مدخـل

تدافع هذه الشذرات عن فكرة محورية مفادها عدم جدوى الرُّهاب الذي يصيب شقا معتبرا من الإسلاميين عندما يُفتح نقاش حول قضايا جوهرية في المسألة السياسية؛ من قبيل نوعية النظام الذي ينبغي أن يسود بلاد المسلمين ومرجعيته المؤطرة، فأنا أدعي أن هذه التخوفات، وإن وُجِدَتْ، فينبغي ألا تُهوَّل إلى الدرجة المَرضيَّة السائدة حاليا، على اعتبار أنهم إذا كانوا يؤمنون حقا بـ”الحرية الفكرية” لا يمكنهم أن يفرضوا الدين والإيمان على الناس فأولى التوجه الفكري أو السياسي الذي يمثلونه.

وعلى هذا الأساس، فإن هذه الشذرات تريد أن تؤكد، وبطرق مختلفة، أن الشعب، والشعب وحده، من يملك حق اختيار الإطار المرجعي الذي يفضل العيش في ظله ويستقي منه دستوره وقوانينه.

الطريق نحو الحكم: بين الاختيار والتغلب

علَّمنا التاريخ أن هناك طريقان سالكان للحكم: الأول شعاره الكبير هو “الاختيار”، أما الثاني فعنوانه العريض هو “الغلبة”، وقد فُرض على الأمة لقرون عدة أن تتعايش مع نتائج الطريق الثاني، حتى وجدنا من علماء الأمة من أنتج تصورات ورؤى في “الشرعنة” للمتغلب والمستولي خوفا ـ كما قيل ـ على “شوكة الإسلام” في البداية، ثم فيما بعد على “بيضته” عندما لم تعد له قوة ولا شوكة؛ فهذا الإمام أحمد يفتي بأنه من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما برا كان أو فاجرا)، وهذا ابن تيمية يقول بأن المشهور في مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم)، وما يزال ـ لحد الآن ـ من يلوك تلك المقولات البئيسة في بَلادة واستسلام.

المشكلة في هذا الخطاب، الذي يدَّعي الواقعية، أنه أصبح ـ بمرور الأيام وبدون أن يشعرـ وسيطا بين النص والدولة، يعمل على تأويل النصوص وليِّ أعناقها خدمة للسلطة المتغلبة تحت ذريعة “الحفاظ على إجماع الأمة”. ثم إنهم بتحريمهم “الخروج” على الأمير برَّا كان أو فاجرا انزلقوا إلى مستوًى منحطٍّ؛ إلى ما يسميه عزمي بشارة بـغياب المعايير الأخلاقية من الفتاوى والأحكام الدينية [السياسية]، وتحويلها إلى تبرير ما هو قائم وخدمته، فما كان حراما يصبح حلالا حالما يتغلب، ويصبح الخروج عليه حراما).

في المقابل فإن الأمة ـ للأسف ـ لم يُتحْ لها أن تجرب طريق الاختيار، وتنعم بنتائجها إلا لحظات قصيرة من بداية تاريخها، بما يتناسب والظروف التاريخية ونوعية الوعي السياسي الذي كان سائدا حينذاك.

الأمة بين خيارين: الاستبداد أو التناحر

السلطة في البلاد العربية منذ أن وعتْ خطورةَ انتشار الوعي السياسي بين أفراد المجتمع على وجودها وهي تعمل، بشكل ممنهج، على منع تطور الإنسان العربي ليرتقي لدرجة “مواطن”، وعملت على تلغيم بنية المجتمع إلى المستوى الذي أصبح فيه الناس واعين بأنهم أمام خيارين قاسيين: الاستبداد الذي يضمن ـ على أية حال ـ الأمن والاستقرار، أو التناحر المفضي إلى التفكك. وطبعا سيختارون ـ مكرهين ـ الخيار الأول، خاصة وأن السوابق التاريخية تؤكد أنه إذا وصل الأمر بالسلطة إلى رفع شعار “أنا أو لا أحد”، فهذا يعني حلولَ “الطوفان” المهلك بكل البلاد والعباد.

من علاتنا السياسية: العنف والاستقواء بالخارج

إن أهم مبدأين ينبغي أن تتمحور حولهما العملية السياسية والمدافعة بين مكوناتها، ويجب أن يشكلا ـ مجتمعين ـ خطا قانيَ الحُمرة، هو الاتفاق المبدئي واللامشروط حول عدم مشروعية استخدام العنف في التغيير السياسي، وعدم الاستقواء بالخارج أثناء التدافع مع الخصوم السياسيين، لأن التجربة أثبتت ـ في كل البلاد ـ أن عدم الالتزام بالشرطين يجرُّ الأوطان إلى الخراب، ويرتهن مستقبلها بيد قوى الاستكبار العالمي، التي تتدخل ـ لتبقى ـ لحماية مصالحها وحلفائها تحت ذرائع شتى.

