فيما يلي نص البحث الذي قدمه الدكتور الزبير خلف الله، رئيس المركز المغاربي التركي للدراسات الحضارية، في ندوة التغيير في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله) بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الإمام، والتي نُظمت يوم السبت 13 دجنبر2014 / موافق 20 صفر 1436 بمقر الجماعة في مدينة سلا.

تمهيد

على الرغم من أن هناك كتابات عديدة كتبت حول إشكالية التغيير في التصور المنهاجي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، إلا أن هذه الكتابات سقطت في المأزق النظري الذي تعامل مع الفكرة في بعدها الفلسفي والابستمولوجي، ونسيت أن فلسفة التصور المنهاجي للإمام عبد السلام هي مشروع حضاري مادي واقعي انبثق من مقاربة عقلانية لواقع مادي ملموس عاشه الإمام، ومحاولة لقراءة النص القرآني والنبوي على ضو حركة الواقع البشري وخصوصياته. لذلك فإن فكر الإمام عبد السلام هو مقاربة عملية تجمع بين الأسس المبدئية الثابتة في النص الديني وبين حركة الواقع المتغير، وتهدف كلها الى تأسيس مشروع إصلاحي حضاري متقدم يصنع الإنسان المسلم المتشبع بمبادئه ومنطلقاته الحضارية والمستند إلى حركة الواقع الانساني في مساراتها المعقدة وأبعادها المختلفة. إن مثل هذا المشروع الحضاري التغييري الذي آمن به الشيخ عبد السلام ياسين يجعلنا وجها لوجه أمام تساؤلات عن إشكاليات التغيير في نظرية المنهاج النبوي للشيخ ياسين وعن مشروعه الحضاري الذي ناضل من أجله على مدار عقود طويلة.

هذه التساؤلات يمكن حصرها في ثلاثة محاور أساسية هي:

– مفهوم التغيير وأبعاده العملية عند الإمام ياسين؟

– وسائل التغيير وآلياته عند الإمام ياسين؟

– واقع الأمة على ضوء نظرية المنهاج النبوي للإمام ياسين.

لذلك سنقوم هنا بتقديم قراءة لإشكالية التغيير في بعدها العملي الواقعي لنظرية المنهاج النبوي عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.

أ- مفهوم التغيير وأبعاده عند الشيخ ياسين

علينا أن نذكر في هذا القسم بنقطة مركزية وهي كون التغيير هو حالة عملية وتطبيقية ناتجة عن تصور وقراءة ووعي بحركة الواقع وتداخلاته وتوازناته، الأمر الذي يجعل مفهوم التغيير يلتبس بعدة مفاهيم أخرى كالثورة والإصلاح والعصيان والتمرد، وكلها مفردات تتشابه في أوجه من حيث الانتقال من وضع إلى وضع آخر، وتتناقض في أوجه أخرى من حيث أسلوب ومنهجية تحقيق أهدافه ومقاصده الكبرى. هذا التشابه والتناقض في الآن نفسه استطاع الشيخ ياسين أن يحله من خلال نظرية المنهاج النبوي القائمة على التفسير العملي للقرآن الكريم و لتجربة الرسول صلى الله عليه وسلم التي تعتبرها كل التيارات الفكرية الإسلامية التجربة النموذجية التي من خلالها نستطيع أن نبني عليها مشروعنا التغييري.

استخدم الشيخ ياسين مصطلح “القومة” استنادا إلى الآيات الكريمة التالية: وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبدا، وأن تقوموا لليتامى بالقسط، كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. حيث قام الشيخ ياسين رحمه الله باشتقاق مصطلح القومة من فعل قام الذي يتضمن عدة معاني مختلفة. يقول الشيخ ياسين في مفهوم القومة: كلمة قومة أخذناها من تاريخنا. فقد كان علماؤنا يسمون جند الله الناهضين في وجه الظلمة قائمين. عرف تاريخنا قائمين من آل البيت كالإمام الحسين بن علي، وزيد، ومحمد النفس الزكية، ويحيى، وإبراهيم) 1 .

