على نفس إيقاع النقاش والحوار العلمي والفكري حول نظرية التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين، وبعد استراحة الشاي وأداء صلاة الظهر، انطلقت الجلسة الثانية التي اتخذت شكل مائدة حوارية بعنوان التغيير.. قضايا راهنة)، وتناولت بالنقاش محاور: التغيير بين النخب والشعوب)، وضرورة الحوار ومعيقاته)، وتدبير المرحلة الانتقالية).

شارك في الجلسة الثانية، التي سيرها الباحث في علم الاجتماع الأستاذ رشدي بويبري، كل من الدكتوران محمد مدني، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومحمد زاهد كول باحث تركي في الفكر الإسلامي، والأستاذة هند زروق الباحثة في الفكر الإسلامي وعضو الاتحاد العالمي لنساء المسلمين، والأستاذ خالد العسري الباحث في العلوم السياسية والفكر الإسلامي.

افتتح الأستاذ بويبري المائدة الحوارية بتجديد الترحيب بالحضور والمشاركين، ليؤكد الدكتور زاهد في بداية مداخلته على أن الإمام عبد السلام ياسين ينتهج خطابا جديدا لا يغيب دور النخب وصاحب معه عمل جماهيري في نفس الوقت)، وأنه نجح في الدمج بينهما، بينما قال الأستاذ العسري بأنـه ليس هناك شعب بدون نخبة، وأن رسالة الإمام الأولى كانت لشريحة من النخبة وهي العلماء وحثهم ألا يشرعنوا للاستبداد، وأن تتحرر إرادتهم من دين الانقياد)، وأن الرسالة الثانية كانت للنخبة المغربة من خلال محاضرة من أجل حوار مع النخبات المغربة) دعاها فيها أن تحرر وعيها.

ذ. رشدي بويبري\

الدكتور مدني أكد أن النقاش حول الانتقال في المغرب أصبح متجاوزا، وأن التغيير الديمقراطي يطرح مسألتي النخب والجماهير بشكل مختلف، وأن ما كتبه الأستاذ ياسين لم يكن من منطلق أكاديمي، لأنه يتحدث عن العلم النافع الذي له أهداف عملية)، وأن التصنيف العملي له أهداف سياسية والتصنيف الأكاديمي له معايير قد لا تتوافق مع التصنيف العملي)، وأضاف أن الثورة عند الأستاذ ياسين لها مفهوم قدحي.

الأستاذة زروق أشارت من جهتها إلى أن من شروط التغيير عند الإمام الإرادة الحقيقية للتغيير)، مشددة على أن دور الفرد عنده متكامل مع دور الجماعة، ولا ينفك المصير الفردي عن الجماعي في تكامل بين الدورين).

ذة. هند زروق\

الدكتور زاهد قال إن الأصل في النخبة أنها هي التي تقود)، غير أن غالبية الجماهير لم تعد تثق بالنخب.

من جانب آخر قال الدكتور مدني أنه من الطبيعي أن تدافع النخب الحاكمة عن الوضع القائم، وأن المشكل هو لدى النخب المعارضة، لأن داخل النخب المعارضة هناك إشكالات حقيقية وهي أنها مشتتة ولا يمكن لتغيير ديمقراطي أن يتم وهي مشتتة).

د. محمد زاهد\

وفي موضوع الحوار بين الأطراف المكونة للمشهد السياسي قال الأستاذ العسري أن مسار الإمام كان مساره حواريا)، وأنه لم يسع إلى تأسيس الجماعة إلا بعد أن جال المغرب بحثا عن النخب لتوحيد العمل. بينما قال مدني أن المسيرة الديمقراطية تتطلب صفا واسعا)، والتقطت الخيط الأستاذة زروق لتشير إلى أن الحوار يكون بين منطلقات مختلفة تجمعهم عوامل معينة)، وأن الإمام أكد على التركيز على أن الحوار اختيار مصيري، وأنه يؤكد أن هناك تناقضات بين الأطراف المختلفة ودعا إلى عدم قطع الرحم الإنسانية خاصة أن هناك دوائر مشتركة بينها.

د. محمد مدني\

وفي موضوع الميثاق، قال الدكتور زاهد أن ممارسة الحوار في مجتمعاتنا تختلف عن ممارسة الحوار عند الآخر من حيث المنطلقات والنتائج)، في الوقت الذي أشار مدني أن مشكل الميثاق ليس في أنه حلم، فمن حقنا أن نحلم، والميثاق الفكرة رائجة على الصعيد العالمي بالنسبة للمجتمعات التي تريد الخروج من الأنظمة السلطوية، لكن لا يمكن أن يتم على أساس أرضية بل أرضيات، وأن الميثاق ليس توافقا حول قضايا مختلف عليها، وأضاف أنه يُطلب التنافس واحترام وطمأنة الجميع حول الموضوعات الحساسة الحيوية، وأن الاتفاق يتم حول شروط مسبقة للمنافسة)، وأنه في الميثاق هناك أطراف ليس لها نفس القوة، ولهذا فالمسؤولية الكبرى تكون على القوى الفاعلة وهي المطالَبة أكثر بطمأنة الفاعلين الآخرين).

وقال العسري إنه ينبغي أن يُفهم أن الإمام بنى نسقا كبيرا ضمنه أنساق صغرى)، وأن الإمام يتحدث عن الميثاق بعد سقوط الاستبداد.

الدكتور مدني أكد أن للحرية معنيين: تحرير المجال العام، والحرية الفردية.

ذ. خالد العسري\

وفي موضوع المرحلة الانتقالية، قال زاهد أنها تحتاج إلى عقلاء وحكماء وإلا كانت المزالق خطيرة)، في الوقت الذي أكد العسري أنه يمكن التمييز بين مرحلة انتقالية حقيقية ومتوهمة، فالمراحل الانتقالية الحقيقية يبنى فيها نظام سياسي جديد، وقد حذر الإمام مبكرا من خلال مذكرة إلى من يهمه الأمر أن العهد الجديد ليس عهدا جديدا).

وبالنسبة للدكتور مدني فـالمرحلة الانتقالية انتقال من نظام سلطوي إلى ديمقراطي، والمرحلة الانتقالية من طبيعتها تكون ضبابية تحتاج إلى توافق الفرقاء حول قضايا معينة، والميثاق مخاطرة غير مضمونة النتائج ولكنها ضرورية، والمرحلة تطلب من الأطراف القوية أن تأخذ المبادرة وتطمئن باقي الأطراف).

في حين ختمت الأستاذة زروق مداخلتها بقولها إن من المهم في المرحلة الانتقالية أن تكون هناك قدرة على التواصل مع الجماهير.

ليختتم الأستاذ بويبري المائدة الحوارية التي تميزت بالنقاش الصريح والجاد في قضايا الحوار ومعيقاته والمرحلة الانتقالية ودور النخب والجماهير في عملية التغيير، كل ذلك في ظل نظرية التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله.