تقديـم

جماعة المسلمين ورابطتها) هو آخر كتاب صدر للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وبعده بقليل التحق بالرفيق الأعلى عز وجل. ويعد الكتاب، وهو في 120 صفحة، حلقة في سلسلة كتب دولة القرآن. وبالرغم من صغر حجمه فهو كتاب بالغ الأهمية، ويحمل بين طياته أفكارا وتصورات واجتهادات جديرة بأن تُؤخذ مأخذ الاهتمام والمناقشة والاعتبار والتحليل.

إنه كتاب يكشف لنا كيف قاتل السلطان القرآن، وكيف انفصلت فيه الدولة عن الدعوة بسبب ما عرفه التاريخ الإسلامي من انكسار. وفي السياق ذاته يحذر المؤلف رحمه الله من حاضر اشتدت فيه أسباب الفتنة وعوامل الجاهلية، بما كسبت أيدي العض والجبر ودعاة التربية المضادة تركة الاستعمار، كل هذا ليبعث فينا الهمة والطموح نحو بناء مستقبل دولة القرآن، دولة الشورى والعدل والإحسان بمعاني الإيمان والهجرة والنصرة والولاية الجهادية لا بالانتظار.

والكتاب في شكله المتوسط يحمل في دفَّته الأولى عنوانا بارزا، “جماعة المسلمين” مكتوبا بلون أبيض يدل بتألقه على الصفاء والنقاء، ومعطوفا بعبارة “ورابطتها” بلون بُنّي داكن دال على قوة هذه الرابطة وصلابتها. وخلف العنوان ضباب يحيل بإبهامه على واقع الفتنة الموروث عبر القرون، ومن وسط هذا الواقع تبدو سفينة النجاة وقد تماسكت ألواحها بحبل متين، تشق الطريق وكلها يقين، نحو شاطئ نصر موعود من الله ورسوله بشرى للمؤمنين. وعلى وجه الدفة الأخيرة للكتاب صورة للمؤلف الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. وتحت الصورة نص مقتطف من الداخل يلخص به الناشر فكرة الكتاب ومحتواه.

وللإشارة فالكتاب قدّم له عضو مجلس الإرشاد الأستاذ أبو بكر بن الحسن ابن الصديق مشيرا في سياق ذلك إلى قيمته العلمية ومكانته الفكرية. ليتلو هذا التقديم أربعة فصول، كل فصل منها تنضوي تحته عناوين بفقرات مختصرة لمعاني عظيمة وعميقة تسّهل على القارئ الانتقال من عنوان إلى آخر دونما كلل ولا ملل. وهذه الفصول بمجموعها تتناول محورين مهمين هما لبّ الكتاب وأسه:

– الأول: كيفية الجمع بين الدعوة والدولة لبناء دولة القرآن.

– الثاني: مفهوم جماعة المسلمين وأهم الروابط التي تربط مكوناتها.

على أن أمل صاحب الكتاب دائما في كتاباته هو أن يجد كل مسلم ومؤمن بغيته في العثور على أجوبة وحلول لمشاكل وعقبات تعترض الطريق إلى الله بالنسبة للفرد، وأخرى تعترض الطريق إلى الاستخلاف في الأرض بالنسبة للأمة.

المحور الأول: الجمع بين الدعوة والدولة

كان أمر الدعوة والدولة على عهد النبوة والخلافة الراشدة جمعا، تمثل فيه الدعوة قلبا رحيما، والدولة يدا حكيمة، الدعوة فيه هي الآمرة والدولة هي المنفذة، الدعوة هي الروح والدولة هي الجسم، ولا غناء لإحداهما عن الأخرى، فعملهما يتكامل لهدف نصرة الدين، ورفع راية الإسلام. ثم ما لبث هذا الأمر أن تفرق لانتقاض عروة الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. من هنا انحدر تاريخ المسلمين ليصل إلى ما وصلنا إليه من حالة الغثائية وحالة الحكم العاض والجبر. حالة نُحِّيَ فيها القرآن عن حياة الناس كليا، الدين في جانب والسياسة في جانب آخر. وانسلخت الدولة عن الدعوة وانقلبت عليها، وخاصمتها فتُرك أمر الصلاة والزكاة، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر مقتضيات الإيمان وأحكام الشريعة وحدودها وفرائضها لتبقى إن بقيت في تقوى فردية لا تحرك ساكنا تكتفي بالحوقلة العاجزة في أركان المساجد 1 .