ويقول أيضا: المسلمون في تواريخهم يستعملون كلمة “ثورة” للدلالة على خروجٍ عنيف بغير حق. وفي كلمة “ثورة” إيحاء بالعجلة والعنف والاضطراب. ويستعمل مؤَرِّخونا كلمة “قومة” للإخبار عن الخارجين على الظلمة بحق. وكلمة “قومة” موحية بالقوة والثبـات والثقـة. لذلك نستعملها تميزا في الاصطلاح لنَنْتَقِدَ أساليب العنف وحرق الناس وبقْرَ بطون النساء وإطفاء السجائر في عيون بني آدم وما إلى ذلك من إفناء الطبقة البائدة وتسليط المخابرات) 2 .

يتضح لنا مما سبق أن الشيخ عبد السلام ياسين في معرض تعريفه لمصطلح القومة يعتبرها مغايرة في دلالاتها عن مفهوم الثورة ومفهوم التمرد والعصيان في أبعادها المختلفة وليس في سياقها السياسي الجزئي فقط. ذلك أن القومة أوسع في دلالتها من هذه المصطلحات، فهي توحي بالفعل البشري المستمر وبقدرة الإنسان على التغيير، وخلق وضعيات جديدة تساعده على تحقيق الخير والسعادة البشرية على وجه الأرض، وتكسبه رضا رب العالمين في الدار الآخرة. كما أن الشيخ ياسين يقدم مفهوم القومة على أنها آلية وميكانزما فعالة تجمع البعد المقاصدي بالبعد العملي للمشروع الحضاري الاسلامي الذي يؤمن به الشيخ ياسين. إن القومة عكس الثورة والتمرد لأنها تتجاوز حدود الزمان الدنيوي لتتوغل في أعماق الزمن الأخروي وهو ماسميناه البعد المقاصدي، لأن القومة في بعدها الدنيوي هي الإجراء العملي الذي يقوم به الإنسان في الدنيا ليرى نتائجه وجزاءه في الحياة الأخروية عند يوم الحساب.

من جهة أخرى نجد أن الشيخ ياسين حاول أن يؤصل مصطلح القومة في أبعاده المختلفة في المرجعية العربية الإسلامية، فجاءت القومة نتاجا لواقع ولدت فيه وترعرعت ضمن مفراداتها ومناخها الثقافي العام، ولم تأت هذه القومة منبتة عن واقعها عكس دعاة الحداثة الغربية من التيارات العلمانية والحداثية في العالم العربي والإسلامي الذين أرادوا أن ينسخوا الحداثة الغربية وإسقاطها في تربة ليست تربتها مما جعلها نتاجا مشوها غريبا عن أصول المجتمعات العربية والإسلامية. لقد كان الشيخ ياسين مدركا لطبيعة التغيير وآلياته وللمناخ الثقافي والاجتماعي العام الذي يجب أن يترعرع فيه هذا المنهج التغييري.

يمكن القول إن مفهوم الشيخ ياسين للتغيير يعد مفهوما حداثيا أصيلا ومتقدما لأنه استطاع أن يؤصل مفهوم التغيير ضمن مرجعيته العربية الإسلامية، ويعطيه بعدا شموليا واستمراريا يجمع بين النسبية الزمنية الدنيوية وبين الزمن المطلق الأخروي، في الآن نفسه نجده أضفى بعدا عالميا وكونيا للتغيير حينما اعتمد على التجربة التغييرية النبوية النموذجية باعتبارها تنطلق من مبدإ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كافة الناس، وكون التجربة التغييرية النبوية تضمنت مبادئ عالمية تخص كل إنسان على وجه الأرض مثل عبادة الله والعدالة والحرية والسياسة والاقتصاد والأخلاق والصدق والحب… إلخ.

