لمواقع التواصل الاجتماعي إيجابيات جمة في المعرفة ونشر القيم والدعوة إليها والتأثير بها، فضلا عن مستوى من إشباع الحاجات النفسية للشباب، خاصة إذا تم التعامل معها بوعي ونضج كبيرين. وإلا فإن سلبيات كثيرة تطفو على السطح مشكلة مظاهر منحرفة في السلوك والممارسة. فالضوابط والقواعد الاجتماعية والشرعية التي تؤطر عمل الفرد المؤمن في الفضاء الواقعي قد تسقط أو لا تُؤخذ بعين الاعتبار في حال تعاطيه مع الفضاء الافتراضي. ومن أخطر المظاهر السلبية التي تم رصدها في تعاطي الشباب مع مواقع التواصل الاجتماعي:

العلاقة بين الجنسين

حيث تكثر المحادثات في خلوة وسرية، فتتحول إلى علاقات للهو والعبث بمشاعر الناس، وتشكل ذريعة واسعة للفتنة والمعصية. تبدأ المحادثة بتعارف وعلم وأدب وتنتهي إلى مآس وصدمات عاطفية حيث تغلب في العالم الافتراضي تزجية الوقت دون مسؤولية أو جدية. وهو ما يطور بعض العلاقات إلى ما لا يرضي الله تعالى، فالله عز وجل خالق الأنفس وهو أعلم بها، يقول في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (النور: 21). لقد صان الإسلام العلاقات بين الأفراد، وحدَّها بسياج الشريعة، ولم يُجِز أي علاقة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج. لذلك فالمحادثة بين الجنسين لا تتم إلا في حدود ما تقتضيه الضرورة من زمن وأدب وأخلاق قرآنية ونبوية. وما لا يجوز شرعا في العالم الواقعي لا يجوز أيضا في العالم الافتراضي. والإنسان شاهد على نفسه يقول تعالى: بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (القيامة: 14- 15).

الإدمان وإضاعة الوقت

قد يتحول اهتمام الشباب بمواقع التواصل الاجتماعي إلى إدمان مرضي، ما يؤثر سلبا على نفسية الشاب ودراسته وعلاقاته الاجتماعية والأسرية وأخلاقه وسلوكياته. ويرتبط ذلك بحجم الوقت الذي يقضيه أمام الحاسوب والذي يكون على حساب واجبات أخرى مصيرية في حياته وأخراه. لذلك يجب ألا تأخذ هذه المواقع أكثر ما تستحق من العمر. فعنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لا تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ”. فالوقت أنفاس لا تعود، قال أحد الحكماء: من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه.

الغفلة عن ذكر الله

عن الصلاة، والقرآن، والذكر. حين سئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: “الصلاة لوقتها”. ويقول الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله: لا بد للمؤمن من وقت ينصرف فيه إلى ربه) (إمامة الأمة، 196). إلا أن للمواقع الاجتماعية جاذبية تربط الفرد بها، فَيُسوِّف ويُؤجل إلى أن ينقضي وقت الصلاة ويتبدد موعد الذكر وقراءة القرآن. والحقيقة أن تلك المغريات ينبغي اعتبارها ميزانا يقيس بها الشاب والشابة قدرتهما على الانتصار على النفس وهواها، يقول الإمام المرشد: ذكر الله به يتقدس الكيان القلبي للمؤمن، ويكون التقديس أعظم إن كان ذكر الله أدومَ. ويكون ذكر الله أعظم إن كانت دواعي الغفلة وأزمة الموقف أشدَّ. وبهذا يكون الذكر في الجهاد، الذكر عندما يخاف الناس ويزدحمون على مخارج الأمان ومهارب الجبن، أكبر الذكر) (الإحسان 1، 260).

الثقافة السطحية

فمواقع التواصل الاجتماعي لا تبني الشخصية العلمية بعمقها المطلوب، لأن بناءها يحتاج إلى الأخذ عن أهل العلم، والارتباط بمصادر المعرفة الموثوقة ومناهجها المعتمدة، وهو نادر الوجود بشكل كبير جدا على مواقع التواصل الاجتماعي. فغالبا ما تكون منشورات هذه المواقع، في أحسن الأحوال، انطباعات وتقويمات لشخصيات علمية أو سياسية، ونظرا لما يقتضيه المجال من اختصار وإيجاز لا يملك الشاب والشابة حديثي العهد بالتكوين والتأهيل القدرات الكافية لفهم الخلفيات والمرجعيات التي تؤطر الأفكار والآراء المعبر عنها، ولا تؤثث عقولهم الفتية بما يلزم من معرفة رصينة وعلم عميق.

الجدالات المتشنجة

النقاشات التي تدور بين مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، من توجهات فكرية أو سياسية مختلفة، قد تنفلت من عقال أدب الحوار والتواصل ويطغى عليها منطق السجال المتعصب. وهو ما ينتج عنه الانجرار إلى لغة بعيدة عن الأخلاق الإسلامية والإنسانية، تؤثر على الفكرة وصاحبها أكثر ما تنفعه. وينسى قول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل، 125) وقوله: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً (الإسراء، 53).

وقبل اقتراح أي وسيلة للحد من المظاهر السلبية التي باتت ترافق تعاطي بعضا من شبابنا مع مواقع التواصل الاجتماعي، يجب التنبيه إلى أن ارتباط بعض الشباب بمواقع التواصل الاجتماعي يتداخل فيه النفسي والاجتماعي والتربوي، ويمتزج فيه الإعلامي والسياسي والمجتمعي والأسري، ما يجعل الموضوع مركبا تحتاج مقاربته إلى مداخل متعددة. لكل هذه الاعتبارات وغيرها، ينبغي أن يتركز سعينا أساسا للتخفيف من الظواهر السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي عبر الباعث الذاتي والقناعة العميقة الناتجة عن صفاء تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله. وهو ما يتيحه:

1. فتح نقاش وتوعية تربوية وشرعية واضحة في مختلف المنتديات الشبابية، وتنظيم حملات تربوية على مواقع التواصل الاجتماعي يتم فيها توعية الشباب بالجانب السلبي لاستخدام وسائل الاتصال.

2. تضافر جهود كل المؤسسات كل من موقع ووظيفته، تربية للأطفال والشباب وتوجيها للأسر وتحصينا للمؤمنين والمؤمنات عامة.

3. العمل على نشر الوعي لدى الآباء والمربين والمسؤولين بحاجات الشباب النفسية والاجتماعية، والسعي لتلبيتها من خلال دمجهم في أوراش تربوية وتنشيطية وملء أوقات فراغهم.

4. تعميم التواصل مع الأسر والآباء وتنبيههم لسلبيات وإيجابيات مواقع التواصل الاجتماعي من جهة، ومخاطر منع أبنائهم منها بشكل مطلق. وترغيبهم في الحوار والمراقبة الذكية، والدعاء أولا ووسطا وآخرا.

5. توجيه حضور الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الحسابات والصفحات الرسمية لذوي السابقة ورجال التربية والتوجيه والدعوة والصلاح، وعدم ترك المجال فارغا.

6. توجيه الشباب نحو استثمار حضورهم الدوري على مواقع التواصل الاجتماعي لخدمة المشاريع الإعلامية الداعمة لنشر القيم الإنسانية المثلى ودعم حركة التحرر والتغيير.

7. البحث عن الوجه المشرق في هذه الوسائل من حيث الاستخدام؛ أي توظيفها فيما يعود على الشخص والدعوة والأمة بالنفع في جميع الجوانب.

8. تربية الحس النقدي لدى الشباب، ليميز بين الصالح والطالح؛ حتى يغربل الأفكار التي يتلقاها ويمحصها، فيأخذ ما هو أهل للأخذ، ويطرح ما هو أهل للنفور.

9. تدريب الشباب على حسن تنظيم الوقت، وحسن توزيعه دون أن يغلب الوقت الذي يخصص لاستهلاك ما تطرحه هذه الوسائل على حساب الواجبات والالتزامات الأخرى.