هكذا يصف لنا صاحب الكتاب كيف بدأ تاريخ الدعوة والدولة وهما مجتمعتان، وكيف انشقتا بعد ذلك، فقاتل السلطانُ القرآنَ قتالا بكل الوسائل من رشوة وقمع ومنح ومحن، وبالأدوات المتطورة اليوم المجهزة بأحدث أساليب المكر والاغتيال والتآمر. وآخر نتاجٍ لهذا القتال هو قيام الدولة القومية التي خلفها الاستعمار بعد انسحابه الشكلي من أراضي المسلمين. هذه الدولة هي الصيغة الغربية الجاهلية التي تلخص جميع الآفات التي جاء الإسلام ليخلص العالم الإنساني منها. وهي العصبية للجنس واللغة والتاريخ، والتكتل القومي الحزبي والأنانيات الفردية والجماعية والاستعلاء باللون والتفاخر بالأموال والأولاد 2 .

وبعد توصيف الواقع الفتنوي للأمة بالمنظار النبوي الكاشف يطرح الكتاب العلاج بالرجوع إلى المنهاج النبوي في التربية والجهاد والحكم، ورأب الصدع بين الدعوة والدولة لبناء دولة القرآن. مؤكدا في سياق ذلك على أن الركيزة الأولى والأساسية في هذا البناء هي العنصر البشري وروابطه. وما هذا العنصر إلا المؤمنون من المهاجرين والأنصار، وأما روابطه فتجمعها الولايتين العامة والخاصة.

وإذا كانت الولاية العامة يجسدها قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمناتُ بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهَوْن عن المنكر ويُقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله 3 . فإن الولاية الخاصة أو الولاية الجهادية هي الأعلى مقاما والأكثر مطلبا من سابقتها، فهي تشترط إلى جانب المعاني التي تجمع الولاية العامة معاني الهجرة والنصرة والإيواء والجهاد، وتُحدّد هذه الولاية الجهادية الخاصة بكل وضوح الآياتُ الأربع من أواخر سورة الأنفال. يقول الله تعالى: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا.. (حتى) إن الله بكل شيء عليم 4 .. 5 .

المحور الثاني: مفهوم جماعة المسلمين

في هذا المحور ينطلق الأستاذ المرشد رحمه الله من مبدأ ضرورة لزوم جماعة المسلمين، وواجب الوفاء لها ببيعة إمامها، وأن أي إخلال بهذا البند يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، وذلك بدليل أحاديث نبوية في الموضوع. بعد هذا تعرض لمفهوم جماعة المسلمين وما يعرفه من تشويش وغموض بين شباب الدعوة بزعم كل تنظيم هو (جماعة المسلمين) وغيره من خوارج. حتى أصبح التعدد في التنظيمات والجماعات يزيد من صعوبة جمع شتات الأمة إلى جانب تعدد دويلات الفتنة. هذا الواقع المجزأ والمشتت يؤلم حقا كل مسلم ومؤمن غيور على دينه، ولكن العواطف المتأسفة لا تفيد كما يقول الأستاذ رحمه الله. بل لا بد من العمل على جمع الأمة من التفرق الغثائيِّ الخموليِّ، ومن اختلاف المذاهب، ومن تعدد المناهج والحركات، ومن قطرية الدويلات القومية، لمهمة ما سبق في الإسلام أن تصدى لمثلها جيل، ولا قاربها في سمو المطمح وخطورة التحدي ووُعورة الطريق سابقة) 6 .

وبعد مناقشة الأستاذ رحمه الله لمفهوم (جماعة المسلمين)، وكيف يحصره البعض في تنظيم معين، ويتصوره البعض الآخر في جمع المسلمين على كلمة واحدة من أفراد متفرقين غير مكتملي الفكر والتربية والتجربة، وكيف يريده البعض بناء هذه الجماعة من فوق والبعض الآخر يريده من تحت، والبعض يفهمه عملا عالميا والآخر قطريا، بعد ذلك، انتقل الإمام رحمه الله إلى عرض تصوره المنهاجي لمفهوم جماعة المسلمين. هذا المفهوم الذي كان له صدى تاريخيا عند العلماء يتردد سؤاله في كل عصر ومصر. ففي البدء أورد رحمه الله مجموعة آراء وأقوال علماء الأمة وفقهائها في تعريف (الجماعة) والتي أوردها الإمام الشاطبي رحمه الله في كتاب (الاعتصام) منها:

– أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام.

– أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين.

– أنها جماعة الصحابة على الخصوص، فمن خالفهم ضلّ.

– أنها جماعة أهل الإسلام.

– أنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير. رأي اختاره الطبري رحمه الله.