ب- آليات التغيير ووسائله

كلمة المنهاج النبوي توحي للوهلة الأولى بالبعد العملي التطبيقي لتجربة الرسول صلى الله عليه وسلم حين أرسله الله تعالى إلى قومه وإلى الناس كافة. وهذا البعد العملي جعل الشيخ ياسين يغوص على مدار عقود طويلة في دراسة التجربة النبوية ليكتشف أهم آلياتها وأساليبها، ويبنى عليها نظريته المعروفة للتغيير وفق المنهاج النبوي أي التجربة النبوية التي يتفق على نموذجيتها مع كل القراءات الإسلامية الأخرى لها. إلا أن الشيخ لم يسقط في قراءة التجربة النبوية ضمن سياقها النظري أو في إطار التحليل التاريخي، لكنه تفاعل معها في بعدها العملي الحسي لاقتناعه بأن التجربة النبوية بقدر ما هي تجربة تستند إلى مرجعية إسلامية مقدسة إلا أنها عاشت ونشأت في واقع بشري مادي محسوس خاضع إلى التغير في ظروفه وتوازناته وملابساته، كما أنها وجدت لكي يتفاعل معها العقل البشري ويفهمها وفق ظروف عصره. إذن نظرية المنهاج النبوي جمعت بين جدلية النص الديني الثابت وبين والواقع التاريخي المتغير وتفاعل العقل البشري معها، وتأتي التجربة النبوية على أنها تمثل منهجية في الجمع بين الثابت والمتغير الأمر الذي فشلت فيه عدة حركات إسلامية اليوم عندما تجاهلت تغيُّر الواقع، وحاولت أن تسقط عليه النص الديني الثابت، كما أن هذه الحركات الإسلامية أيضا فشلت في فهم تجربة الرسول صلى الله عليه وقدرتها على إيجاد طريقة وآلية لتفاعل النص الديني أي المرجعية مع العقل البشري وحركة الواقع الإنساني المتغير. لكننا في نظرية المنهاج النبوي للشيخ ياسين رحمه الله نجد أنفسنا أمام شخصية استطاعت أن تكتشف من خلال التجربة النبوية آليات ووسائل الجمع بين المنظومة القيمية ومنظومة الواقع البشري المتحولة. ورغم أن الكثير من المفكرين المسلمين حاولوا أن يشتغلوا على إشكالية الآلية والوسائل للتغيير إلا أنهم فشلوا بسبب المنهجية التي اتبعوها في تفسير ظاهرة التغيير والاصلاح ولأبعاد المشروع الحضاري الإسلامي. يمكننا القول إن نظرية التغيير في المنهاج النبوي للشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله قد ارتكزت على جملة من الأساسيات أهمها ما يلي:

1- الاستناد إلى مرجعية فكرية وواقعية

لا يمكن أن نتصور مشروعا تغيييريا يفتقد إلى منظومة قيمية وإلى مرجعية فكرية ينطلق منها لصياغة رؤيته للمجتمع وللعالم والحياة، ويطرح تصوراته حول السياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع. فكما أن الإمام عبد السلام ياسين قد انطلق من الناحية النظرية من القرآن والسنة النبوية فإنه أيضا من الناحية العملية استند إلى التجربة النبوية التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم كمرجعية أساسية بنى عليها تصوره المنهاجي، وتمكن الشيخ ياسين من جعلها نقطة ارتكاز في مسارات المشروع التغييري الحضاري. لقد كان هم الشيخ ياسين هو كيفية تفكيك الواقع الذي عاشه، وإعادة تركيب تمظهراته وفق آلية وميكانزما واقعية ناجحة أثبت التاريخ نجاعتها وفاعليتها تجلت في التجربة النبوية التي تعد المنطلق الأساس الذي يمكن من خلاله اعادة صياغة الواقع الراهن بشكل أفضل وأعمق.