ولكن ما العمل إذا كُمِّم صوتك أو زُوِّر؟ وما السبيل للاحتفاظ بالحكمة والرزانة إذا انقُلب عليك بدعم من كل قوى الداخل والخارج، ثم زُجَّ بك في السجون، ونظمت “حفلات إعلامية” لتشويه صورتك؟

الهدف نيل ثقة الناس… فما العمل إن لم نَحُزْها؟

الدخول في المعترك السياسي يكون للفوز بثقة الناس، في أفق العمل على تنزيل المشروع التغييري الذي يحمله أي طرف، وهذا يقتضي ـ من بين ما يقتضيه ـ إعداد أعضاء التنظيم والحاملين للمشروع على التعامل الإيجابي والقَبول بالأمر الواقع في حالة رفض الناس لتصورهم، إما بسبب عدم وضوحه، أو عدم الوعي بأهميته، أو بسبب تقاعس أبنائه على العمل على تقريبه لأفهام الناس، أو عدم نضج الشروط الموضوعية لتَسَيُّدِه. بل إني أذهب بعيدا في القول بأنه حتى ولو طُحن أبناء التوجه الإسلامي في شدائد مهولة كما نرى ونسمع، فإن هذا الطاحون يجب أن يُنظر إليه باعتباره مدرسة لتربية وتخريج رجال ونساء من الطراز الرفيع، مادام أن القدر الإلهي ـ كما يبدو لي ـ لم يأذن بعد بوصول الإسلاميين إلى السلطة، لأمور تدخل في مجال “أمر الله الكوني”، وأمور أخرى نفهمها؛ وأهمها ما تعلق بالعامل الذاتي المتمثل أساسا في عدم قدرة جلِّهم ـ لحد الآن ـ على فهم المتغيرات الفكرية والسياسة والمجتمعية والتحرك على هذا الأساس.

وفي انتظار نضج ما يصطلح عليه بالشروط الذاتية والموضوعية، على الإسلاميين أن يقلّصوا أولا من مساحة “الثوابت” السياسية، ويهتموا أكثر ببناء الذات، بالتوازي مع كسب تعاطف أكبر، والزحف على مواقع جديدة، والعمل على النَّسف التدريجي لمقومات السلطة القائمة، وأن يوفِّروا على أنفسهم ـ قدر المستطاع ـ الاصطدام بقوى ممانعة التغيير قبل اكتمال هذه الشروط.

النضال أولا من أجل ضمانات لحرية الاختيار ونتائجه

السؤال الذي ينبغي أن يؤرق “الفاعل” السياسي والمجتمعي الإسلامي هو: كيف السبيل كي يعبّر الشعب ـ كل الشعب ـ عن اختياره بكل حرية، فلا يُطرح صوتُه للمزايدات في السوق السياسوي، ولا يخاف سلطة ولا حسابا ولا عقابا؟ ثم ما هي الضمانات التي ينبغي أن توضع كي تفرض احترام هذا الاختيار وعدم تزويره أو الانقلاب عليه؟

جماهير وخارطة طريق

نرى أن أي تغيير لا يمكن أن يُكتب له النجاح إن لم يَصُغ خارطة طريق واضحة تعمل على الإجابة عن الأسئلة الثلاثة التالية:

ما هو التغيير الذي يُطلب؟ وما هو طريقه؟ وما هي العقبات التي تقف أمامه؟

وقبل هذا وأثناءه يجب أن يتوفر في التنظيم الطامح للتغيير شرط مركب أساسي؛ وهو وجود قاعدة جماهيرية واسعة، جزء منها منظمة وملتف حول قيادة حكيمة تمتلك نظرة متبصرة بما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

الإسلاميون ورفض طرح مسألتي المرجعية والتشريع للاختيار

من الإسلاميين من اقتنع أو تأقلم مع فكرة اختيار الحاكم وتحديد سلطاته ومدة ولايته، ولكنهم مازالوا ضد الذهاب لطرح فكرة “اختيار مرجعية الحكم” للنقاش العام ثم التصويت عليها، وكذلك ضد اختيار مجلس يكون هدفه “تشريع” القوانين والأنظمة. واعتراضهم هذا قديم نابع أساسا من كون المرجعية العليا هي الإسلام، وأنه لا يمكن لبشر أن يشرع، لأن ذلك شأن إلهي فـ”لا حكم إلا لله”.

ولكن السؤال الذي يثور في وجه هؤلاء هو: بأي فهم، وبأية إرادة سنتعامل مع نصوص القرآن التي تؤطر الفعل السياسي؟

بعد “الانكسار التاريخي”، الذي حوَّل مجرى التاريخ الإسلامي من “الخلافة الراشدة” إلى مُلْك، و”تشريعات” الأمة تُرتهن تدريجيا لمنطق بعيد عن مقاصد الشرع، والمتحكم هو الحاكم المستبد. وكان جمهور العلماء راضين على هذا الأمر ـ أو كالراضين ـ وقد سلَّموا، طوعا أو كرها، لوُلاة الأمر بهذا الأمر.

