أولا- تمهيد

المال مال الله تعالى يودعه عباده، ليبتليهم أيشكرونه أم يكفرونه، ويمحص طريقتهم في تدبيره وترشيده، سواء من طريق الكسب أو من طريق الصرف، فقد رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ”.

ثانيا- تعريف النفقة وأنواعها

– النفقة لغة الإخراج والذهاب، يقال نفقت الدابة إذا خرجت من ملك صاحبها بالبيع والهلاك، كما تطلق على معنى الصرف يقال أنفق ماله أي صرفه. وفي الاصطلاح: فهي إخراج الشخص مؤونة من تجب عليه النفقة من خبر وكسوة وما يتبع ذلك من ثمن ماء ودهن ومصباح ونحو ذلك.

– من حقوق المال إنفاقه في الأوجه المشروعة وهي نوعان:

أ‌- واجبة: كالإنفاق على النفس والولد والزوجة والوالدين، وأداء الزكاة المفروضة والكفارات والنذور ونحو ذلك.

ب‌- مستحبة: كصدقة التطوع، والإنفاق في أوجه البر المتنوعة كالنفقة على اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين، كالهبات والهدايا، والتبرع لمؤسسات إلخ…

روى الأئمة مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من نَفَّس عن مومن كُربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة. ومن يسر على مُعسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستَر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بَطَّأَ به عمله لم يُسرع به نسبه”.

ويلتحق بهذا النوع إنفاق مؤكد لمن آنس من نفسه الانخراط مع جند الدعوة والجهاد، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: يجيء الوافد إلى جند الله ومعه مخلفات ماضيه. بعد الإيناس الأول نفهمه أن العمل الجهادي المنظم لا ينهض له إلا الصادقون، وكل صادق لا يعرف صدقه إلا إن برهن عليه عمليا. فنطلب إليه أن يساهم في نفقات الجماعة بانتظام، ونرفع نسبة عطائه من دخله تدريجيا. فإن كان غنيا طلبنا إليه أن يدفع أموال الزكاة زيادة على النصيب الشهري المعلوم. وطلبنا إليه أن يبذل في المهمات، وأن يخفض من نفقات عيشه الرفيه تدريجيا، ويحول إلى الجماعة. الجماعة المجاهدة لا تعتمد في نفقاتها إلا على مساهمات أعضائها، ثم على تبرعات الشعب) 1 .

وفي هذا التقسيم بين الواجب والندب يقول الإمام تغمده الله برحمته: الزكاة حق الله، وبذل الفضول عزمة نبوية في ظروف خاصة. فهما نصيب الطاعة في إقامة العدل الاجتماعي. وبعد الحق المفروض، والعزمة اللاحقة بالفرض، يأتي التطوع من صدقة يحب الله مؤتيها ويثيب عليها، ومن كرم يتحلى به المؤمن. الصدقة التطوعية والإنفاق والكرم الفاضلون تكملة فقط لواجب الزكاة وبذل الفضول. فالمجتمع الإسلامي صلبه العدل المفروض، ولحمته التطوع بالخيرات) 2 .

ويقول رحمه الله: لا يحب الله المتكبر المستعلي على المسلمين، الشحيح بماله، إنما يحب من ينفق ليسد الخلة، ويلبي الحاجة، ويأسو الجرح، ويكفل اليتيم، ويرحم المسكين، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق. لا تنفصل الدعوة ووازعها عن الدولة وسلطانها في حياة المسلمين حين يستقيم لهم الأمر. كلاهما تكمل عمل صاحبتها. السياسة والخلق، الإدارة والتطوع، العقل والقلب. بر الأقارب ابتداء بالوالدين واجب. ويعتبر الإسلام منع ذوي الرحم من بر المسلم من الفظائع. ويعتبر قطع ما أمر الله به أن يوصل من الموبقات. مال اليتيم له الحرمة القصوى. الأرملة، والبنت، والمعسر، وذو الكربة، والملهوف، فرص ليتقرب المحسنون ببرهم إلى الله. ثم هنالك العطاء على الإسلام وتأليف القلوب عليه) 3 .

ثالثا- فضل الإنفاق

1- دخول الجنة، يقول تعالى: سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين 4 .

2- الوقاية من النار، وتكفير السيئات، روى الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا النار ولو بشق تمرة” 5 . ويقول صلى الله عليه وسلم: “الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار” 6 .

3- تكثير الحسنات، ومضاعفة الأجور أضعافاً مضاعفة، يقول تعالى: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم 7 . ويقول سبحانه: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم 8 .

