للسلطات المغربية أساليب متنوعة ومتعددة تميل إلى “الفنية”، خبرتها وطورتها مع مرور الوقت، في ترويض وتطويع واستمالة المعارضين شخصيات وتنظيمات مهما كانت “جذرية وتطرف” مواقفهم، ولها في ذلك صولات وجولات مدهشة حقيقة، حيث تجلس القرفصاء تتأمل في الكيفية التي تُلين فيها المواقف وتُركّع فيها الرؤوس بشكل سريع، مرة عبر الترغيب وإذا لزم الأمر بالترهيب.

فهذا يحتاج إلى “الاستمالة” وذاك يحتاج إلى “الترغيب”، وذلك تكفيك معه “الإشارة” حتى تراه وقد سارع إلى الولوج عبر الأبواب السبعة، وقد انغمس بشكل يجعلك تشكك في كل مواقفه السابقة وتصفيفاته المعارضة، التي كانت تجد صدى غير معهود لدى الجماهير التي خدعتها الشعارات الجذرية المرفوعة.

مقابل ذلك هناك من الشخصيات والتنظيمات المعارضة، من تحتاج لعملية ترويض قد تكون شاقة للوصول إلى مرحلة التطويع، فقد تجرب معه التضييق وقد تفعل معه “التشويه” عبر أدواتها الإعلامية المختلفة التلاوين، وقد تصل معه إذا ما حاول إبداء صلابة زائدة إلى حدود الاعتقال والحصار، جميع الطرق التي تعتبرها حلولا جائزة ومتاحة لدى السلطة بالمغرب، لأن ما يهمها هو نتيجة العملية، التي استطاعت لحد الآن أن تنقل العديد ممن كانوا يحسبون من المعارضين للضفة الأخرى.

وفي الوقت الذي انتقل فيه العديد من الشخصيات والتنظيمات إلى الضفة الأخرى، بعدما فعلت “الاستمالة الفنية” فعلتها بالطرق والأساليب السالف ذكرها، وجدت السلطة الحاكمة في المغرب صعوبة كبيرة في استمالة الراحل عبد السلام ياسين رحمه الله، وبقي ياسين صامدا لمدة طويلة رغم تنويعها للأساليب (محاولات الخطيب، وبعده المدغري، اقتراح عبر مجموعة من الشخصيات تأسيس حزب سياسي… وغيرها)، وبعدما لم تنفع طرق “الإغراء” فتح الباب أمام الترهيب، فكان (الحصار، والاعتقال، والتضييق، والمصادرة…) ومع ذلك كان فشل استقطاب ياسين، هو سيد الميدان.

ورغم اختلاف المرء مع بعض خطوط مشروع ياسين، إلا أنه لا يجد إلا أن يشد يده بحرارة على مواقف ياسين من السلطة الحاكمة بالمغرب ومن الاستبداد والفساد القائم، وأكثر ما يثير في مسيرة ياسين، أنه كلما اشتد هجوم السلطة كلما ازداد مشروع العدل والإحسان إقبالا وقبولا لدى شرائح معتبرة من الناس، حتى أن هناك من يعتبر أن توسيع القاعدة التنظيمية التي تعتبر معها الجماعة اليوم أكبر إطار في المغرب جاء بسبب صمود ياسين وثبات المحيطين به على المواقف.

لذلك يحق اليوم لأبناء وبنات العدل والإحسان أن يفتخروا وبقوة بصمود مرشدهم، في وقت أصاب العياء معظم رموز النضال المقاوم والممانع بالمغرب، بل ويعتبرون الراحل ياسين رمز الممانعة بهذا البلد، ومن مداخل هذا الافتخار هو محاولة تنقيح ومراجعة وتجديد بعض عناوين وخطوط مشروع الأستاذ عبد السلام ياسين رحمة الله عليه ليتماشى مع مستجدات الساحة.