طلب مني الزملاء في موقع “الجماعة. نت” أن أكتب مقالة عن عبد السلام ياسين مؤسس أكبر جماعة إسلامية في المغرب بمناسبة ذكرى غيابه الثانية، فحرت في الأمر كثيرا، لأني لم أجد من جديد يمكن أن أكتبه عن الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في حياته وبعد مماته. فماذا عساي أضيفه من جديد بعد كل ما سطره هو نفسه في كتبه وما كتب عنه وعن أفكاره. فالحديث عن فكر الرجل سيكون مجرد تحصيل لما هو محصل بين دفات كتبه وهي كثيرة العناوين غنية الأفكار وغزيرة المعاني، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها.

مقالتي هي أقرب إلى الانطباع، وأبعد من الشهادة بمعنى التدوين والتسجيل لما شاهدته أو عِشته، فلم يسبق لي أن التقيت الرجل إلا في مناسبة واحدة عامة، عندما رفع الحصار عنه لأول مرة نهاية تسعينات القرن الماضي، وحضرت أول ندوة صحفية يعقِدها بعد زهاء عشر سنوات من الحصار الجائر داخل مسكنه في “حي السلام” بمدينة سلا. وقد كان لافتا، بالنسبة لي علي الأقل، حرص الرجل على شكر بعض الصحفيين بالاسم ممن كانت لهم الشجاعة آنذاك للحديث عن حصاره الذي كان الكثيرون يخافون حتى الإشارة إليه، وبالأحرى الدفاع عنه. وقرأت آنذاك في تلك الإشارة نوعا من العرفان الذي لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل شهم كريم.

أما زيارة الرجل في مسكنه المحاصر فتلك كانت مخاطرة لا يجرؤ عليها إلا قلة من النساء والرجال الشجعان، وما أنذرهم في ذلك الزمن الغابر. وتحضرني هنا حادثة لم تفارق ذهني، عندما سَرت شائعة، ذات مساء شتوي في بداية تسعينات القرن الماضي، عن رفع الحصار عن بيت عبد السلام ياسين، فهرعنا نحن مجموعة من الصحفيين المغاربة والأجانب للتأكد من صحة ما أُشيع. وعندما بلغنا إلى مدخل الزقاق الذي كان يؤدي إلى البيت المحاصر، أوقفنا عناصر من الشرطة بالزي المدني ومنعونا من العبور من أمام باب البيت الذي كان ينتصب أمامه مركز دائم للحراسة لا يفارقه شرطي بزيه الرسمي، ولم يكن يسمح بالمرور منه إلا لسكان الحي المسجلين في نفس الدائرة الإدارية. ونحن عائدون على أعقابنا فوجئنا بخروج شبحين من عتمة ظلام أحد الأزقة. كان الشبحان على هيئة رجلين وقد حاولا التخفي تحت غطاء رأس جلبابيهما التقليديين، وعندما اقتربا منا لم يكن الشبحان سوى عبد الإله بنكيران وصديقه الذي لم يكن يفارقه مثل توأمه، عبد الله بها، فبادرنا بنكيران بالسؤال همسا عما إذا كانت شائعة رفع الحصار صحيحة، وعندما أكدنا له عدم صحتها، اختفى الشبحان من جديد مهرولين وسط عتمة الظلام. تلك أيام قد خلت لها ما كسبت ولأهلها ما اكتسبوا.

رؤيتي، إذن، لمؤسس جماعة “العدل والإحسان” ليست رؤية شاهد عيان، ولا علاقة لها بالرؤى التي جَلبت على الجماعة الكثير من النقد وأفقدت خطابها السياسي الكثير من المصداقية في لحظة حرجة من تطور مسارها المذهبي. وإنما هي تلك الرؤية التي انطبعت لدي، كمراقب، عن رجل عاش فريدا بأفكاره بين أقرانه، ومتفردا بمواقفه في زمانه. فهو كما رأيته وما زلت أراه كذلك، صاحب مواقف شجاعة، وإرادة من حديد لا تلين، وإصرار على المبدأ حتى لوكان ثمن ذلك الإصرار السجن والحصار والرمي بالجنون.

