81.\
[14] (تحرير التعليم) 74.\
[15] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 123.\
[16] (العدل الإسلاميون والحكم)، عبد السلام ياسين، الطبعة الأولى، 2000م، ص: 481.\
[17] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 99.\
[18] (العدل) 482.\
[19] (إمامة الأمة)، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1430 – 2009، ص: 183.\
[20] (إمامة الأمة) 151.\
[21] (إمامة الأمة) 178 – 179.\
[22] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 99.\
[23] (حوار مع الفضلاء الديموقراطيين) 100.\