فإذا كنا نعلم جيدا أن الأمة أكثر التزاما بمبادئ الدين وشريعته من هؤلاء الحكام، فلماذا لا يطمئن بال الإسلاميين ويمنحوها ثقتهم ويرهنوا بيدها مسألة اختيار المرجعية والتشريع؟

السؤال الذي يخيف الإسلاميين هنا هو: وماذا لو أوصل هذا المسار لسدة الحكم توجها علمانيا متطرفا يعارض الدين ويرفض أن يستقي القوانين منه؟

في الحقيقة، ليس على الإسلاميين أن يخافوا أو يهلعوا؛ فهم ليسوا مسؤولين عن النتائج السلبية إلا بمقدار تقصيرهم، أما إذا أدوا دورهم ووظيفتهم كما يجب، انطلاقا من تصور محبوك، وعلى أساس خارطة طريق واضحة، فإن عليهم أولا أن يتركوا الشعب يتحمل تبعات اختياره، وأن يفهموا ثانيا أن هذه العملية ستمنحه ـ مع مرور الزمن ـ القدرة على فرز الأصلح.

وعليهم في هذه الحالة، التي تبدوا لي من باب “أرأيت إن…”، لأنني على يقين أن الأمة إن سُمح لها أن تختار الاختيار الحر فلن تمنح ثمرة قلبها وصفقة يدها إلا لمن تتفرس فيه الخدمة لدينها والإصلاح لدنياها، عليهم أن:

ـ يقبلوا بالنتائج كما هي، بشرط أن تكون نزيهة؛

ـ يتوجهوا لبناء الذات: تربية وتنظيما؛

ـ يعملوا على تقريب المشروع الإسلامي لجمهور الأمة؛

ـ يمارسوا معارضة مسؤولة في انتظار معاودة الكرَّة؛

ـ لا يعترفوا بالمشروعية الدينية للسلطة.

البداية الأفضل: فعل ثوري يتبعه بناء متدرج

نفضل أن يستوي اقتراحنا للحكم بالتدرج البنّاء، لكن بشرط أن ينبع ويتفجر من “فعل ثوري” وليس من حركة إصلاحية، وعلى هذا الأساس فـ”مقاطعة” الاستبداد و”اعتزال” ساحته في أفق شلِّ حركته هي الصيغة المثلى للبداية التي نريد، وهذا ما سيسمح لنا بأن نرفع من سقف توقعات الناس ـ السياسية والاقتصادية والاجتماعية ـ من الحكم. ولن يتأتى لنا ذلك حتى نجعل هدفنا الأول هو إخراج جمهور الأمة من عقليات التقليد والانقياد والخمول والقابلية القطيعية؛ أي العمل على إشراك أكبر شريحة شعبية ممكنة في تقويض الحكم الفاسد وبناء البديل، وإلا فأي تحرك سيكون “مغامرة فاشلة”.

خاتمة

لم يكن حديثنا هنا إلا عن التغيير في شقه السياسي، أما التغيير الجذريّ الذي نتصوره؛ والذي ينبع من مسؤوليتنا الدعوية باعتبارنا مسلمين حملة رسالة، والذي نؤكد أننا بتضييعه نضيع “الأمانة” التي حُمِّلنها . فـمهمتنا ـ حسب الأستاذ ياسين لا تتوقف عند تغيير بُنى المجتمع، وتنشيط اقتصاده، وتطوير وسائله، بل هي رسالة القرآن إلى الإنسان أن يغير موقفه، وينتبه لمصيره، ويُقْبِل على نفسه يُغَيِّرُ ما بها لتُقْبِلَ على ربها. وكل تغيير في السياسية والاقتصاد فإنما هو تبَعٌ لهذا التغيير الكلي الجوهري للإنسان، ونفسيته، وعقيدته، وأخلاقه، وإرادته، وحركته كلها على الأرض، لتكون حركةً لها غاية، ومعنى، وارتباط بمصيره بعد الموت، وبمصير أمته في التاريخ).

طموحاتنا لا حدَّ لها، وتغيير ما بالمجتمع من وهن وقابلية للتبعية والانحطاط لا يقتصر على إصلاحات قصيرة تتأسس على نفس “بنية نظام الفكر والقيم” السائدة والتي تتحمل مسؤولية التخلف الذي نحن فيه. أفقنا التغيير العميق الذي لا يمكن أن تقوده وتبنيه إلا حركة تحفر عميقا وتمتدّ في الزمان… وهذا هو التحدي، فكيف هي استجابتنا له؟