2- سلمية الخطاب ووسطية الفكر

السلمية وأسلوب الرفق يمثلان آلية فعالة جدا في المشروع الإصلاحي الياسيني لأنه مستمد من التجربة النبوية التي انطلقت على انتهاج الرفق ووسطية الفكر دون التصادم مع النظام الاجتماعي والتسبب في قطيعة معه مما قد ينتج عنه تدمير للعملية الإصلاحية، ونشر الحق والعدل والفضيلة التي تمثل المقصد الأكبر للمشروع الحضاري للمنهاج النبوي. يقول الشيخ عبد السلام ياسين متحدثا عن السلمية باعتبارها ميكانزما وأساس في التغيير: قومة الداعي تبتدِئ بقومة الرسول في قومه يخاطبهم بلسـانهم على الرفق لا على العنف. وكل داع بعد الرسول لم يبدأ ميسرا لا معسرا، مبشرا لا منفرا، جامعا لجهد الصادقين لا مشتتا فما هو من القوة في شيء) 3 . من هنا نفهم أن إيمانه بسلمية الخطاب ووسطية الفكر إنما هي آلية فعالة أصيلة في المنهاج النبوي وفي تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته التي اعترف كل الفلاسفة والمؤرخون بأنها أفضل تجربة تغيير عرفتها البشرية. لكن الشيخ ياسين يذكر هنا بأن السلمية لا تعني الاستسلام للواقع والهروب من مواجهته، إنما السلمية هي منهج وأسلوب نواجه به الواقع ونحن مقتنعون تماما بأننا سنكون عنصرا فعالا في إحداث تغيير هائل داخل المجتمع، وقادرون على أن نقنع الناس بقناعات إيجابية تبني ولا تهدم، وتبشر ولا تنفر، وتتفاعل إيجابيا ولا تنفعل سلبيا. يؤكد الشيخ ياسين على أن المشروع الإصلاحي لا يمكن أن يتحقق بالعنف والتصادم، وانما بالسلمية ووسطية الفكر. وهذه الآلية في الحقيقة هي منهج كل أنبياء الله ورسله الذين ظلوا نموذجا يقتدى به ومصابيح تهتدي بها البشرية وتوحدها في الحياة ولا تشتتها.

3- الالتزام بالعدل

إن الهدف الأساسي للمشروع التغييري عند عبد السلام ياسين هو إقامة العدل، وتحقيقه داخل المجتمع، ولن يتحقق هذا الهدف إلا إذا عمدنا إلى انتهاج إصلاح المنظومة القضائية وتطهيرها من كل مظاهر الفساد. يقول الشيخ ياسين: قومة الشاهد التي يدعو إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: “كونوا قوامين لله شهداء بالقسط”، “كونوا قوامين بالقسط شهداء لله”، “والذين هم بشهادتهم قائمون”، “وأقيموا الوزن بالقسط”. قومة لإحلال العدل محل الجوْر. عدليَّةٌ نموذجية تخاطب الإنسان مِنْ قِبَلِ همومه الدنيوية من حيثُ تخاطبه دعوة القائم العبْدِ الرسول أو التابع “المبعوث” المبلغ من قبَل روحانيته) 4 .

يتضح من خلال كلام الشيخ ياسين أن تحقيق العدل هو آلية ووسيلة لتحقيق الخير والإصلاح قبل أن يكون مبدأ وهدفا. فالتغيير والإصلاح لن يتحققا إلا إذا تم إصلاح المنظومة القضائية، وتحقيق العدالة التي بها تتطور الحضارات، ويعم الخير وينتهي الجور والاستبداد السياسي، وتحقيق المساواة بين كل فئات المجتمع دون أي تمييز. وهذه المساواة هي التي تميزت بها التجربة النبوية عندما ظهرت في مجتمع يتكون بين أسياد وعبيد، وقد انتبه الشيخ ياسين الى أن المساواة والعدالة على الرغم من أنهما يمثلان مبادئ وأهدافا إلا أنهما يمثلان وسيلتين وآليتين لتحقيق الخير والصلاح في الأرض.

