تركز نظرية المنهاج النبوي للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى أشد التركيز على أن مفتاح التغيير المنشود تغيير ما بالإنسان من حيث كونه معنيا بالنداء الإلهي “يا أيها الإنسان…” ثم يستتبع ذلك وبعد ذلك فقط كل تغيير ذي بال في ما ينتجه هذا الإنسان على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية و… وتغيير ما بأنفسنا تربية وتنظيما وزحفا هو وسيلة التغيير من غثاء لقوة) 1 .

والناظر إلى أحوال الأمة الراهنة يرى بجلاء هذه التحولات التي مبعثها الأساس هو إرادة التغيير في الميدان إقبال شديد على الإسلام من قبل هذه الأجيال الصاعدة العائدة إلى ربها، التي تكون بتكاثرها المبارك إن شاء مشكلة للحكام والسياسيين. فبالمؤازرة مع العمل الميداني التربوي نتنظم لنكون القوة الفعالة في التغيير، ولن نكون كذلك إلا إن كانت كل خطوة ميدانية تسير بنا على درب العمل الجهادي الكلي. لن نكون كذلك إلا إن تحولت كل شعبة من شعب الإيمان عملا في سلوكنا أفرادا وجماعة، يكون نموذجا مصغرا لحياة الأمة تحت ظل الإسلام. سلوكنا العملي يقول للناس بلسان الحال ماذا يعني الحل الإسلامي بالنسبة لمستقبل الأمة ومستقبل كل فرد وفئة. وبلسان المقال والدعوة والإعلام بكل وسائله) 2 .

كما تلح نظرية المنهاج النبوي للإمام ياسين رحمه الله على أن واجب الحداثة الحقة يكمن في التغيير؛ التغيير الذي ينتقل بالوجود السياسي من الاعتماد الكلي على أخلاق العقل إلى مرحلة يجمع فيها هذا الوجود بين أخلاق العقل وأخلاق القلب في تناغم، وعندها نكون بصدد سياسة رشيدة وحكامة إنسانية متوازنة، والتغيير عندئذ كما يشمل تغيير الذهنية يشمل أيضا تغييرَ النمَط السلوكي في اتجاه بناء حركة فاعلة في الدنيا، المؤسس أساسا على قواعد تربوية مبعثها قلب كل مومن فردا فرداً، ثم الكيان القلبي لجماعة المسلمين التي هي قلب الأمة الإسلامية، بدل التجمّد التقليدي، أو الانزياح الفكري المجرد، كل ذلك استعداداً للدار الآخرة والعودة الرضوانية المطمئنة القلب مكمن الداء، فإن صح فهو مركز الإشعاع، وهو العنصر الحاسم في معادلة وجود الأمة وانبعاثها، ما حديثنا عن مقاصد الشريعة ومطالب الشريعة….إلا أحلام طائشة إن لم يشتد قلب الأمة باشتداد قلوب المومنين على عزمة إيمانية وإرادة إحسانية تنهد أمامها العقبات وتنفتح أبواب الأرض والسماوات) 3 .

التغيير في المنهاج النبوي قيام من السقطة الكبيرة التي انحدرت فيها الأمة عدة قرون، فهي عملية طويلة المدى، معقدة، تريد الصبر والمصابرة. إنها قضية أجيال، وعلى الجيل البادئ في التحويل مسؤولية الدلالة على الخط القويم ومسؤولية توجيه الجهود وجهة البناء العميق لعقود من السنين قبل أن تقطف الثمار. الوعود البراقة الحماسية ضَرْبٌ من الهذيان يتفوه به الثوار إما نفاقا وإما جهلا بحقائق التغيير الاجتماعي. سرعان ما تنقشع الوعود الثورية عن واقع يستعصي على التغيير، وعندئذ يرتد الثوار جلادين سفاكين يقتلون طبقة اجتماعية ويضحون بأجيال) 4 .

