تحل الذكرى الثانية لوفاة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ولأن الرجل ترك رصيدا فكريا مهما، ولأن أفكاره جعلها فعلا يمشي على الأرض من خلال تأسيسه لجماعة العدل والإحسان، ولأن الإخوة القائمين على هذه الجماعة آثروا أن تكون مناسبة ذكراه فرصة للتذكير بأفكاره ومناقشتها والحوار معها، فإن هذه المقالة محاولة في التقاط أهم أفكاره رحمه الله من جهة وتدشين حوار جدي معها.

منهجنا في العرض

ابتغينا منهجا تركيبيا في هذه القراءة يتوخى المقاصد التالية:

1- محاولة تحرير بعض الأفكار الأساسية للفقيد رحمه الله، وتصويب وجهة فهمها بما يخدم تقريب وجهات نظر المتعددة في قضايا الشأن العام؛

2- مقاربة هاته الأفكار من زاوية حوارية، تبتغي “الاشتباك” الحواري معها ومع من يتبناها؛

3- إزالة بعض حالات الغموض في فكره، التي تبنى عليها أحكام قيمة مسبقة بدون التحقق والتحري في مضامينها.

وبالطبع، هذه محاولة لا تعدو أن تحمل في طياتها، دعوة ضمنية إلى جعل مناسبة تخليد ذكرى رحيله عنا، فرصة للتناظر وللحوار ولتقريب وجهات النظر، على قاعدة أن للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله تصور مجتمعي واضح في مجمل قضايا الشأن العام، يلزمه تقريب وتصويب وتهذيب واشتباك فكري راق في أسلوبه ومضامينه.

تعتمد هذه الورقة المحاور التالية:

أولا: في مضامين دعوى ودعوة ذ.عبد السلام ياسين للحوار؛

ثانيا: في معالم أنموذجه المجتمعي؛

ثالثا: خلاصات تأسيسية؛

رابعا: تساؤلات حوارية.

أولا: في مضامين دعوى ودعوة ذ.عبد السلام ياسين للحوار

نود التأكيد بداية، أن دعوة الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله للحوار تحمل في طياتها دعوى، لأنها دعوة من حيث الشكل إلى حوار بين الفرقاء ذوي المشارب الإيديولوجية المتعددة، وهي دعوى من حيث المضمون الذي تحمله لهذا الحوار، إذ لا يكتفي ذ. عبد السلام ياسين رحمه الله بدعوته للحوار فحسب.

ومع ذلك فنحن نمد اليد ونمهد الجسور لحوار ولقاء وتراض…هلموا إن شئتم نكن سواء على كلمة سواء…) 1 ، ولا يقترح فقط جدول أعمال هذا الحوار، هلموا بدلا من هذه المهارشة السطحية نعرض بعمق ما هو نوع المجتمع الذي تريدون ونريد…) 2 ، بل تمتد دعواه إلى عرض مجمل أفكاره حول ما قد يدور حوله الحوار كما سنبين.

في أهم مضامين دعوى الأستاذ عبد السلام ياسين:

1. الميثاق المسلم

تتأسس دعوى الأستاذ عبد السلام ياسين على فكرة ميثاق جماعة المسلمين) الذي يعتبره الكلمة السواء بين كل الفرقاء، هلموا يا إخواننا المسلمين الفضلاء الديمقراطيين إلى الكلمة السواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. هلموا يا مسلمين، إلى ميثاق مسلم المعنى والمبنى، مسلم القيادة والقاعدة، مسلم المبادئ والأهداف. ميثاق جماعة المسلمين يدخل فيه من يدخل من مكونات المجتمع، ويخرج عنه من يخرج، كل ذلك والمسلمون شهود، وكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حكم. هلموا نصف هذا الخلط الذي يجعل إسلام الناس أمرا مفروغا منه، لا يسأل أحد عن حقيقة إسلامه، ومقتضيات إيمانه. هذا الإسلام التقليدي اللاييكي فعلا، المنسحب المستقيل ضباب في ضباب) 3 .

ويعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أن هذا الحوار عليه أن يبدأ باتفاق حول مبادئ يجملها في:

2. العقلانية

إذ أن المشكل ليس لديه بين وجود تيار لاعقلاني وتيار عقلاني، بل في وجود عقلانيتين متمايزتين، عقلانية تعتبر العقل هو السيد، وعقلانية تنطلق من أن الوحي الكريم (قرآنا وسنة صحيحة) هو السيد يقول المثقف بسيادة العقل حين نقول نحن بسيادة الشريعة. يقول بسيادة العقل في مجال العلوم الكونية التجريبية فنوافقه. يقول بها في مجال تدبير المعاش وترتيب الحاجات البشرية من إدارة واقتصاد وصناعة، فنسير معه مقتنعين أن العقل المعاشي حظ مشترك بين البشر، وآلة يتفاضل في امتلاكها الأفراد والشعوب، مصقولة عند أولئك مهملة صدئة متخلفة عند هؤلاء .ونعترف أننا -معشر المسلمين- من “هؤلاء”، وأن من أشد ما نحتاج إلى استرداده العقل العلمي التجريبي الذي كان بين أيدي أجدادنا، ساهموا في تشييد صرح العلوم وأخذوا وأعطوا. فنحن نتعلم مما تأثل عند البشرية من هذه المكتسبات العقلية العلمية بلا تردد ولا شعور بالنقص، رائدنا في ذلك أن نستعمل هذه النعمة التي أنعم الله بها على الخلق لعمل الصالحات لا للتدمير، لنفع الخلق لا لبث القطيعة بينهم، لرفع راية الأخوة بين بني الإنسان لا لصنع الموت والكراهية. بهذا أمر الله، ولهذا جعل لنا عقولا. لكن مفهوم العقلانية الذي ينادي به المثقف المغرب يعني أول ما يعني تأليه العقل وسيادته، أي تأليه الإنسان وطغيانه وسيطرته على الطبيعة كما يليق بورثة الأسطوري برومثيوس الإغريقي الذي سرق النار من “الآلهة”. ذلك الرمز هو مرجعية العقلاني. فلا وحي هناك إذ لا إله غير الإنسان الذي اخترع فكرة الله إبان طفولته. فكلمة “عقلانية” في خطاب المثقف الحداثي تعني مثل كل كلمات قاموسه المفضلة: لاييكية، لا دينية. وفي خطابنا وعملنا لا يشرُف العقل البشري، ولا يرتفع بالإنسان من حيوانية “الإنسان الصانع” إلى كرامته الآدمية إلا إن تتلمذ العقل للوحي المنزل على الرسل عليهم السلام، وخدم مقاصد الشريعة ومشى في ركابها لا في ركاب الهوى والأنانية الفردية أو الطبقية، بورجوازية كانت أو نمنكلتورية) 4 .

