أجرت يومية “أخبار اليوم”، قبل أيام، حوارا مع الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا التي تخص الجماعة بعد مرور سنتين على وفاة الإمام المؤسس عبد السلام ياسين، كما تطرق لجوانب من المشهد السياسي المغربي والواقع العربي، نعيد نشره تعميما للفائدة:

مرت سنتان على وفاة الأستاذ عبد السلام ياسين، ماذا تغير في جماعة العدل والإحسان؟

إن الجماعة دائما في تطور والحمد لله، وأتذكر هنا قولة للإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، كان دائما يرددها: العقل الذي لا يتطور حجر يُتيمم عليه)، وبالتالي فالثابت لدينا هو ما كان من كتاب الله وسنة رسوله من قطعيات لا اجتهاد فيها، وهذا لا يمكننا أن نحيد عنه. كما أننا نردد دائما لاءات ثلاث وهي لا للعنف، ولا للسرية، ولا للارتباط بالخارج)، بالإضافة إلى أن مواقفنا الثابتة ضد الاستبداد والفساد وضد الظلم وضد الطغيان لم، ولن تتغير. أما فيما يتعلق بأساليب العمل والوسائل والطرق، فهذه دائما في تغير مستمر، ولم يسجل على الجماعة شكل معين من التنظيم أكثر من خمس سنوات، لأننا دائما نعيد النظر في أساليبنا وطرقنا، وكل هذا قابل للتغيير.

لكن الجماعة لازالت تُبرر رفضها المشاركة في اللعبة الانتخابية بالمبررات نفسها التي قدمتها حوالي أربعين سنة.

(ضاحكا) وماذا تغير في المغرب حتى نُغير مواقفنا؟ تغيرت الأشكال وبعض المُسميات فقط، وأدخلت بعض التعديلات الطفيفة على الدستور، أما جوهر النظام المخزني القائم على الانفراد بالحكم وإقصاء الشعب وقواه من المشاركة الفعلية الحقيقية، فهذا واقع لم يتغير فيه أي شيء، وإن تغير الواقع، سنبادر إلى المشاركة دون أن يدعونا أحد إلى ذلك. ثم كيف يمكن دعوتنا إلى المشاركة في ظل الواقع الحالي وأيدينا مكبلة ولا حرية لنا؟ كمن كُبّلت يداه وألقي في اليم وقيل له لا تبتل).

إلى متى ستظلون على هذا الحال؟

الجماعة ليست واقفة، بل إنها تتحرك في مختلف المجالات وتتمدد وتتوسع وتبني ذاتها. ونحن ننادي كُل الغيورين في هذا البلد أن نقف وقفة رجل واحد، ضد الظلم، وضد الاستبداد، وضد الطغيان من أجل دولة مبنية على التداول على الحكم واحترام حقوق الإنسان، وعلى الاختيار الشعبي الحقيقي لمن يحكم وربط ممارسة أية سلطة بالمحاسبة.

دائما نسمع الجماعة تتحدث عن نداءات للآخر، أين وصلت نداءاتكم على أرض الواقع؟

لحد الساعة لا توجد استجابة بالمستوى الواسع والكافي لتحقيق تكتل مجتمعي يشكل أساسا ومدخلا لتغيير عميق، فأنت ترى الواقع وتعلمه، هناك من ينتظر وهناك من يتخوف من الالتحاق بنداءات الجماعة خوفا على مصالحه مع الدولة، على الرغم من كونه يعلم أنها (أي الجماعة) على حق. فالبعض مع الأسف ما يزال يسكنهم الرعب والخوف من تبني الحق والوقوف في وجه الظلم.

لكن سنبقى ننادي ونقيم الحجة ونلح حتى يكون هناك إن شاء الله تعالى مستمع ومُلب لهذا النداء، فلا خيار يؤسس لتغيير جدي غير التكتل المجتمعي، والمحيط الإقليمي اليوم يؤكد هذا.

منذ سنوات وأنتم تقيمون هذه الحُجة، ما هي الخطوة الموالية؟

كما قلت لك سابقا، الجماعة ليست واقفة، فهي تتحرك في الساحة وتساهم بقوة في التأثير في مجريات الحياة السياسية. فإذا لم تكتمل شروط العمل المشترك اليوم فنحن، والحمد لله تعالى، سائرون في طريقنا لأجل التغير المنشود لما هو أجدر وأصلح، مع السعي الدائم للمساهمة في إنضاج مقومات الميثاق المجتمعي.

