1- مقدمة تعريفية بالرسالة

رسالة تذكير) اسم لكتيب صغير الحجم والمبنى، كبير الفائدة والمعنى، جامع للُباب القصد والمرمى، من خمس وثلاثين صفحة من الحجم الصغير. مؤلفها: الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، وأكرم مثواه في الصالحين، مؤسس ومرشد جماعة العدل والإحسان.تاريخها: ليلة الجمعة، 27 رجب 1415هـ -ليلة ذكرى الإسراء والمعراج-· غلافها: بسيط في شكله، أخضر فاتح، فضاء مفتوح المدى، يتوسطه بياض، أحسبه يدعو قارئه ومتلقي رسالته إلى التفكر في كون الله الفسيح، لإيقاظ القلب للعودة إلى نصاعة الفطرة، حيث سر وجود الإنسان، في حاله ومآله.

2- محاور الرسالة

تتضمن الرسالة جوابا عاما عن القضيتين الأساسيتين التي ينبني عليهما مشروع جماعة العدل والإحسان:

في شقها النظري، وقد جاء الحديث عنها في إطار السؤال المركزي: جماعة العدل والإحسان حزب سياسي أم تناومٌ ودروشة؟) 1 . في شقها العملي، وهو بناء الفرد المؤمن والجماعة المؤمنة، بالتخلق بالخصال العشر في مجموعها.

وبذلك تكون الرسالة، مختصرا مركزا لأمهات كتب الجماعة: العدل، الإحسان، والمنهاج النبوي.

3- السياق العام: النصيحة والتذكير جبلة الرجل

لا يمكننا أن نفصل الرسالة/الكتيب عن المهمة الأساس التي ندب المؤلف -رحمه الله- نفسه لها، وكرس حياته من أجلها، فالنصيحة والتذكير، اتخذهما الرجل منار دعوته، وسر مشروعه، على درب من سبقه من الأنبياء والعلماء والمصلحين، منادين في الخلق، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين 2 ، رغم ما سببت له في كثير من الأحيان، من متاعب ونيل في العرض وسجن وحصار لسنوات عدة، فــرسالة تذكير) هي مسار في سيرة رجل قض مضجعه ما انفصم من أمر الأمة، فكان دأبه رحمه الله، منذ قام لله، تبليغ النصيحة والتذكير بأصل رسالة الأنبياء، للقريب والبعيد، للصديق والعدو، للحاكم والمحكوم، فكانت مجالسه -رحمه الله- كلها تذكير بالأصول التي يسعد بها الإنسان أو يشقى، وينبري للحاكم السابق واللاحق، برسالتي الإسلام أو الطوفان) 3 ومذكرة لمن يهمه الأمر) 4 ، لبهما التذكير بالله، والرجوع إليه، لأن الموعد الله، وما مجلس النصيحة الذي أسسه الرجل، وحث أعضاء الجماعة لحضوره والحرص عليه، إلا رياض مفتوح للتذكير بالأصول، وحسن الإقبال على الله، معلما وصوى، في حركة الجماعة وأنشطتها، السياسية منها والتربوية والتعليمية على السواء.