4- التمحور على المبادئ

إن المشروع الإصلاحي الحضاري لا يمكنه أن ينجح إلا إذا تخلص الإنسان المسلم من كل أشكال التمحور الذاتي والمنفعي والمصلحي الزائل، وبنيت مرتكزاته على محور المبادئ الإنسانية الخالدة التي ترتبط مباشرة بالله تعالى الحي القيوم، عندها يتحول المشروع الحضاري الإسلامي إلى مشروع كوني عالمي يوجه البشرية جميعا إلى عبادة رب الكون، ويسقيها من فيض حبه الأبدي بعد أن دنس البشر الحياة بالأنانية والحقد والكبر. لقد أدرك الشيخ ياسين هذا البعد من خلال تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم التي نجحت وظلت خالدة في ضمير كل مسلم وكل إنسان حر في هذا العالم بسبب تمحورها حول مبادئ خالدة شكلت قاعدة مشتركة بين كل البشرية. يقول الشيخ ياسين: ينبغي أن نستَحْضر أن الله عز وجل هو ضامن النصر لأوليائه،… وعلى الإسلاميين أن يكونوا في تسمّع مُسْتمر وترقب يقظ لإشارات القَدَر الإلهي. لا أقول باقتناص الفرص وتصيد المناسبات لإبرام “ميثاق” انتهازي بأي ثمن…) 5 . يتضح من خلال كلامه أن المشروع التغييري لا يبنى على الانتهازية أو اقتناص الفرص لتحقيق منافع ذاتية، وإنما هو مشروع إصلاحي ينبثق من مبادئ أهمها كسب رضا الله تعالى، وتحقيق شرعه في الأرض، ونشر الحب في الله باعتباره يمثل أساس تجربة الأنبياء بشكل عام وتجربة الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل خاص الذي كانت ثقته في الله عظيمة ويقينه بأن نصر الله قادم لا شك فيه.

5- الإصرار على التغيير

ذكرنا سابقا أن منهج التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين هو منهج قائم على الثقافة السلمية وليست الثقافة الاستسلامية التي تعني التراجع عن فعل التغيير، وإنما التغيير في نظره هو فعل مستمر داخل المجتمع، وإصرار دائم على إصلاح المجتمع، وانفتاح على كل التجارب العالمية الإيجابية والاستفادة منها، وتوفير كل أسباب النصر المادية والمعنوية اللازمة لتحقيق نجاح حقيقي وعميق للمشروع الإسلامي التغييري. يقول الشيخ ياسين في هذا السياق: إننا إن يكن لنا من أسباب الوجود في الميدان، نفرض وجودنا فرضا بدخولنا في التعددية الديمقراطية أو بتكتلنا في الظل إن اقتضى الأمر، لن نعدم وسيلة يوما ما، وبعد أمد يطول أو يقصر، لنرفض الأنظمة الجبارة رفضاً مطلقا بالمقاطعة والإضراب العام والعصيان المبدئي تطبيقا لأمر الله وأمر رسوله أن لا نطيع من عصى الله ولا نتعاون معه ولا نستبقيه متى قدرنا على إزالته…) 6 ، نفهم من كلام الشيخ ياسين أن الإصرار على التغيير يحتاج إلى بحث مستمر عن كل الوسائل الممكنة بما فيها الدخول في العملية الديمقراطية، والنضال السياسي الحزبي، وإن تعذر ذلك فقد تقتضي الضرورة المقاطعة أو العصيان السلمي إن وصل الأمر باستهداف دين الله أو محاربته. واللافت في كلام الشيخ ياسين هي قبوله بالديمقراطية باعتبارها ميكانزما عصرية قادرة على تحقيق التغيير المنشود مستندا في ذلك إلى التجربة النبوية التي تأخذ الحكمة حيثما وجدت.

6- استراتيجية التغيير

تكمن استراتيجية التغيير في أن المشروع التغييري الحضاري لا يمكن أن ينطلق بدون أهداف واضحة وخطط واقعية ترسم خريطة استراتيجية لعملية التغيير. هذه الخريطة الاستراتيجية تجعل المشروع الإصلاحي يسير وفق بوصلة واضحة تساعده على الوقوف ضد المصاعب والتحديات التي قد تعترضه في الطريق، كما تحول المشروع التغييري الحضاري إلى فضاء أرحب تتناغم فيه الفكرة مع الواقع وتنسجم فيه الأنا مع الآخر. إن غياب التخطيط والرؤية والاستراتيجية قد يكلف المشروع التغييري خسائر كبيرة في الزمن وفي الجهد وفي النتائج. يقول الإمام عبد السلام ياسين: الركب يتحرك إلى خير إن شاء الله لكن العمل الميداني إن لم يدخل في خطة محكمة لها وجهة مدروسة، وغاية معروفة، وأهداف مرحلية، وقسمة للمهام بين فئات جند الله، لن يؤدي لتأليف قوة التغيير المرجوة وإن انتهى إلى تكوين تكتل ذي حجم…) 7 . يتجلى من كلام الشيخ أن المنهاج النبوي والتجربة النبوية هي تجربة قامت على أهداف ورسالة وتصور واستراتيجية عميقة تأخذ بالأسباب وتتحرك وفق معطيات وقوانين الحياة المادية باعتبار أنها تجربة تصنع على أديم الواقع الملموس، وتتأثر بقوانينه وظروفه. الإمام عبد السلام يوجه خطابه إلى أصحاب المشروع الإسلامي الإصلاحي أن يكونوا واقعيين وعلميين وأصحاب رؤية واستراتيجية لأنك إن لم تخطط لمشروعك الحضاري فسيخطط لك الآخر وفق منظومته القيمية ووفق وتصوراته الفكرية.