نحن جماعة دعوة، وصاحب الدعوة لا يمل ولا يكل من دعوة الناس، فسيدنا نوح عليه السلام ظل ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يدعو قومه، فلم يسأم ولم ييأس. كما أن دعوتنا غير مقتصرة فقط، على الجانب السياسي، فنحن أساسا دعوتنا تقوم على دعوة الناس إلى الرجوع إلى الله تعالى، وهذه دعوة لن نمل من تكرارها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ألا ترون أن خطاب الجماعة يتسم بنوع من «الاستعلاء»، تقولون للناس تعالوا إلى ما نريد، ولا تتنازلون من أجل الالتقاء معهم؟

نحن لا نمارس الأستاذية على أحد، ولا نتعالى على أحد، نحن لا ندعو إلى شيء سوى الجلوس على مائدة حوار نناقش فيها جميعا السبل الكفيلة بإخراج بلادنا من الأزمة والفساد الذي تعيشه، يحضرها الجميع، وتعقد أمام أعين الشعب، ويكون هو الحكم، بدون أي شروط، وبدون أي خُطوط حمراء، وبعد الاتفاق، نعرض ذلك على الشعب، وإن قبلها تحرك الركب على ضوء ما تم الاتفاق عليه.

وأود التأكيد على أن الحوار الذي تدعو إليه الجماعة مفتوح على مصراعيه، مع الجميع، لكن لدينا شرط واحد هو ألا يكون هذا الحوار حوار صُم، ولا يكون حوارا يُملي فيه طرف على الآخرين.

لو فرضنا أن شروطكم، مقابل الدخول في اللعبة الانتخابية، قد تحققت، وكانت هناك انتخابات أوصلتكم إلى قيادة الحُكومة، مع من ستتحالفون؟

التحالفات يفرزها الحوار والتوافق. مع العلم المسبق أننا ليست لنا أية رغبة ولا طموح للاستفراد بالحكم، بل نريد أن نساهم ونشارك مع باقي الصادقين، بل لا يُمكننا الانفراد بتسيير الشأن العام لأنه لا طاقة لنا، ولا لغيرنا، بذلك، إلا من يرغب بالاستبداد والقبضة الحديدية. ثم قبل كل هذا نحن جماعة دعوة لنا اهتمامات دعوية وتربوية واجتماعية واسعة، وما العمل السياسي إلا جزء منها.

إذن أنتم تفضلون الانزواء والدروشة؟

هل ترى يا بُني أن الجماعة مُنكمشة كبقية الزوايا؟ وأنها لا تهتم إلا بالذكر والقرآن؟ فعلا هذا موجود عند الجماعة وهو من أسسها، لكن بالإضافة إليه، وبناء عليه، الجماعة موجودة بشكل قوي في المشهد السياسي، موجودة في المسيرات والاحتجاجات ومجموعة من المحطات الأخرى سواء الفكرية أو الثقافية أو غيرها، وبالتالي فهذه تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة، وهي قديمة لأن عكسها هو الرائج اليوم، حيث يقال بأن الجماعة تهيمن على الشارع وتستعرض قوتها.

قلتم إن الجماعة في توسع، ولكن البعض يلاحظ خُفوت نجمها، خُصوصا في بعض المسيرات الأخيرة.

بالعكس، الملاحظة والنقد الموجه إلينا أننا نستعرض عضلاتنا في الشوارع وأننا ننزل بثقلنا. وما أؤكده هو أن الجماعة تُقدر وتُفرق جيدا بين الأحداث التي تنزل فيها بقوة، وتلك التي تكتفي فيها بمشاركة تناسب الحدث.

أعود إلى قولكم إن الجماعة كيان مُتحرك، لماذا تقتصرون على العمل من داخل «الجمعية الخيرية الإسلامية»، ولم تتقدموا بطلب تأسيس حزب سياسي على الرغم من الدعوات المتتالية؟

(ضاحكا) وهل اعترفت الدولة بهذه الجمعية حتى نؤسس حزبا سياسيا؟ فنحن ما نزال نؤدي الثمن على الرغم من توفرنا على وصل، وعلى الرغم من الأحكام القضائية القاضية بقانونية الجماعة من مختلف درجات التقاضي بما فيها المجلس الأعلى، ومع ذلك، نحاكم لأننا ننتمي إلى “جماعة محظورة” و”غير مرخص لها” كما يقولون.

هنا أشير إلى أن العشرات من جمعياتنا ممنوعة، لأنه بمجرد ما أن تُشم رائحة أن في الجمعية عُضو من أعضاء العدل والإحسان فلا يمنح لها الترخيص، حتى ولو تعلق الأمر بجمعية لآباء وأولياء التلاميذ أو جمعية ثقافية كيفما كان نوعها.