عبد السلام ياسين كما رأيته هو ذلك الرجل الشجاع الذي لم يتردد في مخاطبة ملك طاغية في رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” بكلمات قاسية وعارية ومباشرة، تنضح شجاعة وتصدح صدقا مع النفس. حدث ذلك قبل أربعين سنة، عام 1974 في أوج سنوات الجمر والرصاص، عندما كان الرجال يُرمون في غياهب السجون السرية، توجه ياسين برسالته مخاطبا الملك بقوة وجرأة ووضوح، ومذكرا إياه بمصير فرعون الذي طغى فانتهى غرقا هو وجنده. و يكفي الرجل شهادة على شجاعته رسالته تلك التي قام من خلالها بالنصيحة لملك طاغية متجبر مضحيا بحياته وحياة أسرته. فما أحوجنا اليوم إلى مثل هؤلاء الرجال الشجعان. فمن يجرؤ اليوم من علماء ومثقفين أن ينبس ببنت شفة في وجه الملك الحالي، الملك الغاضب دوما، حتى لو كان ناصحا، وبالأحرى محذرا ومنذرا. ألم يرد في الحديث النبوي أن “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”، وبتلك الرسالة يكون عبد السلام ياسين قد حاز شرف أفضل أنواع الجهاد.

الوجه الثاني المُشَرِّف في مسيرة عبد السلام ياسين، هو كونه صاحب مبدأ وفكر وقناعات، لا يهم إن اختلفنا أو اتفقنا معها، لكن ما سيبقى من ذكر الرجل أنه لم يَحِد عنها أو يُغيِّرها أو يساوِم عليها أو يبتز بها، رغم السجن والحصار وكل أنواع الإكراه الذي تعرض له في حياته. فهو من تلك الفئة القليلة التي قال فيها القرآن الكريم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا وعبد السلام ياسين مات ولم يُبدل أو يتبدل.

لقد ظل ياسين، بمواقفه وصموده وثباته على المبدأ، يخيف السلطة حتى وهي تعتقله أو تحاصره أو تراقبه. واستمر هاجس الخوف منه يطاردها حتى بعد مماته، بل حتى وهو جثمان مسجي محمول على الأكتاف، عندما مُنع موكبه الجنائزي من عبور شارع محمد الخامس بقلب الرباط، ففاضت شوارع وأزقة المدينة القديمة الفاصلة ما بين مسجد “أهل السنة” ومقبرة “الشهداء” بآلاف المشيعين في مشهد قذف الرهبة في قلوب السلطة وقض مضاجع عيونها. فكانت تلك الجنازة، بحق، أكبر موكب جنائزي شعبي شهده المغرب المعاصر، قاطعه الرسميون والمسؤولون الحكوميون والسياسيون بتعليمات سامية صارمة لم يجرؤ على تجاوزها حتى رئيس الحكومة الإسلامي ووزراء حزبه “حمائمهم” و”صقورهم”، وخاف الاقتراب منه الطامعون في رضى السلطة عنهم والساعون إلى استجداء عطفها عليهم واستدرار مِنَحِها لهم.

لقد كانت جنازة الرجل أكبر تكريم له، وصمود جماعته ووحدتها حول مبادئه حتى بعد غيابه عنها أصدق دليل على قوة ورسوخ بنائه أو “تربيته” كما في مفهومه هو، لكن يبقى فكره ومنهجه كما كان دائما محل اختبار لِما يُفتعل داخل المجتمع من تطورات وتغيرات، وستُثبت الأيام مدى قدرة جماعته ليس فقط على الاستمرار والبقاء كقوة هادئة، لكنها سلبية، أو على الأقل معطلة، كما هي اليوم، أو الاستمرار كقوة هادئة لكن بمفاعيل أكثر تفاعلا وإيجابية مع القوى الحية والديمقراطية داخل المجتمع. ورفع هذا التحدي سيكون هو أكبر تكريم وذِكر للرجل في غيابه الأبدي.