ومن هذه الأقوال والآراء يخرُج الإمام الشاطبي برأيه الذي يلخصه في كون جماعة المسلمين هم العلماء المتصدرون لقيادة العامة، وأن الاعتبار لهم أولا والسواد الأعظم لهم تبع) 7 . وتبعا لذلك، لا يختلف الأستاذ المرشد رحمه الله مع الشاطبي حول هذا التعريف بل يشترك معه فيه، لكن في منطوقه العام، بينما يلتمس الأستاذ وراء هذا المنطوق سنّة تنافي البدعة والضلالة منافاة شاملة في كل الميادين وليس في العقيدة والعبادة فقط، بل في الحكم والاقتصاد والقسمة أيضا. على اعتبار أن كلمة (جماعة) وكلمة (علماء) تبقيان بنفس الوظائف الجهادية تماما كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه وأصحابه رضي الله عنهم 8 .

وقد صاحب تحديد الإمام لجماعة المسلمين مجموعة من الأسئلة تعرض الكتاب للجواب عنها من قبيل كيفية التعامل مع تعدد التنظيمات الإسلامية داخل الجسم الواحد، وكيفية الجمع بين القطرية والعالمية في بناء الجماعة، وحق المعارضة في الحكم وانتقاده، ونوعية القيادة المطلوبة هل ستكون جماعية أو فردية؟ وفي الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها يقترح المؤلف لتعدد التنظيمات رابطة تعاون وتعاقد لتوحيد الصف داخل القطر الواحد. ويقترح للجمع بين القطرية والعالمية مبدأ التنسيق والتآزر والدعم وتبادل المعلومات والرأي وتوحيد الأهداف الجزئية وتقريب الشقة. ولِحق المعارضة والانتقاد وجود في الواقع إذا كانت للمساهمة في البناء وليس في التخريب والعمل على التآمر والافتراء. أما في ما يخص القيادة المطلوبة فيقول بالتركيز على تشخيص القيادة في رجل مختار مسؤول حوله تدور رحى الجماعة والجهاد 9 .

ليختم هذا الحديث الكامل عن جماعة المسلمين وروابطها وقيادتها بالتذكير، بل بالتحذير من أمراض قد تصيب الجماعة في مقتل، إن وجدت منفذا لتتسرب إليها من الداخل، وعلى رأسها: العُجب والبِطانة. وهما مرضان خطيران يُنقصان من كفاءة المؤمن ويحطّه إلى درجة العامة. وأهم عمل يؤكد عليه الإمام للوقاية منهما ومن غيرهما من الأمراض هو ذكر الله والاستغفار والإنابة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 10 .

خاتمـة

إن مما يمكن الإحساس به وأنت تقرأ كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن هناك شيئا ما ينفذ إلى العقول والقلوب، ويحرك في القارئ حافز التفكير والعمل، ويجعله يتحمل قسطا من المسؤولية الفردية والجماعية أمام الله، وأمام نفسه وأمته والتاريخ. كتابات لها خطاب واضح، يتسم بالجرأة في التحليل، ويمتاز بأسلوب شائق يحس معه القارئ بانسجام في المنطق والعقل. ويجد عند قراءته في كل فقرة جديدا، وفي كل فكرة أفكارا أخرى إلى جانبها.

أو بعبارة أخرى، فإن كتابات الإمام رحمه الله هي عبارة عن أفكار وتصورات واجتهادات نابعة من قلب رجل حرّ بلا شك، تمخضت عن حياة كلها جهاد، فلم تكن يوما ولا للحظة لنشر الإرهاب ولا للدعوة إلى التخريب وخرق القانون، إنما وُضعت لصياغة الإنسان صياغة جديدة على ضوء الكتاب والسنة. إنسان يحظى بحريته عبوديةً لله، وبكرامته باعتباره مواطنا أبيا، وبعدالته بوصفه إنسانا له الحق الكامل في الحياة. مكتوباتٌ وضعت في الأصل لجمع شتات أمة تطمح أن تعيش حكما شوريا رشيدا بكل المعاني الحقيقية للعدل والإحسان.


[1] عبد السلام ياسين، جماعة المسلمين ورابطتها، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2011، ص: 35-36.\
[2] المرجع نفسه، ص: 43.\
[3] التوبة، الآية: 71.\
[4] الأنفال، الآية: 72-75.\
[5] جماعة المسلمين ورابطتها، (م.س)، ص: 54 وما بعدها.\
[6] المرجع السابق، ص: 67-68.\
[7] نفسه، ص، 78.\
[8] نفسه، ص: 75 وما بعدها.\
[9] نفسه، ص: 83 و85 و87 و98.\
[10] انظر: نفسه، ص: 113- 115.\