3. الاجتهاد

ويحرر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله دعوى الاجتهاد مع فرضية التسليم بسيادة الشريعة عند بعض من هؤلاء الفرقاء، تلك الدعوى التي سرعان ما قد تنقلب تمردا وتجاوزا للضوابط والحدود المقررة شرعا، فيبين أن هذا الاجتهاد لابد له من ضوابط وأن العقل المجتهد لابد له من شروط، حتى يكون اجتهاده مع النص وانطلاقا من النص وفي النص، وليس خارج ضوابط الشرع بما ينتج أحكاما مخالفة للنص ذاته، فالعقل المجتهد هو، إما مجتهد في فهم النصوص واستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية في نصوص الوحي (قرآنا وسنة صحيحة)، فهو إذن عقل يضبط علم الأصول ضبطا من قريب دلالة الألفاظ على المعاني فلا يضع الحقيقة مكان المجاز ولا الخاص مكان المشترك، ويصرف المفهوم عن المنطوق، ويحدد الشروط التي تنتقل بالمعنى من دلالته الحقيقية إلى إشارته المجازية) 5 ، أو عقل مجتهد في تحري النصوص الحديثية صحيحها من ضعيفها، حيث السنة انبرى لتحريرها جهابذة الرجال علماء الأمة سادتنا أئمة الاجتهاد والمحدثون رضوان الله عليهم، فلهم على كل المسلمين بعد فضل الله فضل عظيم) 6 ، أو عقل اجتهادي في فهم الواقع وفي تحقيق مناطات الأحكام على الوقائع والنوازل، حيث وجدنا في علم الأصول وفي حصيلة الاجتهاد الوافر في مدارس الفقه مستمدا لبسط العدل في المجتمع، وإشاعة الرخاء، وحسن قسمة الأرزاق. كما نجد إمكانات لتوسيع الموروث القليل من فقه نظام الحكم وأصوله، وإرجاع علاقة الحاكم بالمحكوم إلى الشورى لا إلى الإرادة السلطوية الاستبدادية. ووجدنا أصلا أصيلا لحماية حقوق الأفراد والجماعات في مجتمع تكافلي لا تطلق فيه يد السلطان بالضبط القاهر إلا بعد أن تضيق يد البر والإحسان عن الوفاء بالمطلوب. وفي فقهنا وأصولنا الوافر من الأدلة وإمكانات الاجتهاد والاستنباط تغطي حاجتنا لتقييد تعاملنا الدولي، وتعاملنا مع الأقليات في بلادنا، ومعالجتنا لحقوق الإنسان بقيد الشرع لا بقيد المصالح الاستعمارية السائد قانونها اليوم. ذلك حين يأذن الله عز وجل فيبارك قومتنا، ويوفق اقتحامنا، فنصلح بعد فساد، ونقوى بعد ضعف، ونبرأ من وهن، ونتهيأ لحمل رسالة الإسلام للإنسان، ورسالة السلام والأخوة للعالمين. وفي علم الأصول مجال واسع لتخريج الحكم الشرعي فيما لم يرد فيه نص. تركه الشرع لاجتهادنا في توخي الأصلح لأمور دنيانا. والأصلح منها ما لا يثبط طلبنا للآخرة ولرضى الله، بل يمهد له ويسهله ويعبد طريقه. يكون العقل المومن بالله المتوكل عليه المبتغي لفضله مستلهما لروح الشريعة يستحسن وينظر فيما سماه الجهابذة رضي الله عنهم “مصالح مرسلة”) 7 ، وإذن يقر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، أن مقولة الاجتهاد بحاجة إلى تحرير لمعرفة معناها ومقصدها، ولمعرفة ضوابط هذا الاجتهاد الذي يجهد فيه العقل جهدا ولا يلغيه البتة، إذ لا يمكن أن يتصدى للاجتهاد ويسمى مجتهدا من زاده سميولوجيا ولسانيات، وتحريف استشراقي للتاريخ، إنما يتصدى له المومنون والمومنات ممن له الميزة العلمية. لا يغالى في شروط الاجتهاد إلى حد التعجيز كما فعل بعضهم، وكما شاع في عصور الانحطاط وسد باب الاجتهاد.)حد أدنى من التمكن في العربية وعلوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة ودربة على أساليب اللغة، ثم حد أدنى من الدربة على الاستنباط وتحقيق المناط. نرفع عتبة هذا الحد الأدنى، وننيط الاجتهاد بالجماعة المتساندة من العلماء لا بالفرد العبقري. نرفع عتبة الحد الأدنى كلما نبغ فينا أهل التخصص الفقهاء المدققون، القادرون على الفقه والتدقيق والتحقيق… الاجتهاد لمن يعرف المصالح والمفاسد على الطبيعة وفي الميدان لا في الورق والتخمين. من يستطيع مقارنة المصالح والمفاسد والضرورات والأولويات بعضها مع بعض، بعضها قبل بعض، بعضها ضد بعض. وقد يكون موضوع الاجتهاد ميدانا أو مفردة أو تخصصا لا يتسع له قدرة استيعاب الفقيه المؤهل لاستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، فلا يستطيع أن ينزل هذه الأحكام على مسائل ومشاكل ليست في متناوله، عندئذ يتعين إشراك الخبراء الأتقياء المتخصصين الناصحين في الاجتهاد الجماعي. تكون لهم الكلمة في تقدير المصلحة والمفسدة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والفنية، ويكون للمجتهدين المستنبطين الفقهاء تقدير ما يكلف الله النفوس من وسعها في ظروف الاضطرار، وما يوسع عليهم به من رخص وتخفيف وتدريج…) 8 .

