تقديم

ألف الأستاذ المجدد كتاب الإسلام والقومية العلمانية) سنة 1985 ليتم نشره سنة 1989، ويتكون من 175 صفحة من الحجم المتوسط، تضم أربعة فصول رئيسية، و55 فقرة يتراوح عدد صفحاتها بين الاثنين والخمسة، إضافة إلى مقدمة من صفحة واحدة، وقد تمت طباعته مرتين.

سياق التأليف

والكتاب يعتبر في الحقيقة من الكتب الحوارية، التي تستهدف فئة القوميين العلمانيين، فقد دأب الأستاذ المرشد منذ بداية دعوته على مخاطبة جميع فئات المجتمع، بدءا بالمثقفين والعلماء والمفكرين، وصولا إلى عامة الشعب، وقد خصص رحمه الله لفئة المثقفين حيزا هاما من مشروعه الدعوي المتكامل، لاعتقاده بأن أقرب طريق لنشر الدعوة الإسلامية واستقرارها في قلوب الناس، هي الحكام والعلماء، بما لهم من تأثير كبير ومباشر على “العامة”، يقول رحمه الله: في هذا الكتاب نصطنع اللغة التي يألفها المثقفون لنحاورهم محاولين إسماع كلمة الإسلام) 1 .

غاية الكتاب

يعرض الكتاب بمنهجية علمية، وحوار هادئ، ودعوة حكيمة رحيمة، لقضيتي القومية والعلمانية من حيث جذورهما وسيرورتهما التاريخية ومآلهما، وهو يهدف بذلك إلى دعوة هؤلاء المتمسكين بهاتين “العقيدتين” الغريبتين عن بيئتنا وثقافتنا إلى مراجعة أفكارهم، والرجوع إلى حظيرة الإسلام الحاضنة للعلم والعلماء، إذ لم يكن الإسلام يوم ما مانعا للتفكير والبحث العلمي، بل إن القرآن الكريم يحتوي على إشارات علمية معجزة، لم يصل بعد العقل الإنساني إلى اكتشاف الكثير من أسرار الكون المبثوثة بين ثناياه، عكس الكنيسة، التي عادت في فترة تاريخية العلماء وكشوفاتهم، وعادت العلماء وكالت لهم أشد العذاب؛ فظروف نشأة العلمانية، وبعدها القومية، كانت مناسبة للمجتمع الغربي، لمحاربة الدين الكنسي وإنشاء الدولة “المدنية”، وهذا ما لا ينطبق على المجتمعات الإسلامية، يقول الأستاذ المجدد: نشأت تلك الحرب على دين النصرانية لمقاومة الكنيسة ونظامها وكهنتها الذين استغلوا الدين المحرف لأهداف تعسفية منحرفة) 2 .

فصول الكتاب

الفصل الأول: اللسان العربي

أصغر فصل من حيث عدد الصفحات والفقرات، 15 صفحة ضمن 6 فقرات، يتحدث فيه المرشد عن اللغة، ودورها المجتمعي التواصلي، وهي في نفس الوقت رباط يجمع أعضاء المجتمع ويقرب بينهم؛ وتعتبر اللغة العربية لغة شريفة، زادها شرفا حمل القرآن الكريم ورسالته للعالمين، نجلها لأن الله العليم الحكيم اختارها لتكون وعاء لرسالة الإسلام وناطقة باسمه، لما لها من خصائص حصرية في البيان والتأثير، كما خص بها العرب دون غيرهم، لما امتازوا به من أخلاق ومكارم، أخلاق كانت رزايا في الجاهلية، وصقلها الإسلام لتغدومزايا، يقول الإمام المجدد: إن الله تبارك وتعالى خالق العرب وخالق لغتهم وخالق استعداداتهم الفطرية، وقد جعل سبحانه في المحل الذي اختاره لتجلي وحيه وظهور رسوله ورسالته ظروفا قابلة لتلقي كل ذلك، صالحة لحمله ونصره. وكانت عروبة العرب اللغوية مكملا لاستعداداتهم الأخرى المواكبة والمساعدة. اجتمع كل ذلك فتبلور خيرا وقوة، أخلاقا ورجولة، في القالب الإسلامي وبالروح الإسلامية) 3 ، لكن بعد ظهور وتنامي الاعتزاز باللغة والقومية في أوروبا، خاصة في ألمانيا، التقط بعض ذراري العرب هذه الموجة الجديدة من الفلسفة، خاصة بعد هجرتهم لأوروبا، فنقلوا “العدوى” للبلاد العربية، فبدأ تمجيد اللغة العربية وتاريخها، ورفعت مكان التقديس والألوهية، فتحولت إلى صنم يعبد ومحراب يقصد، ويعتبر العروبيون أن اللغة العربية هي التي قدمت عبقريتها للإسلام، يقول كي أرسوزي وهو من المؤسسين الأولين لحزب البعث العربي ورواده: أمنية كل عربي هي أن يكون بطلا، وأن يكون شاعرا، ينشد روعة أعماله ومناقب أجداده. إن ذلك يتم بالعودة إلى لغتنا التي هي أبلغ مظهر لتجلي عبقرية أمتنا، إن لغتنا لهي مستودع تراثنا، فإذا ما وعينا ما تضمنت كلماتها من حدس، بلغنا ما بلغ أجدادنا من عزة وسؤدد) 4 .