4- طهرة للمنفق، وتزكية لقلبه، وتنمية للمال وسلامة له من الآفات، يقول سبحانه وتعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها 9 .

5- دعاء الملائكة، فعن أَبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: “مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إلا مَلَكانِ يَنْزلاَنِ، فَيقُولُ أحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تلَفًا” 10 .

رابعا- آداب الإنفاق

لكي يؤدي الإنفاق تلك الثمار العظيمة والفوائد الجليلة لابد وأن يكون ا لمنفق مستحضرا آدابه، وهي:

1- الإخلاص: الإخلاص يعني تجريد العبودية لله تعالى لا يشوبها شائبة رياء أو سمعة أو غيرهما، فإذا أنفق على نفسه وأسرته ينفق شاكر اًلله تعالى على ما أعطاه من هذا المال، حامدا ًله على هذه النعمة، وإذا أنفق على الفقراء والمساكين، أو مشاريع الخير وأعمال البر يريد الأجر والثواب من هذا الإنفاق.

2- استحضار القربة: عندما تنفق على غيرك فلا تمثل دور الكريم مع المحتاج بل أنت محتاج يعطي محتاجا غير أن حاجته عندك وحاجتك عند الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: “أنفق يا ابن آدم أنفق عليك” 11 .

3- اجتناب المن والأذى: المن هو: التحدث بما أعطي حتى يبلغ ذلك المعطي فيؤذيه. والأذى هو: السب والتطاول والتشكي. وعدم المن والأذى هو الأدب الثاني الذي يتفق مع ما فطر الله تعالى النفس الإنسانية عليه من الكرامة والعزة، فتلك النفس تأبى أن يكون هذا العطاء مقروناً بمن أو أذى، إذ أن هذا المن يخدش كرامة النفوس الكريمة ويجرح مشاعرها، ويستذلها بمنته، ويشعرها بالصغار والهوان. من هنا جعل الله سبحانه الصدقات المقرونة بالمن والأذى باطلة غير مقبولة، يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ما له رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر 12 .

4- الإنفاق من المال الطيب: لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، فقد أمر سبحانه بالإنفاق من الطيب المحبوب للنفس، فأحب لأخيك ما تحب لنفسك، يقول تعالى آمراً بالإنفاق من الطيبات: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقوا ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد 13 . والبر والأجر إنما ينال بالإنفاق من المال الطيب المحبوب، يقول الله تعالى: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون 14 .

5- الاعتدال في الإنفاق: لأن المال أمانة عند صاحبه، فهو مال الله تعالى، رزقه هذا الإنسان، ليتعامل به وفق منهج الله تعالى، فلا يتعالى فيه فيبذر ويسرف ويتجاوز القصد والاعتدال، ولا يقتر فيشح ويبخل ويمسك، قال تعالى مادحاً المؤمنين الذين يسلكون هذا المنهج: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما 15 .

يقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله: التقلل تضييق إرادي على النفس في الكماليات لا في الضروريات، ليوفر العبد من ماله ومن نفقته، ما به يصل الرحم ويحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الحق ويصطنع عند الله عوائدَ البِر.

)وإن التوفير والاقتصاد في النفقة لواجب جهادي على كل مؤمن ومؤمنة في ظل دولة القرآن لجمع رأس المال الضخم الذي تحتاجه الأمة للتصنيع.

)التقلل غير الشح، هو خلق محمود، وتعبير عن الهمة العالية، همة العابرين لمنازل الدنيا يحدوهم الشوق إلى ما عند الله. التقلل عدل وبر واعتدال وعطاء من النفس بواسطة العطاء من النفقة.

)هو اقتصاد قوله تعالى: )وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً 16 . هو نظام قوله تعالى: )كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 17 . ويدمِّر سبحانه وتعالى الفاسقين المترفين) 18 .


[1] المنهاج النبوي: ص188.\
[2] الشعبة 37 من المنهاج.\
[3] المنهاج، ص211.\
[4] آل عمران: 133، 134.\
[5] أخرجه البخاري، كتاب الزكاة.\
[6] أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، وأخرجه النسائي في الكبرى، كتاب التفسير.\
[7] البقرة: 361.\
[8] المزمل: 20.\
[9] التوبة: 103.\
[10] مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.\
[11] متفق عليه.\
[12] البقرة: 264.\
[13] البقرة: 267.\
[14] آل عمران: 92.\
[15] الفرقان: 67.\
[16] سورة الإسراء، الآية: 29.\
[17] سورة الأعراف، الآية: 29.\
[18] الإحسان 1، ص483.\