لذلك كانت الحكمة ضرورية في التغيير في نظرية المنهاج النبوي، واقتضت الحكمة منابذة واضحة وصارمة لكل أشكال العنف وتأسيس موقف راسخ من الممارسات المتطرفة الغضبية العنيفة، يقول الإمام ياسين رحمه الله: شَرَى العنفُ وتفاقَمَ في العالم، وكان لبعض الإسلاميين انسياق مع منطق العنف حتى رَضُوا بصفقة غبن لما رَضُوا باستعمال السلاح في الضعفاء العُزْل كما استعمله اليهود والنصارى ويستعملونه في مذابح فلسطين وغير فلسطين. ولعلها دهشة المنتبه بعد طول رقدة، القائِم بعد قعدة، فهو يتهَجَّى حروف النور بصعوبة أرَتْهُ النورَ لَهباً. وإنما ينتقم من العُزْل الضعفاء الأضعفُ معنى وإن كان في يده السلاح) 5 .

وليست سلمية التغيير عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله خيارا تكتيكيا، أو مناورة مرحلية، بل هي قضية مبدئية متجذرة بقدر رسوخ الروح السلمية والقيم التربوية السامية التي يدعو لها الإمام في كل كتبه ورسائله، “الرفق” في مواجهة كل أشكال “الوحشيات”، دليل ذلك ما نقرأه له من تنظيرات بشأن التغييرات التي تصيب المجتمعات بعد سقوط الأنظمة الفاسدة، يقول: أما بعد نزع قوة السلطان من الأيدي الخبيثة فحاجة المؤمنين المحسنين لتؤدة الرفق وكظم الغيظ والعفو عن الناس تزداد إلحاحا. ذلك أن ماضي الفتنة لا بد أن يُخلِّفَ آثارهُ الفاسدة المفسدة المتمثلة في أقوام بأعيانهم وفي تضامنات وعصبيات ومصالح متحجرة مشتبكة مع مصالح جمهور الأمة. فالحل العنيف الصراعي الثوري الذي يوصي بالقتل والسفك وتخريب بَيْتِ كل من انتمى مرَّةً للماضي حل غير إسلامي. وليس الرفق هو السكوت عن الماضي جملةً. فلا بد من رد المظالم، ولا بد من كنس القُمامة، ولا بد من التغيير الجذريِّ. والرفق في هذه العمليات، والأناة فيها، وحقن الدماء هي الحكمة المطلوبة) 6 .

وقد ألح الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله على الجهر بكلمة الحق في وجه المستبدين وعصيانهم ومدافعتهم وفضح استبدادهم وفسادهم قدر إلحاحه على الحكمة والرفق والتدرج في التغيير، ولم يكن كل ذلك بمعزل عن طرق مختلف الإشكالات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يطرحها موضوع التغيير، وهذا ما ستسعى الندوة للإحاطة به من خلال ملامسة مجموعة من الأسئلة من أهمها: ما هو مفهوم التغيير عند الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله؟ وما هي مرجعيته ومقاصده؟ وما هو موضوعه ومجالاته؟ وما هي رؤية الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله لأسلوب التغيير ووسائله؟ وما هي مسؤوليات كل من النخب والشعوب في التغيير؟ ولماذا أكد الإمام ياسين كثيرا على الحوار؟ وما هي معيقات هذا الحوار وكيف يمكن تجاوزها؟ وما هي مقترحات نظرية المنهاج النبوي لتدبير المراحل الانتقالية التي هي من أصعب مراحل التغيير؟…


[1] ياسين، عبد السلام.المنهاج النبوي، ص 328.\
[2] نفسه، ص 232.\
[3] ياسين، عبد السلام، الإحسان 1 / ص 26.\
[4] ياسين، عبد السلام. سنة الله، ص 292.\
[5] ياسين، عبد السلام. العدل، ص 430.\
[6] ياسين، عبد السلام. الإحسان، 2/315.\