الإيمان، والإيمان وحدهُ) كان الكلمةَ النهائيةَ لملحمة تاريخيةٍ أبطالها من طينةٍ غيرِ طينة النفاق، من معدن إسلامي خالص.

كلمةٌ قالها محمد بن عبد الكريم الخطابي أمير الريف، رئيس جمهورية الريف، بطل الإسلام والعروبة، أسَدُ أجْدير، أستاذُ حرب العصابات في العصر الحديث. إلى غير هذا من ألقاب الفَخْر والفخامة والعزة الشامخة.

هذا الذي كان الإيمانُ بالله وباليوم الآخر عقيدَتَه، وكان القرآن شاهِدَه. وكانت سعادةُ الدارين مطلبَهُ لنفسه وللمسلمين، كان مذهبُه في علاج آلام الماضِي وانحرافات الماضي واضحا. كانت له رُؤيَةٌ مستقبليَّة في كيفية طَيِّ صفحاتٍ لا تَسُرُّ. كانت في ذهنه وقلبه مترادفات قرآنية: الإيمان، والإيمان وحده = اتقوا الله حق تقاته = لا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون = سعادة الدارين. وكانت التوبةُ والدعوة إلى التوبةِ أصلا من أصولِ عمَلٍ مستأنفٍ يصِلُ حاضرا بمستقبل، ومستقبلا بماضٍ.

كان ماضي جهادِه إيمان، وتقوى، واستشهاد في سبيل الله، وعدل، وصلاة، وزكاة.

العدلُ كان هاجِسَهُ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نموذجه كما يدُل على ذلك لقبُه الذي اختاره تيمُّناً، وَوَرثَهُ نسباً. فهو من ذرية عمر الفاروق رضي الله عنه. رجل الإيمان، وجهاد المومنين، شغلاَ العالَم قاطِبةً طيلة ست سنوات. فزِعت أوربا واهتز حُلْم الاستِعْمَار.

ريفي أمازيغيٌّ مَحْضٌ عنْصُراً، مسلِمٌ جوهرا.

كان ابن عبد الكريم رحمه الله في مرحلة جهاده العسكرية وفي جهاده السياسي بعد ذلك مدرسة متميزةً. كان مومنا قرآنيا على شخصيته بَصَماتُ تربيةِ القرويين التي درس فيها أربعَ سنواتٍ. لَم تَخْضُد شوكة غيرته على الإسلام رتابة القرويين، ونومةُ القرويين قبل أن يوقظها علال والفقيه غازي ومحمد المختار السوسي وعبد العزيز بن إدريس ومحمد إبراهيم الكتاني وسائر تلامذة الشيخين. أبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي رحمهم الله أجمعين.

ولم تطمِس نورَ الإيمان في قلبه وفقه الشريعة في عقله السنواتُ الطويلةُ قبل الحرب التي عاشر فيها الإسبان مُوظفاً ساميا في إدارتهم، يتعلم لغتهم، ويُتقن مهاراتهم، ويستفيد من علومهم.

مدرسةً متميِّزَةً كان رحمه الله، واضحةً في ذهنه مُواصفات المجتمع الإسلاميّ الذي ينبغي أن يُعتمدَ على إخلاصه وقوة تماسُكِه وقت الأزمات.

عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل، مقتطفات ما بين الصفحة 11 و43.