فيما يلي نص الكلمة التي ألقاها الدكتور عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، في افتتاح ندوة التغيير في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله)بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الإمام، والتي نُظمت يوم السبت 13 دجنبر2014 / موافق 20 صفر 1436 بمقر الجماعة في مدينة سلا.

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

أيها السادة، أيتها السيدات، الحضور الكرام: السلام عليكم ورحمة الله

سأتناول في هذه الكلمة الافتتاحية ثلاثة محاور:

الأول: دواعي اختيار هذا الموضوع −التغيير− لهذه الندوة

الثاني: تنبيهات حول كتب الأستاذ رحمه الله ومنهجه في الكتابة

الثالث: ياسين بعيون منتقديه

المحور الأول: دواعي اختيار هذا الموضوع −التغيير− لهذه الندوة

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو لماذا تم اختيار هذا الموضوع لهذه الندوة؟ هناك عدة أسباب يمكن إجمالها كالآتي:

1. أهمية الموضوع في المرحلة الراهنة

فالذي ينظر إلى أحوال البلاد العربية والإسلامية اليوم، بل وإلى أحوال جل البلدان المصنفة من العالم الثالث، لا شك يجد أن الهم الكبير الذي يشغل بال هذه الشعوب، ولاسيما النخبة المهمومة بأوضاع أوطانها، من مفكرين ومثقفين وسياسيين، هو كيف يتأتى تخليص هذه البلاد من الفساد والاستبداد والتخلف وما يرتبط بهذه الأوبئة من مآس امتدت لعقود، بل لقرون في بعض البلاد؟ كف يمكن تجاوز هذه الأوضاع البئيسة التي تعيشها هذه الشعوب رغم ما تزخر به أراضيها من ثروات وخيرات؟ وكيف يستبد بأمرها فرد أو أسرة أو طبقة محدودة العدد تستحوذ على كل شيء في حين أن السواد الأعظم يعاني التهميش والذلة والإقصاء من المشاركة في تدبير شؤونه؟

هذه الأسئلة لاشك تقض مضاجع كل الغيورين على بلادهم وشعوبهم، بل كل ذي مروءة يكره الظلم ويستفظع الاستغلال البشع الذي يشكوه أكثر أهل الأرض، وبلادنا العربية والإسلامية بصفة خاصة. فلا عجب أن يهتم بموضوع التغيير كثيرون، كل من زاوية اختصاصه واهتمامه. يتحدث عنه الساسة، وينشغل به الباحثون والأكاديميون، وتعتني به الجامعات ومراكز البحث. ورغم الإنتاج الفكري الهام الذي أصبح متوفرا، فإن النقاش لايزال مفتوحا، وليس هناك ما يفيد على أنه سينتهي قريبا.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا عجب أن يكون الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله قد انشغل بهذا الموضوع لسنين طوال، وبذل فيه جهدا مضنيا حتى تبلورت لديه رؤية متكاملة، أقول متكاملة ولا أعني أنها بلغت الكمال. فهذا ما لم يدعه الأستاذ رحمه الله قط، وما أكثر ما كان يقول: “ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” للتأكيد على أن عمل البشر لا يخلو من خلل ونقص، وأن الكمال يبقى دائما وأبدا لله عز وجل.

وسواء اتفقنا أم لم نتفق مع اجتهاداته، جزئيا أو كليا، فإن الذي يعنينا في هذا المقام هو التأكيد على أنها تمثل عصارة سنين طويلة من الاجتهاد في الاطلاع والتأمل والنظر في تجارب الأمم فضلا عن الضراعة بالليل والنهار سائلا العليم الخبير الهدى والرشاد. وقد كان من عادته، كما سمعته منه، أن يقوم في جوف الليل، يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو الله، ثم يجلس مستقبلا القبلة للكتابة، رحمه الله.

ويعنينا أيضا أن نثير الفضول المعرفي لدى من لم يطلع إلا قليلا عن بعض ما كتب، أو لم يطلع بعد ليكتشف اجتهاده وآراءه حول موضوع غاية في الأهمية ثم يحكم بنفسه، لا تثريب عليه ألا يتفق مع بعض أو جميع ما جاء به رحمه الله. فالمهم هو ألا يعتمد على الوسائط التي قد يكون منها المنبهر الذي لا يلتفت إلى النقص ويبالغ في الإطراء، والمشوش الذي يستصعب أن يعترف لغيره بفضيلة.