7- استراتيجية التوسع والانتشار

إن التغيير في نظرية المنهاج النبوي ليست حالة جزئية تحصل داخل مجموعة جزئية، وإنما هو ظاهرة شاملة واسعة تهم كل المجتمع والأمة، وتمس كل تفاصيل الحياة العامة والخاصة. لذلك ولكي تكون عملية التغيير ذات بعد شمولي أوسع فإن على دعاة المشروع الإصلاحي أن ينتشروا في كافة شرائح المجتمع للوصول إليها، وإقناعها بضرورة التغيير والإصلاح. يقول الشيخ ياسين في هذا السياق: متى بلغت الصحوة الإسلامية درجة اليقظة والتجند الواسع، وبلغت السخطة الشعبية عرامتها، فقد توفر الشرطان الضروريان للقومة الإسلامية) 8 . من هنا نفهم أن نجاح التغيير وتحقيق المشروع الإصلاحي لا يكون إلا إذا وصلت قناعات التغيير لدى عموم الناس، وأصبحت الأرضية مناسبة لإحداث تغيير جذري على كافة المستويات، وهو ما سماه الشيخ ياسين بالقومة الكبرى أو الثورة الشاملة على مستوى الواقع وعلى مستوى ذهنية الفرد والمجتمع، لأن التغيير إذا لم يحصل في أذهان الناس وقناعاتهم عبر استراتيجية التوسع والانتشار فإنه سيبقى حالة معزولة وجزئية ومعرضة للفشل والارتداد في كل حين. ويستند هنا الشيخ ياسين على التجارب الإنسانية السابقة وخصوصا التجربة النبوية التي لم تنجح إلا بانتشار الصحابة في كافة أصقاع الجزيرة العربية وإقناع الناس بمبادئ الإسلام والدعوة للدخول فيه.

8- الميثاق التغييري

ونقصد به حصول توافق شامل بين كافة التيارات الفكرية والسياسية على ضرورة التغيير، الأمر الذي قد يجعل منه تغييرا عميقا يمس كل شرائح المجتمع، ويحقق عقدا وميثاقا اجتماعيا يلتزم فيه الجميع رغم اختلافاتهم بضوابط التغيير وباحترام أساسياته. ويذكرنا هذا بتجربة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة المنورة، واستطاع أن يحقق ميثاقا بين كافة الأطراف الموجودة في المدينة المنورة، وهو ما سمي بدستور المدينة الذي اتفق على عدم خرقه من قبل المسلمين والكفار والمشركين والمنافقين واليهود…الخ. يقول الشيخ ياسين في هذا المضمار: هل الديموقراطية التي تنفي كما ننفي أن يكون للحاكم حق الطاعة بدون عقد يلزم الطرفين خطوة إيجابية نحو أهدافنا..؟ … نحتفظ هنا بهذه الحقيقة: وهي أن الوعي الديموقراطيَّ وقاعدته “حقوق الإنسان” كفر “بدين الانقياد”، ودين الانقياد هو داؤنا العميق) 9 ، نلاحظ أن الميثاق الاجتماعي الذي قد تكون الديمقراطية آلية في تحقيقه سينهي ظاهرة الاستبداد السياسي ويحقق الحرية للجميع. إن الميثاق الاجتماعي هو اتفاق الجميع مهما اختلفت انتماءاتهم على حق الحرية للجميع، والرفض الكامل لظاهرة تغول الحاكم واستبداده. الملفت هنا مما سبق لكلام الشيخ ياسين أنه متفق مع الديمقراطية كآلية قادرة على تحقيق مثل هذا الميثاق الاجتماعي العام، وقادرة على القضاء على سياسة الاستبداد وقمع كل نفس تغييري ومحاولة لوأد الحرية التي هي أساس كل تغيير وكل مشروع إصلاحي وحضاري.