4- السياق الخاص: المعراج إلى الله طريق النصر

اختار الرجل رحمه الله، ليلة الإسراء والمعراج، ليلة الجمعة، مناسبة لبعث الرسالة التذكرة، أكتب هذه الصفحات ليلة الجمعة المطابقة لذكرى الإسراء والمعراج) 5 ، ماذا في ذكرى الإسراء والمعراج من عبرة وأسوة للعاملين على نصر دين الله عز وجل؟) 6 ، ثم يشير في إيجاز إلى ما لاقى الرسول صلى الله عليه وسلم من إيذاء ومحن في سبيل دعوة الله، فكان كلما اشتد عليه عنت قومه ازداد تقربا ولجأ إلى ربه سبحانه، واعتذارا لمولاه عن التقصير، وهوما تجلى بوضوح في دعاء الطائف، ليذكر العاملين للدعوة، ومنهم أبناء الجماعة، وكافة المسلمين، أننا، وقد تألبت علينا قوى الجاهلية من خارج متآزرة مع أنظمة الفتنة من داخل، أحوج إلى تجديد إيماننا بما يتجدد به الإيمان من صحبة في الله وذكر لله وإخلاص وصدق في اتباع سنة رسول الله، عليه صلاة الله وسلام الله) 7 ، فالثبات والنصر سبيلهما استقامتنا على الهدي النبوي وسيرنا على المنهاج النبوي، هي الكرامة يُفيضها الله سبحانه على قلوب العباد الصادقين. وتلك عبرة الذكرى وأسوتها) 8 . وإذا كان الله سبحانه، قد أكرم نبيه صلى الله عليه وسلم، بمعجزة الإسراء والمعراج، فلا ينبغي أن نقف عندها طلبا لمعجزة مثلها، ننشد بها النصر للدعوة، فالكرامة هي الاستقامة على أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، استقامة الباطن قبل الظاهر.

5- ما هوية الجماعة ووظيفتها؟

كان الرجل على بينة من أمره، وهو يرسل الرسالة ويذكر، حيث قصد صنفين ممن عنتهم الرسالة:

أبناء الجماعة على مختلف مستوياتهم: يذكرهم بهوية الجماعة، والأصل الذي بنيت عليه، إلى إخوة العدل والإحسان وأخوات العدل والإحسان مذكرة لمن ينسى، وتبصرة للوافد والوافدة اللذين لما ينكشف لهما من أمرنا ما تكنه القلوب، وتنطوي عليه الجوانح، وقد يقصر مدى الصحبة وربما سوء التفاهم عن إبلاغه حياً ماثلاً شاهدا) 9 ، فليس أعضاء الجماعة بمنأى عن التذكرة، وإرث الرسالة ينبغي أن يورثه الخلف للسلف، والفتن الضاربة بعضها ببعض قد تضعف الهمم والعزم، أو تحرف المسار، إذا سقم الفهم، أو ضعف طلب وجه الله، فــالآفاق السياسية أمام المسلمين كئيبة مظلمة منذرة بالويل والفشل لمن عمي عن تدبير الله عز وجل وعن حكمته في خلقه، وطفق، معتمداً على حوله وقوته، يزعم تغيير المجتمع، وهو في نفسه هوس، وغفلة عن الله، وإضاعة لحقوق الله، وتنكب لسنة رسول الله، واستخفاف بيوم الفزع الأكبر يوم العرض على الله) 10 .

فمبدأ تصدي الجماعة للباطل ليس صراعا سياسيا، أو ردا للفعل، أوانتصارا للنفس، أو طلبا لمغنم، وإنما هو استجابة لله ورسوله عبادة ونصرة للحق والمستضعفين في الأرض، ومن ثم وجب تصحيح النية، وتسديد القصد، وليس ذاك إلا بالاجتهاد والمجاهدة في الإقبال على الله، لا يدفعنا للتصدي أمام الزحف الكافر والدس المنافق والمؤامرة الشيطانية هاجس حزبي ومعارضة سياسية وبواعث وطنية. تلك شعارات ينتشي بترديدها وتلوينها وتشكيلها والخطبة بها غيرنا. ما ينبغي للمومنين والمومنات أن يتحركوا بالنية الساقطة فتحبط أعمالهم. ما ينبغي أن يستخفنا من يريدون الدنيا عن إرادتنا الإيمانية للآخرة، ولا أن تحجب عنا هذه وتلك مقعد الصدق عند الله، الذي يُكرم الله به من آثر الله على ما سواه، ولم يخش إلا الله، ولم تحل بينه إرادة وبين إرادة وجه الله) 11 .

