مدخل

من جديد، نعيد قراءة رسائل الإمام، لكن قراءة اليوم ليست هي قراءة الأمس. بالأمس قرأنا رسائل الإمام قراءة الخائف على المرسِل من بطش السلطان، وقراءة المبتدئ للنص غير المستوعب لأبعاد الخطاب والغارق في تفاصيل الأحداث في الميدان دون استشراف غد الإسلام. أما قراءة اليوم، بعد مرور أربعة عقود، فهي قراءة المكتشف لعمق الخطاب ونبل الرسالة وصدق الإمام. دعوة لكل ذي قلب وعقل لسبر أغوار رسائل ومذكرات ومصنفات وإشارات رجل قام لله.

زمن الرسالة

حرص الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله على نشر المنهاج النبوي مجزءا في أربعة أعداد خاصة من مجلة الجماعة: الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر. دعا الله عز وجل متضرعا على أن يتم أمره وألا تصادر المجلة حتى تنشر مضامين المنهاج النبوي كاملة غير منقوصة، التي تحمل مشروع تغيير، يستهدف الإنسان والمجتمع والعالم.

مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري بعث الملك الحسن الثاني برسالة لزعماء ورؤساء الدول العربية يحثهم فيها على فسح المجال لرجال الدعوة الإسلامية. رسالة ملكية فرضت على الإمام ردا، بعد مرور ثمان سنوات على الرسالة الأولى، رسالة النصيحة الشهيرة: الإسلام أو الطوفان).

في فاتح رمضان 1402، صدرت للإمام الرسالة الثانية، رسالة تحت عنوان: رسالة القرن) الملكية في ميزان الإسلام، نشرت في افتتاحية العدد العاشر لمجلة الجماعة 1 . تقع هذه الرسالة في أربع وأربعين صفحة من الحجم المتوسط. كما نشرت الرسالة مستقلة على شكل مطبوع من “مطبوعات مجلة الجماعة”، كتب عنوانها: رسالة القرن) الملكية في ميزان الإسلام، بحروف بارزة وبمداد أحمر. وهو أسلوب اعتمده الإمام رحمه الله في رسائله التاريخية لتنبيه المرسل إليه لمضمون ومغزى الرسالة، نموذج الإسلام أو الطوفان) 2 ، والرسالة الخطية الجوابية) 3 باللغة الفرنسية المرسلة للملك الحسن الثاني عبر مبعوث مخزني يطلب من الإمام بأن يعتذر فيها للملك، والإمام في ضيافة الملك في مستشفى الأمراض العقلية بمراكش.

مناسبة الرسالة

تعتبر “رسالة القرن” رسالة تعقيبية على رسالة صدرت لملك المغرب الحسن الثاني بمناسبة القرن الخامس عشر 4 ، يتحدث فيها عن الإسلام ومستقبله ويحث فيها رؤساء الدول الإسلامية وزعماءها على فسح المجال لرجال الدعوة الإسلامية.

رسالة يضع مرسلها أسئلة الاستفهام على حروفها، ويضع ما وراء حروفها في سياق التطور التاريخي في صالح الإسلام، وفي سباق الاضطهاد الجديد.

سياق الرسالة

جاءت رسالة الحسن الثاني في فترة سياسية عرفت طفرة نوعية في العالم العربي والإسلامي، وهي الفترة التي عرفت نجاح الثورة الإسلامية في إيران. ثورة أسقطت أكبر ديكتاتورية في فارس والتي كان ولاؤها المطلق للغرب وأقامت حواجز لأطماع الشرق في قلب منطقة الشرق الأوسط. هلع حكام العرب من شعار “لا شرقية ولا غربية” بل تخوفوا من تعاطف الشعوب الإسلامية مع المولود الجديد من جهة ومن نمو جسم الحركات الإسلامية التي أصبحت تأخذ موقعها في المربع العربي والإسلامي.

لذا كان لزاما على زعماء ورؤساء الدول العربية والإسلامية أن تطور خطابها السياسي وأساليب تعاملها مع الجنين العربي والمولود الفارسي، حتى لا يشتد عوده وتقوى شوكته وتتسع دائرته.

في هذا الجو العام ظهرت رسالة الملك الحسن الثاني، اعتبرت وثيقة تاريخية وميثاق عمل وخطة دقيقة في مرحلة هامة من مراحل تاريخ الأمة الإسلامية.