9- آلية المرونة

المرونة في التغيير عند الشيخ ياسين لا تعني التنازل عن المبادئ والقيم التي انطلقت من أجلها عملية التغيير، وإنما يقصد بالمرونة القدرة على التعامل مع مقتضيات الواقع بشكل يفسح لك المجال للوجود على ميدان التغيير، ومناورة خصومك الذين يحاولون الانقضاض عليك في كل لحظة. يقول الإمام عبد السلام ياسين: لو تتبعت سيرة المصطفى صلى الله عليه و سلم لرأيت هذا الصبر عند البلاء ومرونة خامة الزرع. مثلا عندما ألح سهيل بن عمرو في كتابة صلح الحديبية على أن يمحي من الصحيفة البسملة ونسبة الرسالة إلى محمد صلى الله عليه و سلم فمحاها نبي الرحمة بيده الكريمة) 10 إذن فآلية المرونة مطلوبة في المسار التغييري، وهو وسيلة فعالة للمشروع الحضاري الذي آمن به دعاة التغيير والإصلاح، مثل الشيخ ياسين الذي ظل طوال حياته يتفاعل مع واقعه، ويتعامل معه بكل مرونة وإصرار على التغيير دون أن يتنازل عن مبادئه الإسلامية وقناعاته التي شكلت أسس مشروعه الحضاري المبني على التجربة النبوية التي تعرضت لابتلاءات كثيرة وتحديات عظيمة. ولكن بعون الله تعالى استطاع النبي صلى الله عليه وسلم رفقة أصحابه رضي الله عنهم أن يصبروا على هذه الابتلاءات والمصاعب، وأن يتحلوا بمرونة كبيرة في سبيل تحقيق التغيير المنشود.

ج- واقع الأمة على ضوء نظرية المنهاج النبوي للإمام ياسين

لا يخفى على كل إنسان مسلم ما تتعرض إليه أمتنا اليوم من هجمة شرسة ومؤامرات قذرة تحاول اغتيال أي روح للتغيير داخلها، وتريد أن تجهض أي مشروع إصلاحي يسعى إلى إعادة بناء الأمة من جديد، ويعيد لها دورتها الحضارية على أسس مرجعيتها العقدية الإسلامية. ما يحدث اليوم في أمتنا يجعلنا فعلا مجبرين على إعادة صياغة تصورنا من جديد لمفهوم التغيير، وتحديد آلياته ووسائله. وهنا تبرز أهمية المشروع التغييري للإمام عبد السلام ياسين. صحيح إن مشروعه نشأ في واقع مغربي وتأثر بخصوصياته، واختلط بمزاج المجتمع المغربي، إلا أنه تحرر من قيود المحلية الضيقة ليطرح نفسه بديلا لمشروع عالمي عندما بنى تصوره على التجربة النبوية التي تعد تجربة إنسانية فريدة من نوعها ونموذجية يمكن لكل دعاة الإصلاح والتغيير أن يتخذوها مرجعية لمشاريعهم الإصلاحية.

استطاع الشيخ ياسين أن يوظف هذه الآليات والوسائل في مشروعه الإصلاحي التنويري والحضاري، وأن يبني وعيا جديدا داخل المجتمع المغربي وفي العديد من الدول الإسلامية، ليتحول مشروعه الإصلاحي من دائرة المحلية إلى فضاء العالمية، فكان يستحق أن نصفه فعلا بمشروع الأمة التي انطلقت من ينابيع العقيدة والفكرة لتهدم الصنمية التي نراها انتشرت في زمننا على حساب الحرية والعدالة والإيمان بالله تعالى. لقد كان الشيخ ياسين رحمه الله يدرك جيدا مدى صعوبة التغيير وتعقيداته، إلا أنه بتبنيه للمنهاج النبوي المرتكز على تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم استطاع أن يقدم لنا تصورا ورؤية ومشروعا متميزا يمكن للشعوب العربية والإسلامية أن تستفيد منه لما يتميز به من عمق في التصور، وواقعية في الفهم والطرح، وجرأة في التعامل مع مقتضيات الواقع بعقلانية، وإصرار على التغيير، ومرونة في التعامل، والتمحور على المبادئ الإسلامية الخالدة، واليقين والثقة التامة بنصر الله تعالى.

