رب ضارة نافعة) مثل يقال عندما تحل بالإنسان نكبة آو مصاب يرى ظاهره محنة، فإذا بالأيام تمضي لتعلمنا أن الأمر كان لطفا من الله بالإنسان ونفعا عميما له، بخلاف ما يذهب إليه التفكير مع بداية المصاب. وتسمي العرب الأمطار غيثا ورحمة، وهي غيث ورحمة رغم ما قد تحدثه من خسائر في الأبنية والمحاصيل الزراعية والأرواح، فغريقها شهيد، وإمطارها بركة تغيث الأرض من جذب والإنسان من جوع، ورحمة تنزلها في قلوب العباد مخففة من طباع القسوة والجفاء فيرى الإنسان فرحا مسرورا مبتهجا رغم ما قد يصيبه من خسائر مادية بادية للعيان، ومع هذا علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف نتأدب مع قدر ربنا تأسيا بدعائه عليه السلام: “اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب. ولا هدم ولا بلاء ولاغرق” 1 .

أمطار كاشفة فاضحة

من بركات أمطار الخير الأخيرة في المغرب أنها فضحت المفسدين والسفهاء المبذرين إخوان الشياطين، الذين يبذرون مقدرات البلاد وإمكاناتها المادية والمعنوية وثرواتها. من بركاتها أيضا أنها تسلط الضوء على مغرب طالما حجبته الكاميرات الرسمية إلا إن تعلق الأمر بتصوير أهازيج فلكلورية يؤديها أبناء وبنات المغرب المنسي يتفرج عليها أبناء العم سام حرصا على سعادتهم علها تجلب إلى جيوب السادة المستثمرين في السياحة دولارات وانتهى الأمر.

لولا أمطار الخير الفاضحة الكاشفة لما ظهرت قيمة المواطن المغربي البسيط ومدى الاهتمام به في دوائر القرار بهذا البلد من خلال الفيديوهات التي تسربت إلى شبكات التواصل الاجتماعي موضحة كيف يهان الإنسان حيا وبالأحرى ميتا عندما تحمل جثث ضحايا الفيضانات في شاحنات نقل القمامات في كلميم النموذج وليس الاستثناء، وكأن قول الله تعالى ولقد كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ 2 ليس من ثقافتنا ولا من ديننا الذي نتعبد به ربنا.

لولا أمطار الخير لما رأينا صورة تحرك الطائرات بالسرعة المطلوبة لإنقاذ الأجانب من الغرق بمناطق الصحراء في الوقت الذي يظل فيه مواطنون بسطاء بنفس المنطقة غرقى يستنجدون أمام نظر القوات العمومية وعموم المواطنين بكلميم لأزيد من أربع ساعات حتى قضوا تحت الماء مستسلمين لقضاء الله وقدره، لتظل أرواحهم تلعن تقصير المقصرين وتفريط المفرطين، واحتقار المستكبرين المبذرين.

لولا أمطار الخير لما ظهرت الصور الناطقة الفاضحة الكاشفة لمغرب أريد له أن يكون مغربا منسيا، مهمشا مقصيا ما زال أهله يعيشون في بيوت مسقفة بسعف النخيل منذ عشرات السنين، عيشهم كفاف على حفنات شعير وحبات خضر مما تجود به الأرض، وفي أحسن الأحوال دريهمات مكدودة بعرق الجبين لا تكاد تكفي حتى لسد رمق الأولاد وبالأحرى تعليمهم والقيام بما تلزمه تربيتهم ورعايتهم، وإن حل المرض برب الأسرة تضورت هذه الأخيرة جوعا لغياب المعيل، وابحث لنفسك أيها المتابع لتدبير الشأن العام بالبلاد ولقرارات حكومته المفروض فيها أن تكون في خدمة أبناء هذا الشعب أين يمكن أن تنزل قولة أمير المؤمنين: لو أن بغلة عثرت بالعراق لكنت مسؤولا عنها يا عمر) 3 . من هذا الواقع، بل ابحث لنفسك ما معنى دولة مواطنة وخدمات وحقوق، بل ما معنى إنسانية وإنسان…

في أذن الجائع ووعي المقهور

لو اكتفينا بما ينشره إعلامنا العمومي المرئي وما يصوره عن المغرب وعن سكان المغرب من صور وردية لظن الرائي بأن المغاربة يسكنون جنة الأرض، وهي للأسف الصورة التي تسوقها قنوات عاملة ناصبة، كاذبة خاطئة، عن المغرب وأهله، لكن من يعيش واقع المعاناة، من ينام وهم العيش يؤرق جفنيه فيطرد عنهما النعاس، من يستفيق وهم العيش نصب عينيه صباح مساء، كيف يصدق ما يرى وما يسمع؟ وأنى لأي صورة من غير واقعه المعيش أن تقنعه أن هذا هو مغربه الذي يعيش فيه؟ كيف يستطيع أن تتجاوز دائرة تفكيره همه الشاغل إلى سواه؟ كيف يزور مخياله غير التفكير في عيش كريم يمكنه من تربية أبنائه، وحلم بعدل يعطيه حقه كاملا غير منقوص وبحرية تسمح له بأن يعبر عما يحس به ويعانيه من حرمان؟ كيف يسلك في أذن الجائع صوت لا يبشر بالخبز؟ وكيف ينفذ إلى وعي المقهور المحقور صوت لا يبشر بالحرية؟ 4 ، وبالأحرى كيف يجد مجهل مفقر محروم لنفسه متسعا من الوقت للتفكير في هم آخرته ومعاده وهو الذي قعدت به هموم التفكير في الشغل والعيش الكريم عن طلب الكمال، إن لم تجرفه أقصر الطرق للوصول إلى حياة “سعيدة” متواضعة تزور مخيلته بين الفينة والأخرى، ويرى أضعافها يتمتع بها غيره شيطنة وتحايلا وأكلا لأموال الناس بالباطل، غلبته نفسه وساقته بسبب فقره وحرمانه وظلم المجتمع له إلى اقصر السبل للوصول إلى الثراء أي ثراء ومن أي طريق كان؟ ورضي الله عن سيدنا علي الذي قال: كاد الفقر أن يكون كفرا).