كافة أبناء الأمة والوافدين الجدد: لحقهم على الرجل في سماع نداء الفطرة أولا، بلاغا لرسالة الله، وتوضيحا وبيانا، إلى إخوتي في الله من أهل الإسلام والغيرة على الدين رسالة مبادءة ودعوة وشرح – يشرحه الله عز وجل- لما في الصدور) 12 ، وذلك لما اختلط عليهم من أمر الجماعة، جماعة العدل والإحسان حزب سياسي أم تناومٌ ودروشة؟) 13 ، وهو إشارة لما ورثته الأمة، من انفصام نكد، بين قضية الإحسان بمعناه الشامل، و قضية العدل، وهي تبني هموم الأمة والمستضعفين في الأرض، استشرافا لنيل حقوقهم التي أقرتها شرائع الله المحكمة، وقوانين الإنسانية العادلة، وهمّ جماعي تتصدى له جماعة المؤمنين أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وفق فقه راشد متجدد، ونظرة شاملة. لا ترضى جماعة العدل والإحسان بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان. الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، الإحسان أن تحسن إلى الناس، الإحسان أن يحسُن عملك، الإحسان أن تُجيدَ وتفيد) 14 . وكان مما جاء في وصيته الأخيرة قبل موته رحمه الله: أوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا وفي اسم جماعتنا، فلا يلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لبلوغ مراتب الإحسان) 15 .

6- الخصال العشر: معالم على طريق البناء

يعرج الرجل إلى الحديث عن بناء الفرد المسلم، والجماعة المؤمنة، على المنهاج النبوي الرشيد، المتكامل، عمارة للأرض استخلافا، واستعدادا للقاء الله إحسانا، كيف نتصدى للتغيير الفردي والجماعي في الأمة؟ من هو الفرد وما هي الجماعة المؤهلة لتغيير ما بالأمة؟ يقول رحمه الله:

فنريد أن تكون التربية الإيمانية والتنظيم الجهادي، جامعين لكل معاني الإيمان، وحركاته، وعواطفه وعباداته، سواء ما يخص منها الفرد وما يعم الجماعة وما وراءها من العالم) 16 .

ويبسط في هذا الشأن الخصال العشر، التي تجمع سبعا وسبعين شعبة من شعب الإيمان، التي وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان” 17 .

فــللإسلام صوى وطريق لها معالم، والحديث عن شعب الإيمان يصور الإيمان وحركة المؤمنين في سيرهم إلى الله نهرا له شعب وروافد … يمثل نهر الإيمان في تجمعه وقوته الزاخرة في قلب المؤمن وجهاد الجماعة… «مجموع» فضائل المؤمن، وقد جعلنا كلمة «مجموع» مفهوما نعني به أن المؤمنين يتفاوتون في الإيمان وخصال الخير، فلا ننتظر أن تعطينا التربية رجالا في نفس المستوى في كل الجوانب، ولا ننشد في إخوتنا الكمال في كل الفضائل) 18 .

وبذلك تكون رسالة تذكير، للخاص والعام، بمشروع الجماعة بشكل عام، شق نظري، يقوم على مفهوم الغايتين: العدل والإحسان، وشق سلوكي يتوخى بناء الفرد والجماعة المؤمنة، التواقة لحمل هم الله وهم الأمة عدلا وإحسانا.


[1] رسالة تذكير ص 7.\
[2] سورة الأعراف 68.\
[3] رسالة من عبد السلام ياسين إلى الحسن الثاني ملك المغرب الراحل.\
[4] رسالة من عبد السلام ياسين إلى ملك المغرب محمد السادس.\
[5] رسالة تذكير ص 4 الله ص 18.\
[6] نفسه ص 5.\
[7] نفسه ص 6 و7.\
[8] نفسه ص 6 و7.\
[9] نفسه ص 4.\
[10] نفسه ص 8.\
[11] نفسه ص 11.\
[12] نفسه ص 4.\
[13] نفسه ص 7.\
[14] نفسه ص 8.\
[15] وصيتي للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ص 18.\
[16] المنهاج النبوي ص 119.\
[17] المنهاج النبوي ص 120.\
[18] رواه مسلم عن أبي هريرة.\