2. تعدد وجهات النظر داخل وخارج الحركات الإسلامية

ومما يضفي على الموضوع أهمية خاصة هو تعدد النظريات ووجهات النظر بشأنه سواء داخل الحركات الإسلامية أم خارجها. فالذين يستندون إلى مرجعيات أو منظومات فكرية لا دينية أو علمانية لهم آراء وأفكار وتصورات يتفقون على بعضها ويختلفون في أخرى. والذين ينطلقون من المرجعية الإسلامية ليسوا كتلة صماء؛ فهم أيضا لهم أفكار وآراء وتصورات، يتفقون في مسائل ويختلفون في أخرى. وإنه لمن المفيد للمهتم أن ينأى بنفسه عن النظرة الاختزالية أو التعميم ليعرف على وجه الدقة ما يطرحه كل طرف.

فالحديث عن التغيير مثلا موضوع هذه الندوة يثير تساؤلات كثيرة، ولكل أجوبته التي قد تتفق مع أجوبة الآخرين أو تختلف. من ذلك، مثلا، ماذا يعني التغيير الذي يتحدث عنه كثير من الناس؟ من أين يبدأ؟ من فوق أو من تحت، من الإنسان أو المجتمع أو النظام السياسي؟ وإلى أين ينتهي؟ ما هي أهدافه، ووسائله، وغاياته؟ وما هي الشروط الضرورية لتحقيقه؟ وكم يستغرق من الوقت والجهد؟ وما هي العقبات التي تعترضه؟ وما طبيعة هذه العقبات؟ نفسية، اجتماعية، سياسية، أم كل ذلك أم غير ذلك؟

أسئلة كثيرة وتفاصيل هامة لامناص للباحث والمهتم من معرفتها لتكون الصورة واضحة لديه عما يطرحه كل طرف سواء أكان فردا أم حركة أم حزبا سياسيا. وفي مكتوبات الإمام ياسين رحمه الله إجابات ضافية عن هذه الأسئلة وأمثالها تكفي لتبيان اجتهاده في الموضوع، وهو اجتهاد، كما يقول، بذل فيه عصارة فكره، وعصارة رغبته في نصرة دين الله عز وجل (انظر حواره).

3. قلة المعرفة بفكر الأستاذ رحمه الله ورؤيته للتغيير خاصة

ويرجع ذلك إلى عدة أسباب نذكر منها:

أ‌) الحصار: ويتمثل في السياسة التي اعتمدتها السلطة الحاكمة في هذا البلد تجاه الأستاذ رحمه الله منذ أن بدأ يبسط أفكاره وتوجهه الجديد في الأعداد الأولى من مجلة “الجماعة” التي تم إيقافها في بداية الثمانينات بوصف ذلك واحدا من الإجراءات المتخذة لتبقى أفكار الرجل حبيسة نطاق ضيق جدا، لا يسمع بها أو عنها أحد. ومن الإجراءات أيضا أن المطابع كانت تمنع من طبع كتبه، وشركات التوزيع تؤمر بعدم توزيعها أو عرضها في الأكشاك والمكتبات والمعارض. وما طبع إنما كان يتم بعد اللتيا والتي، وينتقل من يد ليد، وبالطرق التقليدية. واستمر الأمر على هذه الحال مدة طويلة. غير أن الوضع قد تغير نسبيا مع تطور التقنيات المعاصرة، وتوفر وسائل بديلة مثل الأنترنيت وغيرها مما جعل الأنظمة التي تضيق بالأفكار التي لا تعجبها عاجزة عن فرض الرقابة التي كانت تمارسها أيام زمان. وهذا لا يعني أن الحصار السياسي والإعلامي قد انتهى. ولو كان الأمر كذلك، لكنا اليوم نلتقي في فضاء أوسع ومع عدد أكبر من الضيوف الأعزاء.

