انطلاقا من سؤال أين ثروة المغرب؟ وعوض البحث عن رأسمال غير مادي كامن من باب أولى الوقوف على مؤشرات كمية ناطقة لم تزدد إلا تذبذبا وتراجعا خلال السنوات الأخيرة.

صعوبة الوصول إلى المعلومة الحقيقية من خلال التفاصيل يقودنا للتعامل مع معطيات رسمية تبقى ناطقة على تضاربها أحيانا بين مؤسسات تنتمي لنفس الكيان ألا وهو الدولة.

يكفي التذكير بأن مؤسسة رسمية واحدة على الأقل تتحدث عن ضرورة التوافق للاستدلال على أن المستقبل الاقتصادي غير مضمون العواقب: يعرف الاقتصاد الوطني مرحلة جزرمرتبطة بتقلبات الإنتاج الفلاحي. المغرب مطالب بتعزيز التوافق الوطني الحاضر حولسياسة اقتصادية انتقالية من أجل إصلاح المالية العمومية وتحويل بنيوي للاقتصاد واسترجاع القدرة على تملك الأدوات المالية والنقدية لتنافسية المستقبل) 1 .

وكيفما كانت الأرقام الإجمالية فهي تخفي في طياتها تباين التوزيع والفوارق المجالية وواقع الفقر والتفقيروالتهميش الذي تعيشه فئات عريضة من المجتمع في الوقت الذي تستأثر بضع مئات من المغاربة ومن يشاركهم من الخارج (رأسمال أجنبي) بجل مقدرات البلد. كما يجب التنبيه إلى أنه في غياب الحديث عمن يملك الأراضي الفلاحية وعن المقدرات المنجمية، وباختصار كل مصادر اقتصاد الريع وفي غياب التقدير شبه الحقيقي للاقتصاد غير المهيكل وللأموال المكدسة خارج منظومة التمويل الوطنية أو المهربة للخارج فإن كل الأرقام تظل تقريبية.

معطى أخير له أهميته قبل الخوض في اللغة القاصرة للأرقام هي أن الاستراتيجيات الاقتصادية القطاعية والاتفاقيات الاقتصادية الدولية البينية أو المتعددة الأطراف وما يرافقها من إعادة تموقع الرأسمال العائلي المسيطر والمتحالف أحيانا يؤكد ما جاء منذ أزيد من 18 سنة في كتاب عبد الحميد براهيمي “Le magrheb à la croisée des chemins” أن من ينسج اقتصاد المغرب ويحدد استراتيجياته واتفاقياته هو المخزن ومن يدور في فلكه. وهذا يعني أنه لا مجال للحديث عن الثروة في غياب السؤال عن توزيعها والشفافية في إنتاجها والعدل في تقاسم الأعباء الناتجة عنها واحترام الحقوق الاقتصادية للأجيال القادمة.

الجدول المرفق يبين وبشكل مختصر بعض المؤشرات الكلية الأساسية مع تحديد منحى تغيرها. المصادر الأولية المعتمدة: منشورات وزارة الاقتصاد والمالية على موقعها الالكتروني والمحينة بتاريخ 30 شتنبر 2014؛ مشروع ميزانية المواطن 2015؛ المنشورات الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط خاصة مذكرة الفصل الثالث حول الشغل ومختصر الميزانية الاستشرافية لسنة 2015 والمذكرة الفصلية رقم 27 أكتوبر 2014؛ ومنشورات بنك المغرب ومكتب الصرف وتقارير التصنيفات الدولية.

عمدنا أحيانا لمقارنة الأرقام الأخيرة لبعض المؤشرات بالقيم والنسب التي كانت عليها متم 2011 لمعرفة التطور الذي عرفه الاقتصاد بعد سن الدستور الجديد حكومة واحدة بنسختين ما بعد الانتخابات السابقة لأوانها. والملاحظة الأساسية هي الاستمرار على نفس النهج الاقتصادي، وهو ما يظهر جليا في الأهداف المبينة في ميزانيات المواطن للسنوات الثلاث الأخيرة، وتراجع المؤشرات الرئيسية أو محاولة ضمان استقرارها بالاعتماد أساسا على المديونية وهبات مجلس التعاون الخليجي وخفض مخصصات المقاصة ومواصلة التضريب على الطلب النهائي الداخلي.

نزر قليل من مؤشرات كثيرة وأرقام يختلط فيها المنجز والمؤقت والمتوقع والمتضارب، أيضا هي مؤشرات تخفي في طياتها الكثير من التفاصيل وتبسط معاناة الكثيرين. لكن وعلى الأقل تعري زيف شعارات أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح وتظهر أنه لا مناص من مراجعة المسير والقطع مع الفساد واقتصاد الريع أولا. وإذا أضفنا إليها المراتب المتدنية في جل التصنيفات الدولية والتي لا حاجة لذكرها فإن الأمر يصبح أوكد من المستعجل والضروري تفاديا للاستيقاظ يوما على وقع الكارثة. وبوجود المديونية المرتفعة فإن معدل النمو الاقتصادي لا يعني شيئا، إذ يتوجب خصم الديون لمعرفة الأصول الحقيقية والتي يمكن اعتبارها ثروة المغاربة.


[1] ندوة صحفية حول: الميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2015 الدارالبيضاء 25 يونيو 2014، صفحة 12.\