في مثل هذه الأيام توفي إلى رحمة الله الشيخ عبد السلام ياسين، كان ذلك في13 دجنبر 2012. ولم تتح لي للأسف فرصة للتعرّف عن قرب على الرجل والالتقاء به. لكنني قرأت بعض ما كتب، فأحببت أن أشير إلى ناحية مهمة في حياة الشيخ قلّ ما ننتبه إليها، وهي فكره الذي لم يأخذ حقه من الدراسة بسبب طغيان السياسة على اهتمامات الناس وأذواقهم.

لاشك أن الشيخ اشتغل بالسياسة، أعني بطريقة غير مباشرة، فتأسيسه لأكبر حركة إسلامية بالمغرب (وهي أكبر عددا من جماعة التوحيد والإصلاح التي انبثق منها حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة الآن)، هذا التأسيس لابد أن يدخله في المعترك السياسي.

وهنا مما يسجل للشيخ رحمه الله أنه وجماعته اعتنوا بتربية آلاف الشباب وتوجيه طاقاتهم لما ينفعهم في أنفسهم وأمتهم ووطنهم، ربما لولا ذلك لضاعوا. كما يسجل له أنه جنّب المغرب ما يعرف في عدد من الدول العربية بـ”العشريات السوداء”. إذ كان من الممكن أن تظهر في البلاد جماعة “جهادية” عنيفة، لكن الشيخ بنظره الثاقب منذ السبعينيات رفض سلوك أي طريق للعنف، فكانت جماعته سلمية مسالمة، واستمرت على ذلك، وهذا بشهادة خصومها قبل أصدقائها.

نترك إذن هذه الناحية السياسية من حياة الشيخ، لسببين: الأول إن اهتمامنا في هذا الملحق وهذه السلسلة اهتمام ديني وفكري بالدرجة الأولى، والثاني لأن أضواء كثيرة سلطت على التاريخ السياسي للشيخ وللجماعة. نترك إذن الحكم على هذه التجربة للتاريخ والمؤرخين.

بينما لم يحظ الجانب الفكري للشيخ بما يستحقه من اهتمام، وهذا غريب رغم أن الشيخ عالم ومفكر ومجتهد ومجدد في قضايا خطيرة من ماضي الأمة وحاضرها.

لكن حمدا لله أن الشيخ ترك مكتبة كاملة، فقد كان كاتبا ومؤلفا، وأسلوبه في الكتابة قوي ومميز. فهذه المكتبة ستساعدنا على فهم أفكار الشيخ وكشف نسقه الفكري العام.

أولا كتب الشيخ كتبا ورسائل في التربية، فقد كان مربيا يشتغل بوزارة التربية الوطنية. كان هذا في الستينيات، ثم في سنة 1972 ألف كتابه الكبير “الإسلام غدا” والذي يؤشر لمرحلة جديدة في حياة الشيخ وفكره، هي مرحلة هيمنة أسئلة النهضة والنهوض: كيف السبيل لإنجاز نهضة حضارية شاملة في عالم الإسلام، وضمنه المغرب؟ بعد حوالي عقد من الزمان أصدر الشيخ كتاب “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، وضع فيه تصوره العملي للوصول إلى هذا الهدف، وبناءً عليه أسس الجماعة. بعدها كتب رسائل وكتبا متفرقة في تفصيل هذا المنهاج وتوضيحه.

وقد كان الشيخ متصوفا، فدرس التصوف ومارسه. وحاول أن يجدد سكـّته، فأصدر سلسلة “الإحسان”، وهي رسائل وكتيبات متتابعة في قضايا صوفية متعددة.

ومن الأمور المهمة في حياة الشيخ أنه حاول أن يمد جسورا من الحوار الفكري مع التيارات السياسية والإيديولوجية النشطة بالوطن العربي والإسلامي، خاصة بالمغرب، وأول محاولة له في هذا الاتجاه كان النقاش مع الماركسية، ربما لأنها الجماعة الفكرية الأقوى في السبعينيات بالمغرب، فجاء كتاب “حوار مع النخبة المغرَّبة”. ثم كتاب آخر “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية”. ثم كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”. وترجم أيضا “الإسلام والحداثة”.

ومما يُذكر أيضا للشيخ رحمه الله أنه كان من أوائل -بل ربما أول- من كتب كتابا في الأمازيغية محاولا علاج المسألة من منظور إسلامي. وذلك في “حوار مع صديق أمازيغي”، وهو حوار مع الأستاذ الكبير محمد شفيق متعه الله بالصحة والعافية.

كان الشيخ عبد السلام واعيا منذ زمن مبكر بالتحدي القومي حين فرض علينا الاستعمار ما يسمى بـ”الدولة القومية أو الوطنية”. وهذا ما يفسر انتباهه السريع للمسألة الأمازيغية ومحاولة إيجاد حلّ لها، فقد كتب قبل ذلك “الإسلام والقومية العلمانية”.

وانشغل الشيخ أيضا بنظرية الحكم في الإسلام، وبقضية السياسة بصفة عامة، سواء في مذهبية الإسلام وعقيدته النظرية أو في تاريخه وواقعه، فكتب على المستوى النظري: “الشورى والديمقراطية”. و”العدل: الإسلاميون والحكم”. و”إمامة الأمة”.. وعلى مستوى التاريخ كتب: “نظرات في الفقه والتاريخ”. و”الخلافة والملك”.

كذلك لم تغب قضايا المرأة، فكتب “تنوير المؤمنات”.

وحتى القضية الاقتصادية حاضرة بكتابه “في الاقتصاد: البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية”.

أتمنى أن أرى اليوم الذي تقدم فيه أطروحة دكتوراه عن الشيخ في إحدى جامعات المغرب، وعن غيره أيضا. عن كل مغربي حاول مخلصا أن يفيد بلده بالطريقة التي رآها وتصورها، مهما كنا مختلفين أو متفقين عليها.

يجب أن نتجاوز هذه الحالة المغربية المؤسفة حيث الإسلاميون لا يقرؤون لعبد الله العروي، والعلمانيون لا يقرؤون لعبد السلام ياسين، واليساريون والريفيون لا يقرؤون لعلال الفاسي، والأمازيغيون لا يقرؤون لمحمد عابد الجابري. لنتجاوز هذا إلى اكتشاف الجميع كي نبني وطنا للجميع.