ب‌) حملات التشويه المنتظمة: هذا وفي الوقت التي تمنع فيه السلطة كل الفرص أو تقلصها إلى أبعد الحدود لعرقلة التعريف بمشروعه، فإنها لم تدخر وسعا في التحريض، خفية وعلنا وعبر كل الوسائل الممكنة، على تشويه أفكاره ومواقفه وذلك منذ خطا أول خطوة نحو العمل الحركي المنظم في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات. لذلك فمن الطبيعي والحالة هذه أن تظل الصورة مضببة لدى كثير من الناس، والناس أعداء ما جهلوا، ومن الطبيعي أيضا أن تظل معرفة كثيرين، ولمدد متفاوتة، قليلة أو مغلوطة لما يدعو إليه الرجل وما يريده لهذا البلد وللأمة بل وللإنسانية جمعاء. لقد كانت الإشاعات والأكاذيب تتدفق دونما انقطاع، حتى إنهم قتلوه عدة مرات قبل أن يتوفاه الله يوم 13 دجنبر 2012. والغريب في الأمر أن هذه الإشاعات على تفاهتها كان منها ما يجوز حتى على بعض من ينتسبون إلى دائرة العلم والبحث الذين يفترض فيهم أن يكونوا أبعد الناس عن الإصغاء إلى أقاويل مرسلة لا تستند إلى دليل.

ت‌) الحرمان من التواصل مع عموم الناس: عندما بدأ الأستاذ رحمه الله مشواره الدعوي، بادر إلى تأسيس مجلة الجماعة للتواصل مع عموم الناس، لكن هذه التجربة وئدت سريعا، ثم تلتها محاولات لإصدار جريدة يومية أو أسبوعية أجهضت كلها في المهد. ولاشك أن الحرمان من هذه الوسائل من أجل المواكبة والتفاعل مع المستجدات لتبيان الموقف والتوضيح والتصحيح قد ساهم في ترويج الكثير من الدعايات الكاذبة والتعتيم على مواقف الإمام رحمه الله واجتهاداته. وحتى عندما بدأت جماعة العدل والإحسان تحاول تجاوز هذه العقبات بتأسيس مواقع إلكترونية لها، كانت إلى عهد قريب تتعرض للحجب المتكرر، وهو ما نددت به في حينه منظمات حقوقية محلية دولية، فتوقفوا عن هذه الممارسات ليتحولوا إلى بدائل أخرى لا يتسع المجال لذكرها هنا.

هذه بعض العوامل التي تضافرت مع أخرى لتشكل حواجز سميكة ضيقت إلى أبعد الحدود فرص تعرف كثير الناس على أفكار واجتهادات الأستاذ الإمام رحمه الله. ولولا فضل الله ثم إن الكلمة الصادقة لابد أن تجد لها منافذ، لما عرفت دعوة الرجل هذا الانتشار المبارك.

المحور الثاني: تنبيهات حول كتبه ومنهجه في الكتابة

ومما ينبغي الانتباه إليه:

1. ضرورة التحري لمعرفة ما انتهى إليه رأيه في المسألة المطروحة

وهذا يقتضي الاطلاع على أكثر من كتاب من كتبه التي تجاوزت الأربعين وتغطي مساحة واسعة من القضايا. وبعض هذه القضايا قد تناوله في جل مكتوباته، وضمنها موضوع التغيير. فتارة يفصل وتارة يوجز، ومرة يتناوله من زاوية معينة ومرة يقاربه من أخرى. كل ذلك حسب السياق أو ما تجمعت لديه من معطيات جديدة، أو لتسطير ما استقر عليه اجتهاده في المسألة بعد إمعان نظر وزيادة تمحيص، لاسيما وأنه رحمه الله لم يكن جامدا، ولا يتردد في تغيير رأي إن بدا خطؤه. ومما كان يقول إن الذي لا يتغير فهو حجر يتيمم عليه. لذلك ينبغي التأكد من رأيه النهائي في المسألة موضوع البحث، كما ينبغي التنبيه على أن كتبه ليست جزرا مستقلا بعضها عن بعض، وإنما هي مترابطة بوشائج شتى ومن ضمنها القضايا ذات الأهمية الخاصة كمسألة التغيير.

2. ضرورة الانتباه إلى التسلسل التاريخي لصدور مؤلفاته

فهذه النقطة مرتبطة بالتي سبقتها، وهي مهمة لمعرفة التطور الفكري للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله وما انتهى إليه اجتهاده في المسائل التي بحثها. فإذا عدنا إلى ما كتبه في بداية السبعينات، وأعني كتابيه، “الإسلام بين الدعوة والدولة” و”الإسلام غدا”، فسوف نجد أن النفس الذي كتب به ذينك الكتابين هو غير النفس الذي كتب به لاحقا، ابتداء من كتاب “المنهاج النبوي” وما تلاه من تآليف. في المرحلة الأولى كان يكتب بنفس “إصلاحي”. كان ينتظر أن تأتي المبادرة إلى الإصلاح من فوق، لكن لما لم يأت ما كان يؤمله، غير موقفه، وخرج من التلميح إلى التصريح، ليؤكد بأنه لا أمل في التغيير في ظل نظام الفساد والاستبداد. لذلك فالذي يريد أن يتعرف على رؤيته السياسية بالاعتماد على ما كتب في تلك المرحلة، سيكون قد اعتمد المصدر الخطأ.