الذين يطالبوننا بتأسيس حزب عليهم من باب أولى أن يُطالبوا الدولة بأن تسمح لنا بهذا الحق القانوني البسيط، أو قبل ذلك حقنا الطبيعي في التنظيم والحركة باعتبارنا مواطنين كغيرنا، فلماذا نُقصى ونُهمش؟ ولماذا يُمارس علينا الاضطهاد والحصار؟

يُقال إن الربيع العربي أظهر عدم قدرة الإسلاميين على قيادة الدول، ما تعليقكم؟

وهل سمح للإسلاميين أن يمارسوا الحكم حتى نقول إنهم غير قادرين على قيادة الدول. فهم لم يسمح لهم بممارسة الحكم. نعم، هُناك قلة خبرة، وقلة التجربة، وعدم معرفة الواقع، ولاشك أنهم ارتكبوا أخطاء كثيرة، ولكن لنحاسبهم يجب أن نفتح لهم الباب والمجال لترجمة مشروعهم إلى الواقع وحينها نحكم عليهم ونحاسبهم.

ما الفرق بين الخلافة التي تدعون إليها وتلك التي تدعو إليها «داعش»؟

نحن نتمسك بجوهر الخلافة لا بشكلها، لأن الأشكال تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، ونحن حينما نتحدث عن الخلافة نتحدث عن الروح، نتحدث عن العدل، عن احترام حقوق الناس، عن التداول على السلطة، عن نبذ الاستبداد، هذه هي الخلافة التي نطمح إليها وليس تلك التي تراق فيها الدماء ويقطع فيها الرؤس، هذه كلها تصرفات لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بروح الإسلام وتشريعاته ولا بالخلافة.

ماذا عن استقالة مجموعة من أعضاء الجماعة الذين انسحبوا في صمت دون أي توضيح، ومن بينهم ندية ياسين، لماذا ينسحب كُل هؤلاء؟

الجماعة يجري فيها ما يجري في أي جسم حي متحرك غير جامد. لكن ما يميزنا، ونحمد الله عز وجل عليه، هو أن هياكلنا وقوانينا لها روح قوية تجمعها وهي ما نسميه بالنواظم الثلاث وأولها المحبة، فالعلاقة التي تجمعنا داخل الجماعة هي علاقة محبة وعطف، أولا ووسطا ودائما، سواء أكان الشخص داخل الجماعة أو انقطع عنها لسبب من الأسباب. لكن بفضل الله جامع المحبة ودعاء الرابطة لا ينفصمان أبدا.

أما الأستاذة ندية، حفظها الله عز وجل، فلازالت في قلب الجماعة، وما وقع هو أنها انتقلت من موقع إلى موقع آخر ذي أهمية قصوى، وهو الاهتمام بترجمة كُتب أبيها الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

يرتكز المشروع التربوي للجماعة على الصحبة، بعد رحيل المرشد العام كيف قاربتم هذا المفهوم؟

الصحبة هي لب الدين، ورحم الله سيدي عبد القادر الجيلاني الذي يقول «ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح». وفي تاريخ البشرية من سيدنا آدم إلى اليوم، أي رجل تجده من أهل الفضل والصلاح والتقوى تجد أن السبب في ذلك صحبة الصالحين والأولياء والأكابر، والصحبة بها كان الصحابة والتابعون رجالا.

والصحبة التي كانت لنا مع الحبيب المرشد رحمه الله تعالى هي علاقة محبة، لتبسيط المفاهيم، وللأسف، هذا ما يفتقده المسلمون الآن، وحالنا الآن كالجزر المنفصلة بعضها عن البعض، وعلى الرغم من أن الناس يُزكون ويحجون ويُصلون، إلا أنك حينما تبحث عن روابط فيما بينهم قل ما تجد هذه الروابط قائمة ومتجلية في سلوكيات الناس وتعاملهم.

حينما كان المرشد رحمه الله على قيد الحياة، كُنا نعيش الصحبة والجماعة، لكننا الآن نعيش الصحبة في الجماعة، يُحب بعضنا بعضا، ويُعين بعضنا بعضا، ويوقر بعضنا بعضا، وهذه الصحبة لا تقتصر على أفراد الجماعة بل تتمدد إلى صحبة الشعب، وصحبة الأمة، ليرتبط الناس برباط الأخوة في الله عز وجل.