4. الديمقراطية

للديمقراطية قول مفصل عند الأستاذ عبد السلام ياسين، حيث يتبين من خلال وجهة نظره فيها أنه لا يرفضها مطلقا، كما أنه لا يقبلها بإطلاقها، وإن كان ينتقدها في موطنها وما آلت إليه من تحكم للوبيات الاقتصادية والإعلامية في توجيه الرأي العام وصناعته، ثم إن الديمقراطية الحديثة زحمة إعلامية عمادها الصورة والقدرة على مخاطبة الناخبين بما يهواه الناخبون. أموال ضخمة تنفق، وخبراء في اختيار لون باقة المرشح، وحركة مشيته، وطراز بذلته، ونبرة كلامه. الديمقراطية الحديثة مسرح وتمثيل وبهرجة، ومن وراء المسرح مصالح ورأس مال ومساومات وبيع وشراء. وهي آ‌‌‌خر الأمر هناك أهون الشر، وقوام المجتمع…) 9 ، فهو يعتبرها رغم عللها في موطنها أهون الشرين وأخف الضررين، إذ هي نقيض الاستبداد، وليس معها نزاع إذا كانت تعني عكسا شفافا للإرادة الشعبية ليست الديموقراطية نقيض الكفر، إنما هي نقيض الاستبداد)، ليس لنا مع الديموقراطية نزاع إن نحن عرفنا حقيقة ظواهرها وبواطنها، وإن نحن شرحنا لأنفسنا ولغيرنا لوازمها كيف تتلاقى مع المطالب الإسلامية أو تتنافى.)كلمة ديموقراطية تعني حكم الشعب، واختيار الشعب، والاحتكام إلى الشعب. وهذا أمر ندعو إليه ولا نرضى بغيره…) 10 .

المحذور الوحيد عند عبد السلام ياسين، هو أن تتلون هاته الديمقراطية بلون لائكي، فيجعلها البعض بنت اللائكية وجزءا عضويا منها، نتفق معكم على أن ديموقراطية نظيفة خير من استبداد وسخ. لكن هل من سبيل إلى إدخال الديموقراطية إلى بلدنا لا تكون بلاييكيتها اللازمة لها لزوم الظل للشاخص إلا قذى في عين الدين وصُداعا في رأسه ؟ نتفق على أن ديموقراطية حرة ونزيهة في بلادنا خطوة نحو التحرر. لكن كيف تكون في بلاد المسلمين كذلك وهي لا ترضى عن نفسها، ولا يرضى عنها راعيها، إن رضي، إلا إذا كانت خطوة نحو التحرر من الدين ونبذه والتخلص منه ؟…) 11 .

5. المجتمع المدني

وللموقف من المجتمع المدني تبعية لموقفه رحمه الله ووجهة نظره في الديمقراطية، فهو وإن يسجل انتقاده على كون ربط مفهوم المجتمع المدني بتحرر من الدين وعقيدة المجتمع، فهو حسب الأستاذ مجرد تكتلات لمصالح الفئات التي تشكله، إذ المجتمع المدني لا يسأل عن مبادئه الخلقية ولا عن عقيدته ودينه، ولا عن المروءة الفاضلة. يسأل فقط ويجيب عن مصالح الفئات التي يتكون منها، وعن المطالب السياسية والاجتماعية والنفعية التي تشد صفوفه، وتسلح نضاله، وتنظم هياكله…) 12 ، فهو له من الميزات ما يجعله أفضل من التفتت والانقسام والفرقة في المجتمع التي تكون لصالح الاستبداد، المجتمع المدني تكتلات وتعاون على المصالح، فهو قوة إذا قورن بالتفتت الذي يكون المجتمع فيه عبارة عن ذرات متناثرة لا يسمح الاستبداد أن تتألف وتتكتل، فتكون تهديداً لأمنه. فلكون التكتل والتعاون قوة تقض مضاجع الظالمين نفضل على التفتت الديمقراطية المؤسسة على قواعد المجتمع المدني. بعض الشر أهون من بعض…) 13 .