والشيء نفسه ينسحب على ما تكرر في بعض كتبه من عناوين بعض الفصول والفقرات. فاستحضار السياق الزمني مفيد جدا لمعرفة السابق من اللاحق. وحتى عندما يكون اللاحق امتدادا للسابق، فإن مقاربته لا تتم بطريقة واحدة، ولا المضامين تتماثل كليا، فربما استدرك على أمر قد فاته، أو زاده توضيحا، أو أرفد موقفا من قضية معينة بحجج جديدة. ومما يعين على الوصول إلى المعلومة الصحيحة الانتباه إلى تاريخ تأليف الكتاب لا النشر. ففي بعض الحالات يكون قد أكمل الكتاب لكن نشره قد يتأخر سنوات، وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من ثلاثين سنة.

3. ضرورة الانتباه إلى منهجه في الكتابة

إن الذي يقرأ للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله لا شك يلاحظ تنوع الموضوعات التي تحفل بها كتبه، وطريقته في تناول تلك الموضوعات. وهذا راجع إلى سعة اطلاعه ومشاركته في كثير من حقول المعرفة، الإسلامية وغير الإسلامية. بيد أن الظاهرة الأبرز في كل ما كتب هو استحضاره الدائم لما يعتبرها قضية الإنسان الكبرى، وهي قضية معنى وجوده ومصيره الأخروي.

إن اهتمامه البالغ بهذه القضية جعلته ينأى بنفسه عن النسج على منوال المطارحات الفكرية الجافة، ويعتمد بدل ذلك أسلوبا متعدد الأبعاد، يناقش، ويحلل، ويعظ ويذكر، ويبث الأمل، وينبه، ويبشر، ويساعده في ذلك تمكنه من اللغة العربية التي تطاوعه للتعبير عن المراد وبالصيغة المناسبة للمقام. ولم يكن هذا المسلك منه رحمه الله اعتباطيا، أو عدم دراية بمناهج الكتابة المألوفة، لكنه منهج اختطه لنفسه عن وعي، وإيثارا لما يسميه بالأسلوب القرآني. لذلك أيا ما كان الموضوع الذي يبحث فيه، سواء كانت له علاقة بنظام الحكم أو بالاقتصاد والتنمية أو كان يناقش النظم السياسية المعاصرة أو غير ذلك، فإنه لا يترك الفرصة تمر دون تذكير الإنسان بالله واليوم الآخر، ودون دعوته بحرارة للنظر في ما يجعل لوجوده معنى، ولحركته غاية، تصل دنياه بأخراه.

المحور الثالث: ياسين بعيون منتقديه

هناك عدة دراسات حول فكر الأستاذ ياسين رحمه الله أنجزها مغاربة وغير مغاربة من بلاد عربية أو من أروبا وأمريكا وكندا. فمنهم من سلك منهجا وسطا، وحاول جهد الإمكان جمع المعطيات المطلوبة، رغم عائق اللغة بالنسبة للأجانب، وخرج بخلاصات منها ما قد يقبل أو يرد، لكنها جديرة بالاحترام لما تلمسه من صاحبها من جهد للفهم والإنصاف. لكن في المقابل هناك كتابات أخرى غابت فيها، مع الأسف، الموضوعية وغاب فيها الإنصاف. ويتجلى ذلك في أمور أذكر منها:

1. إصدار أحكام جاهزة دونما تثبت أو تدقيق

وأسوق هنا مثالين فقط. الأول هو أن أحدهم أراد أن يثبت أن الأستاذ عبدالسلام ياسين رحمه الله كان هو الجماعة، ويقرر في كل شيء، ويدير الجماعة كما لو كانت ضيعته الخاصة، والأعضاء إنما هم مجرد أتباع ليس إلا، فزعم أنه كان يعين كل نقباء الأسر في الجماعة. وهنا يتجلى ضعف الباحث الذي لا يتحرى الدقة أو لا خبرة له بالعمل الحركي المنظم، فيقع من حيث يدري أو لا يدري في أخطاء شنيعة. ترى كيف يمكن لياسين أو أي إنسان آخر، أيا ما كان موقعه أو قدراته، أن يعين مئآت الأفراد؟ فحتى لو أراد ذلك، فإنه يستحيل عليه عمليا. وحتى مسؤولو الأقاليم والمناطق لا يتدخلون في هذه المهمة كما يتجلى ذلك بوضوح في القوانين التنظيمية الداخلية.