المغرب المنسي

جاءت أمطار الخير لتعيد بقوة إلى الرأي العام الوطني والدولي صورة واضحة عن حقيقة المغرب وتؤكد مقولة “المغرب مغربان: مغرب النعيم ومغرب الجحيم، مغرب الأغنياء الذين لهم البحار وثرواتها، وضفاف الأنهار ومنتزهاتها والمناجم وخيراتها، لهم الثروة والسلطة والمال والقرار، لهم الإعفاء من الضرائب والتعويضات الضخمة والراتب المفتوح، لهم البلاد والعباد وأشياء أخرى يسكت عنها خوفا ورهبة آو تعففا وتخلقا، هؤلاء هم المواطنون المتمتعون بكامل وطنيتهم وزيادة، وأولئك من أبناء المغرب المنسي متهمون إلى أن تثبت براءتهم، ان احتجوا على وضعهم أو حاولوا أن ينفضوا غبار الذل عن كواهلهم، لأن قدرهم أن يعيشوا كماهم، وكأن أمر الغنى والاستحواذ على الثروة والقرار متعلق بجينات وراثية لبعض المواطنين دون غيرهم، وكأن الطبقية والفقر قدر الهي كما هو الغنى والسيادة قدر إلهي يورث من سلف لخلف.

جاءت أمطار الخير الفاضحة الكاشفة لترينا مغربا فيه النعم تتمرغ بأعتاب الأغنياء، ومغربا يفترش أهله الثرى ويلتحفون السماء، تسقط قطرات المطر بيوتهم على رؤوس من فيها ويغرقون تباعا في بطون الأودية، تجرفهم السيول الواحد تلو الآخر بكلميم وزاكورة ووارزازات ومراكش وطاطا وغيرها من مناطق المغرب مدنه وقراه التي يسكنها مغاربة منسيون من دائرة اهتمام القرار المركزي ومن شعارات براقة هي مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. جاءت أمطار الخير لتعيد إلى ذاكرتنا صورة الأسرة التي تسكن مرحاض السعادة فتضيف إليها صورا أخرى ناصعة عن مغرب النسيان، مغرب تعزل فيه قرى ومدن ومداشر عن العالم الخارجي مع انقطاع تام للكهرباء ولا نرى من الدولة إلا فشلا ذريعا في تدبير المخاطر، بل لا نرى منها حتى مجرد محاولات لإعادة الأمور إلى نصابها، مغرب مع نزول أول قطر في فصل الشتاء تتقطع فيه أوصال الطرق وتعزل المدن وتضيع مصالح وخدمات وتحدث الكوارث على الطرق، فتخرج الجهات الرسمية لتلقي باللوم على السائقين وعلى تهور بعض المواطنين لركوبهم المخاطر وانتهى الأمر، وكأن الغش في مشاريع بناء القناطر التي جرفتها السيول وحملتها كما تحمل الزبد والغثاء، سببها السائقون ووضعية الطرق الوطنية الغير السليمة التي تحصد آلاف الضحايا كل سنة والبنيات التحتية الهشة كلها سببها السائقون، أليس من باب الموضوعية أن نتجه ولو ببعض اللوم إلى الجهات المسؤولة عن هذه الأوراش أو نتساءل على الأقل عن طبيعة هذه الطرق والأوراش وإن كانت خاضعة للمواصفات والشروط المطلوبة، وإن كانت تحقق فعلا في المغرب ربط المسؤولية بالمحاسبة،؟ أم أنه مجرد شعار لا أثر له على أرض الواقع؟

أليست هذه الأمطار فاضحة للمفسدين والمستبدين ولشعارات صدعت رؤوس العباد كالعهد الجديد، ودولة الخدمات وحقوق الإنسان، والتنمية البشرية ومحاربة الهشاشة، وغيرها من الشعارات الطنانة الرنانة التي تحدث جعجعة ولا يرى الناس لها طحينا؟


[1] صحيح البخاري.\
[2] سورة الإسراء الآية 70.\
[3] الطبقات الكبرى بصيغ مختلفة ج 3 ص 105.محض الصواب في فضائل أمير المومنين عمر بن الخطاب لمؤلفه: يوسف بن حسن بن عبد الهادي المبرد (المتوفي 909 هـ).\
[4] كتاب الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ـ بتصرف.\