نستشف إذن من خلال عرض مجمل وجهات نظر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله حول هذه القضايا، أن الرجل يميز بين المنشود والموجود ويجعل من الموجود خاضعا لعقل موازن يقبل بأهون الشرين وأخف المفسدتين في هذا الموجود لدفع المفسدة العظمى المتمثلة في الاستبداد عبر سائر أطروحته الفكرية…

ثانيا: في معالم أنموذجه المجتمعي

يحتاج المتطلع إلى أطروحات ذ.عبد السلام ياسين إلى جهد مضني ليجمع ويركب أفكاره حتى تتبين معالم أنموذجه المجتمعي الناظم لأفكاره ومقترحاته، وحسبنا أننا حاولنا أن نجلي أهمها في التالي:

1- رهان على إصلاح من الحاكم بعد توبة عمرية ناهضة 14 ،

2- رهان على الاعتماد على العلماء الصادقين في الدعوة والإصلاح مع الحاكم 15 ؛

3- رهان على أن يتأسس التعاقد على ميثاق إسلامي جامع 16 ؛

4- رهان على مبايعة لا بيعة للحاكم؛ إذ الأمر بيعة لا مبايعة، الأمر بيعة من جانب واحد، من جانب مقهور بالسيف مكره أن يسمع ويطيع، لا مبايعة من جانبين بين مسلمين أحرار اختاروا رجلا عاهدهم على طاعة الله والنصيحة للمسلمين وخدمتهم. البيعة منذ يزيد بن معاوية قهر ينطق عدول المسلمين بوعد الطاعة المطلقة. والمبايعة التزام من جانبين، عقد بين أحرار يبطل إن عصى الأمير الله ورسوله. وقد جعلها عمر بن عبد العزيز مبايعة بعد أن كانت بيعة. البيعة بدعة وتَعَدٍّ واستعباد، والمبايعة عقد يزكيه الله ورسوله…) 17 .

5- رهان على ديمقراطية بدون لون لائكي؛ وسبق الحديث عنها في مقالنا؛

6- رهان على مجتمع مدني فاعل وبضوابطه الأخلاقية، سبق الحديث عنه في مقالنا.

ثالثا: خلاصات تأسيسية

يمكن أن نخلص إلى خلاصات تأسيسية حول أفكار الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، قد نعتبرها منطلقا لحوار صريح وجدي بناء عليها ومعها:

1- لابد من حوار على أساس الإسلام الجامع؛

2- لابد من تحرير الديمقراطية من لائكيتها لكي تكون صالحة في تربتنا؛

3- لابد من تصحيح العلاقة بين الدولة/الحاكم والمجتمع من علاقة عقد إكراهي “البيعة”، إلى عقد اختياري “المبايعة”، ومن علاقة ظلم وجور على المجتمع إلى علاقة رد المظالم إليه والعدل فيه؛

4- لابد من وجود علماء صادقين ناصحين للحاكم متحملين عبء الدعوة وإصلاح المجتمع؛

5- لابد من فاعلية المجتمع عبر إشاعة قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بداخله بضوابطها المقررة شرعا.