الفصل الثاني: التراث والأصالة والتحديث

يتكون من 7 فقرات ضمن 16 صفحة، يتحدث فيه المرشد عن السبب الرئيس في تمزق الأمة وبداية ضعفها وهوانها، فرغم كثرة النكبات والاصطدامات الداخلية والخارجية، إلا أن أهم معولين هدما البنيان الإسلامي هما: مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، والاستعمار الغربي لبلاد المسلمين، وهما ما يصطلح عليهما في الفكر المنهاجي بـ”الانكسارين التاريخيين”؛ الأول نتج عنه تناسل الطوائف والمذاهب، والثاني أوجد البيئة لتفريخ الأيديولوجيات والفلسفات الإلحادية والعلمانية، نتيجة لانبهار المستغربين بالحضارة الغربية “المتقدمة” و”المتفتحة”، مقارنة بالحضارة العربية “البدائية” و”المتخلفة”، واكتشف هؤلاء فجأة أن الإسلام هو سبب التخلف، والحل يكمن في اتباع الحضارة الغربية ومنهجها “العلمي” المبني على العقل والتحليل والتفكير، بعيدا عن الغيب، أو الخرافة في نظرهم .بالموازاة مع ذلك، ظهرت فئة أشد خطرا، وهي التي تستغل الدين الإسلامي لتمرير أفكارها المسمومة والدخيلة. يقول الإمام: كلما توغل المثقفون العلمانيون في تراث الآخرين وتشربوا فلسفتهم ومناهجهم، وداخلوا نمط معاشهم حتى تمكنوا في عشرتهم، تقمصوا الخصوصية القومية لتعطيهم أصالة واسما وحيثية وجودية وتاريخا) 5 .

الفصل الثالث: جذور العلمانية

أكبر فصل في الكتاب، 30 فقرة في 86 صفحة، يستعرض فيه الإمام للبدايات الأولى لما يسمى بـ”العلمانية”؛ يقتبس الإمام عبارة “الفصام النكد” للإمام الشهيد سيد قطب رحمه الله، وقد عنى بذلك انفصال الدين عن الدولة في المجتمع الغربي، وقد كان لهذا الفصام شروطه وأسبابه، حيث نشب الصراع بين المفكرين في عصر النهضة الأوروبية ودين الكنيسة المحرف الطاغوتي ونظامه وكهنته المستبدين، الذين استغلوا الدين أبشع استغلال، وما لبث أن تطور هذا الصراع إلى إلحاد مفلسف ينازع في أصول الدين والعقيدة، ليصبح أفيون الشعوب في نظرهم واعتقادهم. يدقق الإمام في تاريخ أوروبا، ليضيف لها وصفا آخر سماه بـ”الوصال الأنكد”، وهو أخطر من الأول، حيث تعاون حكام الدولة الفاسدون مع الكهنة المفسدين على الإثم والعدوان، للتجارة في الدين، ومحاربة كل مخالف لهما ولوكان من العلماء، وبدأ الصراع بين العلم و”الدين”. لكن المثقفين العرب التقطوا هذه الفلسفة التي جاءت كنتيجة منطقية لاستبداد الكنيسة والقائمين عليها، وأرادوا استنباتها في بيئة لم تعاد العلم والعلماء، بل إن التاريخ الإسلامي مشهود له بتشجيع العلم والعلماء، وقد كان الحكام المسلمون رغم فسادهم يشيدون الجامعات، ويقربون العلماء من مجالسهم ويتباهون بذلك؛ يقول الإمام: لم يكن عند الفلاسفة طلب صادق للحق، ولم يكن أمامهم مصدر يستقون منه علم الحق، فنبذوا نبذ النواة الكنيسة، ونبذوا معها مبدأ الدين نبذا مطلقا. وورث العلمانيون من ذراري المسلمين تلك الحروب وتلك العداوة وذلك النبذ المطلق) 6 .