مشروع الشيخ ياسين هو جهد مضن أفنى كامل عمره في سبيل أن يرى الأمة حرة ومتحررة من قيود الاستبداد والصنمية، ومن أجل أن تولد الفكرة من ينابيع الحقيقة الأبدية، ويولد الإنسان من جديد في رحاب الحرية والطهر والكرامة. مشروع الشيخ ياسين يخاطب الضمير العالمي، ويحاول أن يحرره من قيود الانقياد للاستبداد، ويدعوه ليكسر الأغلال، وأن يكون شاهدا على عصره كما كان الشيخ عبد السلام ياسين شاهدا على عصره، وترك لنا مشروعا حضاريا يستند إلى التجربة النبوية النموذجية. وتظل مهمة الإصلاح والتغيير مهمة مستمرة تتولاها أجيال بعد أجيال، فكما أن الشيخ ياسين كان ينتمي إلى جيل حمل على عاتقه مهمة التغيير، وذاق في سبيلها الويلات والعذابات، ولم يستسلم بل ازداد إصرارا، فكذلك نحن مسؤولون على عملية الإصلاح والتغيير والمساهمة فيه. وما تتعرض إليه أمتنا اليوم من حروب داخلية ودمار وموت وقتل وخراب يجعلنا أكثر إصرارا على تحمل مسؤولية التغيير، وتحقيق المشروع الإصلاحي الحضاري. يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: لا نظن أن القومة جهاد جيل وانتهى الرحيل، ما هي إبطال موجود، بل هي إيجاد مفقود. هي استصلاح وإصلاح، لا انتقام وشفاء غليل. طريق الجهاد طويل، يريد عملا ممنهجا، يريد تنظيم جهود، يريد تعبئة منظمة، يريد ضبطا وانضباطا، يريد استبشارا وتبشيرا لأنفسنا وللإنسان مهما تجهم الزمن في وجهنا، وكلَحت طلعته، واكفهَرَّت ملامحه…) 11 .

أخيرا ستظل كلمات الشيخ ياسين رحمه الله تدق في ضمير كل إنسان حي يحب الخير والعدل والسلام لكل الناس، وينشر الفضيلة وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون شاهدا على عصره حتى يكون من الشاهدين يوم الحساب. لقد رحل الإمام إلى جوار ربه ينعم برضائه، وترك المشعل للأجيال القادمة من بعده حتى تتولى مهمة التغيير والإصلاح، وتنشر العدل والحب والخير بين كل البشرية مثلما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد عاش الشيخ ياسين مؤمنا بفكرته، وأوقف حياته كلها في سبيل زرع بذرة التغيير والإصلاح لتكمل المشوار بعده أجيال أخرى ستسقي هذه البذرة بماء الحياة، وتولد براعم شامخات تتحدى كل قوى الشر، وترنو إلى الشمس هازئة من أعاصير الاستبداد والجور في كل أصقاع الأرض، ومتدثرة برداء الأمل واليقين التام بنصر الله تعالى.


[1] كتاب المنهاج النبوي: فقرة القومة الإسلامية.\
[2] كتاب العدل: فقرة قومة لا ثورة.\
[3] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة.\
[4] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب العدل، فقرة قومة لا ثورة.\
[5] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب سنة الله، فقرة القومة.\
[6] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب سنة الله، فقرة القومة.\
[7] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب المنهاج النبوي، فقرة من الفتنة إلى الإيمان.\
[8] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب المنهاج النبوي، فقرة من الفتنة إلى الإيمان.\
[9] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب العدل، فقرة دين الانقياد.\
[10] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب المنهاج النبوي، فقرة المرونة.\
[11] الشيخ عبد السلام ياسين، كتاب تنوير المؤمنات، فقرة مجاهدات.\