ميلاد وملاذ

ولدت الحركات الإسلامية من رحم مجتمع تتلاطمه أمواج الاشتراكية والليبرالية في بحر القومية العربية التي بدأت تفقد بريق شعاراتها المبنية على اللايكية. ميلاد عضوي يتنامى وملاذ حسي يتقوى.

شباب يستشرف مستقبل غد الإسلام ويتطلع لموعود الله الذي وعد به عباده الصالحين. قال الله عز وجل في محكم كتابه: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون 5 .

علماء عاملون وأئمة مرشدون ومنظرون صادقون، قرأوا وعملوا بمقتضيات حديث “تجديد الدين” لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا” 6 .

رجال صدَقوا وصدَّقوا البشارة النبوية، وأسسوا لبنات تجديد دين الأمة قرنا بعد قرن، إلى أن وصلت الكوكبة النورانية لقرننا هذا: القرن الخامس عشر.

ارتكز الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله بدوره، على هذا الحديث النبوي الشريف، وبسط معالم المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا، للاستخلاف في الأرض وإقامة دين الله. فبدأ يعرض تصوره المنهاجي على صفحات مجلة الجماعة الغراء، وظهرت إبان ذلك الرسالة الملكية التي استندت إلى نفس المرتكزات المنهاجية قصد تقويض الاجتهاد في تفسير أبعاد تجديد الدين والالتفاف على “من” يجدد الدين. بذلك وضع الإمام “الرسالة الملكية” في ميزان الإسلام، نصيحة مجددة لصاحبها ثم استنهاضا لقارئها حتى يقوم لله وينتزع حقه المغصوب وحريته المكبوتة، وأن يقف الجميع صفا موحدا في وجه المساومات.

“الرسالة الملكية” في ميزان الإسلام

وضع الإمام في رسالته ثلاث وثائق تحت المجهر، إحداها سرية كشفتها يد المخابرات العربية المتناقضة، والثانية الرسالة الملكية، والثالثة تعليق صحفي غربي على الخطابين الأولين. تغيى الإمام من ذلك ثلاثة أهداف:

الهدف الأول: تسليط الضوء على واقع الاضطهاد في العالم الإسلامي، وربط أحداث القمع بالتدبير والخطة المبيتين.

الهدف الثاني: مساءلة الرسالة الملكية وإقامة الحجة على مضامينها، لما سوف تبديه الأيام.

الهدف الثالث: استدعاء للتحليل السياسي الغربي ليشمل الخطة المدبرة والخطب السياسية بنظرة محايدة.

وبعد،

دأب الإمام على توجيه النصيحة لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم تنفيذا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” 7 . نصيحة الحاكم بالقول اللين والمحكوم المظلوم بأن وعد الله حق: الاستخلاف في الأرض وإقامة دين الله قبل قيام الساعة.

تميزت رسالة الإمام بالقول البليغ امتثالا لقول العزيز الحكيم: وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا 8 ، كما تميزت بقوة الخطاب ووضوح القصد. أربع وأربعون صفحة تبين أبعاد الخطابات الثلاثة، لتختتم بنصيحة لحكام العرب بالابتعاد عن الرجس وبدعوتهم للتوبة، ودعوة المسلمين إلى القومة ونصرة دين الله.


[1] مجلة الجماعة، العدد 10- فاتح رمضان 1402 ه، موافق يوليوز 1982م، من الصفحة3 إلى الصفحة 46.\
[2] رسالة نصيحة مفتوحة لملك المغرب، كتبها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله (1928-2012)، في شهر رجب 1394هـ الموافق لشتنبر 1974م، بمدينة مراكش، وأرسلها إلى الملك الحسن الثاني (1929-1999)، وتتكون في نسختها الأولى من 114 صفحة، وفي طبعتها الثانية سنة 2000 تتكون من 174 صفحة.\
[3] رسالة خطية تقع في أكثر من أربعين صفحة -لم تنشر بعد-، كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين سنة 1975، وهو معتقل في مستشفى الأمراض العقلية بمدينة مراكش.\
[4] انظر نص الرسالة الملكية في الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية http://www.habous.gov.ma\
[5] سورة القصص، الآيات 5-6.\
[6] رواه أبو داود، كتاب: سنن أبي داود – الرقم: 4291.\
[7] رواه أبو داود – كتاب: سنن أبي داود – الرقم: 4944.\
[8] سورة النساء، الآية 63.\