الفصل الرابع: القومية

يتضمن 12 فقرة ضمن 39 صفحة؛ ينتهج الإمام نفس التحليل ليبين عورات ومزالق الفلسفات الدخيلة التي انبهر بها المثقفون العرب، ليعلنوها حربا معلنة وغير معلنة على الإسلام والإسلاميين؛ القومية ظهرت في أوروبا لتوحد شعوبا شتى، فهي صعود من انتماء جزئي إلى مستوى أرفع، وهي بهذا المعنى قدمت للشعوب الأوروبية مزايا وحدتهم فحققت لهم التقدم والرفاهية ؛ أما الدعوة في البلاد العربية إلى قوميات قبلية ووطنية، فنتيجتها مزيدا من التفتت والتشرذم، يقول الإمام: إذا كانت القومية في منشئها صعودا من الانتماء الجزئي العرقي وغيره إلى مستوى أرفع، فإنها فينا نزول تفتتي من الوحدة الإسلامية المفقودة، يصاحبه هبوط في الوعي، وتقلص في الوجود، وضمور في الشخصية السياسية) 7 ؛ وقد حارب الإسلام منذ بدايته التعلق الأعمى بالقبيلة والعشيرة واللغة ،دون التنكر إلى الانتساب الفطري، وربطهم بالعروة الوثقى وحبل الله المتين التي وحدت قبائل شتى تحت راية الإيمان، وقد كانت البلاد العربية موحدة تحت راية الإسلام، منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى حين سقوط الدولة العثمانية سنة 1924، ومنذئذ والبلاد العربية في تخلف وتمزق، ولازال الأعداء يحيون النعرات الدينية والطائفية والقبلية خدمة لأهدافهم الاستعمارية.

الحوار والدعوة إلى الله

يولي الإمام المجدد الحوار والدعوة إلى الله اهتماما خاصا في جميع كتاباته، ويبحث دائما عن المشترك مع الآخر مهما كانت اتجاهاتهم وفلسفاتهم، وفي هذا الكتاب، يفتح باب الحوار مع القوميين والعلمانيين وغيرهم، فهو يريد جمع شتات المفكرين على اختلاف مشاربهم: وقد وجد المثقفون من أبناء المسلمين أرضية مشتركة يجتمع في ناديها، ويتفاهم ولو اختلفت الأسباب والنيات، كل من القومي والعلماني والإسلامي) 8 ، ويقول رحمه الله: ولاء العرب القوميين للغة التي نزل بها القرآن كولائنا للقرآن. نحب هذه اللغة ونعتبرها كما يعتبرونها أجمل اللغات وأشرفها. وإذن فها قد وجدنا جسرا متينا للحوار والتقارب والتفاهم ما دمنا نعشق نفس الملاحة) 9 ، ويكتب أيضا: إن حرصنا على الحوار مع النصارى قد يكون داعيه السياسي معقولا، لكن داعيَه الإسلامي هوالأصل. وذلك أن تبلغهم الدعوة رجاء أن تكون آثار الرهبانية والرأفة حافزا للصادقين منهم على الإسلام) 10 .


[1] الإسلام والقومية العلمانية، ص 5.\
[2] نفس المرجع، ص 46.\
[3] نفس المرجع، ص 12.\
[4] مجلة “الفكر العربي” العدد 22، شتنبر 1982.\
[5] نفس المرجع، ص 34.\
[6] نفس المرجع، ص 64.\
[7] نفس المرجع، ص 134.\
[8] نفس المرجع، ص 31.\
[9] نفس المرجع، ص 9.\
[10] نفس المرجع، ص 53.\