الأستاذ عبد السلام ياسين صحب شيخه سيدي العباس البودشيشي، لكنه نقل الصحبة من الصحبة الفردية، صحبة المريد للشيخ، إلى الصحبة الجماعية الجهادية كما كان في عهد الخلفاء الراشدين بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

من المفاهيم المركزية أيضا عندكم ثنائية الدعوة والدولة والتي ينظر إليها البعض على أنها تمثل «الدولة الدينية». ما حقيقة ذلك؟

كثيرا ما نحاكم من أجل النوايا، هل مكنت الدعوة لتشرف على الدولة فبدأت تمارس السلطة والاستبداد؟

نحن جئنا لمحاربة الاستبداد فكيف نقيم استبدادا آخر عوضا عن الاستبداد القديم. الدعوة هي رحمة، هي حكمة، هي عطف وحنان، هي هداية الناس وربطهم بالله. ولابد أن تحافظ الدعوة على مؤسساتها ولا تذوب في الدولة لأن جميع الحركات الوطنية ابتدأت بحركات دعوية فماتت الدعوة لأنها ذابت في الدولة بعدما أخذت زمام الحكم، فلم يعد هناك دعوة إلى التوبة والارتباط بالله عز وجل، وبالتالي ابتلعت السياسة الدعوة.

لماذا لا تتقدمون بطلب تأسيس حزب، ولو من باب إحراج السلطة التي تقولون إنها تضطهدكم؟

قبل أيام، ذهبنا إلى العمالة بمدينة سلا بغرض وضع التصريح بتنظيم الذكرى الثانية لرحيل الإمام عبد السلام ياسين في قاعة خاصة، رغم حيف هذا الإجراء في حد ذاته، ورغم حقنا الأصيل في الأماكن العمومية، مُنعنا من هذا الحق البسيط جدا واضطررنا إلى تنظيم هذه المناسبة الكبيرة في مقرنا الضيق، وبالتالي كيف سيُسمح لنا بتأسيس حزب سياسي. ثم أنت ترى أيضا أن إخوتنا في «الحركة من أجل الأمة»، وإخوتنا في حزب «البديل الحضاري»، لازالوا يُعانون بدورهم من رفض السلطات الترخيص لأحزابهم بالعمل. كما يتابع الجميع منع عدد من الجمعيات الحقوقية والثقافية من حقها في التنظيم والتعبير.

تنتقدون النظام، ولا تعترفون بالحكومة، وفي المقابل تشاركون في إضراب عام ضدها، أليس في هذا تناقضا؟

لا. ليس هناك أي تناقض، بل إن ذلك ينسجم تماما مع اختيارنا العمل والضغط من داخل فضاءات المجتمع ضد الاستبداد والفساد ولأجل التخفيف من معاناة المقهورين. وبالتالي فمُشاركة قطاعنا النقابي في الإضراب العام يدخل ضمن مبادئ الجماعة في مساندة كُل مظلوم ومقهور ومُضطهد. فالله تعالى يقول: «ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان»، وبالتالي حتى لو كانت الجماعة لا تتعرض للاضطهاد والظلم، فمن الواجب عليها الوقوف إلى جانب أي مظلوم حتى إنصافه ورفع الظلم عنه، وهذا ما وقع في الإضراب العام (الذي جرى يوم 29 أكتوبر الماضي). فالطبقة الشغيلة تعاني من حيف وظلم، والجماعة وقفت إلى جانبها، ناهيك عن أن مشاركة أعضاء الجماعة هي طبيعية بحكم عضويتهم في نقاباتهم وكونهم، كغيرهم من العمال والموظفين، ضحايا السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

طيب، ما دمتم أتيتم على ذكر السياسات الاقتصادية والاجتماعية، كيف تقيمون أداء حكومة عبد الإله بنكيران؟

ربما تكون الحكومة قد نجحت في إنجاز بعض المشاريع الثانوية والهامشية، ولكن الإصلاح المأمول الذي انتخبها الشعب من أجله لا نرى له أثرا في الواقع، لا على المستوى السياسي ولا الاقتصادي ولا الاجتماعي ولا التعليمي ولا الثقافي، بل إن الأمر يزداد سوءا وتقهقرا والأمثلة لا حصر لها.

لماذا لا تُساندون الحكومة ضد ما يُسمى بـ”الدولة العميقة”؟

نحن نصحنا إخواننا في العدالة والتنمية، وقلنا لهم في بداية التجربة إن هذا الرهان خاسر، وللأسف هذا ما حدث بالفعل. نحن لا ننكر عليهم جديتهم وإخلاصهم ونيتهم الصادقة في الإصلاح، لكننا مقتنعون بأنه يستحيل إصلاح الفساد بأدوات فاسدة وفي ظل تحكم المفسدين، وهؤلاء في المغرب ليسوا دولة عميقة كما يقال، بل هم الظاهرون على السطح بوجوه مكشوفة والمتحكمون في كل شيء بما في ذلك الحكومة نفسها.