وأما المثال الثاني فهو أغرب. لقد حاول أحد الباحثين أن يقيم نوعا من التقابل، لا أدري ما “الحكمة الأنتربولوجية” وراء ذلك، بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله من حيث الوضع الأسري، فزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كانت له بنت واحدة وهي السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وياسين أيضا له بنت واحدة هي السيدة نادية. ثم طفق محللا ومستنتجا دون أن يدري بأنه قد أعدم بفكرته ثلاث بنات أخريات للرسول صلى الله عليه وسلم، فضلا عن السيدة فاطمة وثلاثة ذكور وإن كانوا ماتوا صغارا وبأن للأستاذ ياسين ثلاث بنات وثلاثة ذكور كلهم لايزالون على قيد الحياة حفظهم الله. فكانت سقطة “معرفية” مخجلة. ليت الحصول على المعلومة التي بنى عليها فكرته كان صعبا، إذن لالتمسنا له بعض العذر، ولتركناها تمر كأن لم يقل وكأن لم نسمع، لكن أن تكون المعلومة متوفرة عند عامة الناس فضلا عن خاصتهم ثم يفوته ذلك، فهذا ينم عن رغبة في النيل من المتحدث عنه لا في مناقشة أفكاره.

2. التسرع في اعتماد أو تصديق تفسيرات لا تقوم على دليل معتبر

وأكتفي هنا بمثالين. الأول ويتعلق بتفسير الباعث الذي دفع ياسين رحمه الله لكتابة رسالته الشهيرة “الإسلام أو الطوفان” للملك الراحل الحسن الثاني. قالوا، وما أعجب ما قالوا، إنه كان يتعطش إلى الزعامة وإن كتابته إلى الملك مباشرة وبتلك القوة والصراحة كانت هي الخيار الوحيد المتوفر آنذاك لاكتساب “صورة العالم التقي الذي يتحدى السلطان الظالم”. وقد كان ياسين يبحث باستماتة عن هذه الصورة لبناء الكاريزما الضرورية لنجاحه السياسي. لابد وأن يضع المرء عقله جانبا لكي يصدق هذا الهراء. وكأنما الكتابة إلى ملك مثل الحسن الثاني وبتلك الصراحة مزحة مسلية أو لعبة آمنة بوسع أي كان أن ينخرط فيها ثم يعود معافى في بدنه آمنا سالما إلى سربه. أترك للحضور التعليق ولا أزيد.

وأما المثال الثاني فهو من كتاب لأستاذة تشغل كرسي الأمير الوليد بن طلال حياة الإسلام المعاصر وفكره) بجامعة هارفرد، وتوصف بأنها خبيرة في الإسلام والحركات الإسلامية. نحن إذن أمام باحثة من العيار الثقيل، لكن انظروا كيف ترجمت أو استساغت ترجمة نصوص من كتاب الإسلام أو الطوفان). يقول الأستاذ رحمه الله في مستهل رسالته:

إلى المولى الحسن بن محمد… المبتلى بالجلوس على “عرش أجداده”…

فترجمتها كالآتي:

To His Highness al-Hassan ibn Muhammad… tired from occupying the “throne of his ancestors”

الذي تعب من الجلوس على “عرش أجداده”…

فهل رأيتم “يا ناس” ملكا تعب من الجلوس على “عرش أجداده”؟ أين هو؟ دلونا عليه. “يا ريت” يكون عندنا، إذن لأرحناه ورحمناه.

والخلاصة هي أن الإنسان الذي تحركه الرغبة في الهجوم والتنقيص لا يقف عند حد، ولا يبالي بما يقذف به ولو كان غاية في السخافة. وأنا هنا لا أتكلم عن الصحافة الرخيصة، وإنما عن مجال يفترض فيه قدر مفيد من التحري والموضوعية.

أكتفي بهذا القدر وأترك المكان للسادة الأساتذة، شاكرا لكم صبركم وحسن إصغائكم.

عبد الواحد متوكل.

الرباط في 13 دجنبر2014 / موافق 20 صفر 1436.