رابعا: تساؤلات حوارية

لقد آثرت أن أختم بهذه التساؤلات حتى يظل الحوار مفتوحا عليها، وحتى لا نجعل من مناسبة ذكرى الفقيد مناسبة للذكرى فقط دون حصول تقدم في حوار الأفكار وتقريبها وتصويبها، وهذه التساؤلات هي:

1. ماذا تعني أطروحة ميثاق على أساس الإسلام؟

2. وما هو هذا الإسلام الذي يقترحه الأستاذ أساسا لهذا الميثاق؟

3. هل هو إسلام التفاصيل والفروع والظنيات؟ أم هو إسلام المحكمات والقطعيات والمقاصد الكلية؟

4. وإذا كان هذا الميثاق يتوخى التجميع والتكتيل فهل باقتراح تأسيسه على الإسلام، سيخدم ذات المقصد، على اعتبار وجود اختلافات في المشارب والمرجعيات، بما في ذلك الاختلاف حول الإسلام من حيث تحديد مضامينه أو من حيث هو ذاته شعارا ومطلبا جامعا؟ وهل الحوار ينتهي بالميثاق أم يبدأ منه؟

5. ما هي حلقة الوصل في مضامين ما كتبه الأستاذ عبد السلام ياسين سابقا ولاحقا؟

6. هل ينبغي أن نقرأ أفكار الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله أنها منسجمة ومتناغمة من أولها إلى آخرها ومن آخرها إلى أولها؟ أم أنها سلسلة تصويبات ذاتية وتنقيحات علينا أن نلتقطها هنا وهناك، وهذه مهمة القائمين على تنزيل أفكاره والمتبنين لها والداعين إليها؟

7. سابقا دعا الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في رسالته المشهورة الإسلام أو الطوفان) إلى منع الأحزاب والاعتماد على العلماء وانتخاب مجلس يراقب الحاكم ويكون شريكا له في عمله، مكون أساسا من خيرة شباب الجيش بعد استشارة رجال الدعوة في أمره، تبايع مجلسا منتخبا انتخابا إسلاميا تستشير في أمره رجال الدعوة بعد أن تمنع كل الأحزاب السياسية، وتفسح المجال لرجال الدعوة يفهمون للأمة فتنتها وسبيل خلاصها. وعماد هذا المجلس خيار شباب الجيـش، إذ هو القوة المنظمـة الوحيدة بالمغرب. ويكون هذا المجلس شريكاً في عملك ورقيبا عليك إلى يوم ترشد وتبرهن على أنك أنجزت ما وعدت…) 18 . هل يستقيم هذا الأمر مع ما اقترحه لاحقا من حوار بين الفضلاء، ومن دعوة إلى ميثاق، ومن حواره مع الفرقاء حول أمهات القضايا المجتمعية، ومن إقرار بديمقراطية تكون أخف ضررا من الاستبداد ومن مجتمع مدني فاعل ومتخلق…؟

على سبيل الختم

فلتعذرني مناسبة ذكرى الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، لأنني آثرت أن أكتب عنها وعنه وعن فكره بنفس تساؤلي مفتوح، لعل ذكرى رحيله عنا تكون فرصة للتجديد والتجدد، ومقارعة أطروحاته الفكرية بالأسئلة المقلقة التي لا تفسد للود قضية، رحم الله فقيدنا الأستاذ الجليل عبد السلام ياسين وتغمده بواسع رحمته.


[1] كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 80-81.\
[2] نفس المرجع السابق ص 82.\
[3] نفس المرجع السابق ص 88-89.\
[4] نفس المرجع السابق ص 41-42.\
[5] نفس المرجع السابق ص 45.\
[6] نفس المرجع السابق ص 46.\
[7] نفس المرجع السابق ص 48.\
[8] نفس المرجع السابق ص 49-50.\
[9] نفس المرجع السابق ص 60-61.\
[10] نفس المرجع السابق ص 57-58.\
[11] نفس المرجع السابق ص 69.\
[12] نفس المرجع السابق ص 82.\
[13] نفس المرجع السابق ص 83.\
[14] انظر الفصل الأول من رسالته المشهورة “الإسلام أو الطوفان” من ص 71 إلى ص 83، وفي رسالته الثانية “إلى من يهمه الأمر” ص 27.\
[15] انظر نفس الفصل السابق من مرجع الإسلام والطوفان.\
[16] سبق الحديث عنه في هذا المقال.\
[17] رسالة الإسلام أو الطوفان ص 94.\
[18] رسالة الإسلام أو الطوفان ص 165.\