قال الأستاذ حسن بناجح، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان ورئيس الدورة 18 الأخيرة لمجلسها القطري، إن الوقائع والمنعطفات السياسية تؤكد مواقف الجماعة وخطابها). وأضاف في حوار أجراه معه موقع صدى نيوز ونشر السبت 29 نونبر 2014 أغلب أنشطة جماعة العدل والإحسان أصبحت تندرج ضمن العمل المشترك مع باقي شركائنا في وطننا، وهذا نتيجة لإلحاحنا المستمر على التكتل والتعاون).

وتعميما للفائدة ننشر فيما يلي النص الكامل لهذا الحوار.

كان لافتا للانتباه في البيان الأخير للمجلس القطري للدائرة السياسية خروجه عن المألوف حيث وضع النقط على الحروف وسمى الأسماء بمسمياتها، هل يمكننا أن نعتبر أن هناك تغييرا في خطاب الجماعة؟

لا ليس هناك أي تغيير في خطاب الجماعة. فكيف ينتظر البعض أن نغير خطابنا والوقائع تتوالى مؤكدة خيار الجماعة ومواقفها؟ إن اعتبار الاستبداد بالحكم هو جوهر المعضلة ومن ثم اعتبار إعادة تشكيل بنية الحكم على أسس جديدة عادلة هو المدخل الصحيح الذي يفضي إلى مسالك سيارة عوض المدخل المألوف خلال عقود الاستبداد الذي سعى إلى الترقيع والرهان على إصلاح بينية النظام من داخلها، وكان هذا المسار منحبسا غير سالك لأن أصحابه يجدون أنفسهم في الغالب أصبحوا جزءا من تلك البنية يدافعون عن ترسيخها أكثر من أهلها الأصليين.

وإذا كانت الوقائع والمنعطفات السياسية تؤكد مواقف الجماعة وخطابها، فإنها بالمقابل، خاصة ما حدث إبان حراك 2011 وما بعده، خلخلت وضع الاستبداد المألوف الذي كان اعتقد أنه وضع أبدي وكأنه قدر محتوم، ودخل مرحلة ارتباك وتخبط خصوصا مع اتساع دائرة الرافضين للمألوف.

ما ردكم على بعض الدعوات التي تخرج من حين لآخر تطالبكم بالعمل على تأسيس حزب والعمل من داخل المؤسسات؟

مع الأسف أن أغلب تلك الدعوات تخطئ العنوان؛ فعوض التوجه إلى النظام لمطالبته بمنح الجماعة حقها المشروع في التنظيم والحركة يركزون على تحميلها المسؤولية وهي الضحية. تلك الدعوات تصر على تثبيت وضع مختل تكون معه الحقوق المشروعة منحا وإكراميات يمنحها النظام لمن شاء متى شاء وكيف شاء.

هذا المنطق سبب أساسي في الوضع المتردي الذي وصل إليه المغرب ونحن نرفضه لأنه يناقض طموح كل حر إلى مغرب الحرية والعدل والكرامة. إن قضية الحصول على حزب في مغرب اليوم ليست مسألة قانونية يكفي فيها التزام المسطرة القانونية المتبعة لتنال هذا الحق، ولو كان الأمر كذلك فلماذا يمنع حزب الأمة إلى اليوم من هذا الحق رغم استيفائه جميع الشروط القانونية، ولماذا الإصرار على منع حزب البديل الحضاري.

بل قبل ذلك لماذا رفض حزب التجديد الوطني الذي تقدمت به حركة الإصلاح والتجديد بداية التسعينيات ليلجأ إلى حزب الحركة الشعبية. مع العلم أن وضعية اللجوء الحزبي عرضها الراحل عبد الكريم الخطيب على العدل والإحسان أولا ورفضت الجماعة ذلك وشهود الواقعة ما يزالون أحياء. أما حكاية العمل من داخل المؤسسات فتأكد فشلها المطلق، وظلت المؤسسات المنتخبة شكلية وبقي القرار في يد الملك والمؤسسات المعينة غير المنتخبة.

ولهذا فعدد، ولا أقول كل، ممن يلحون على العدل والإحسان بدخول تلك المؤسسات هو من باب أن يعم الفشل الجميع من باب إذا عمت هانت.

أما رهاننا نحن فعلى العمل المجتمعي الذي تتكتل فيه مختلف قوى المجتمع مع الشعب لإحداث تغيير عميق يعيد للمؤسسات المنتخبة دورها ويثبت قاعدة أن من يحكم ينبغي لزوما أن ينتخب من الشعب وأن يحاسب على تدبيره للحكم. وهذا الخيار هو الذي أثبت نجاعته مع الحراك العربي، وحتى في المغرب فالرهان على العمل من داخل المؤسسات المغشوشة وعديمة الصلاحيات فرض على المغرب حالة جمود استغرقت حوالي ستة عقود حتى جاء حراك 2011 فحرك الوضع الآسن بفعل ضغط الشارع، وجماعة العدل والإحسان كانت في طليعته.

وقد انطلق المسار وكل محاولات الالتفاف عليه وإعادة حالة الجمود، التي يسميها البعض استقرارا، لن تجدي بل إنها تغدي حركة المجتمع وتحرق كل أوراق التلاعب بسيادته، وتحدث فرزا سياسيا مهما جدا يؤسس لمرحلة انتقال حقيقي التي لا يهم أن تكون قريبة أو بعيدة، المهم أن السير نحوها يمضي في الاتجاه الصحيح. بعد مرور أزيد من نصف مدة حكومة بنكيران.

ما تقييمكم الأولي لمشاركة حزب العدالة والتنمية في الحكومة وبدستور جديد في سياق الحراك الذي شهده المغرب؟

الأمور كانت واضحة منذ البداية ولم تكن تحتاج إلى كل هذه المدة للتأكد من أن النظام لم يكن جادا لا في تعديل الدستور، ولا في السماح لحزب إسلامي بتصدر نتائج الانتخابات، ولا في التنازل عن القليل من الصلاحيات للحكومة، ولا في التخلي عن بنية الاستبداد المتجسدة أساسا في احتكار القرار وعدم الخضوع للمحاسبة، ولا عن بنية الفساد وفي جوهرها احتكار الثروة وسيادة اقتصاد الريع.

وعليه فكل ما نجحت فيه الحكومة الحالية هو إضافة المدة التي قضتها حتى الآن في عمر الاستبداد والفساد. المطلوب من حكومة سياسية قرارات سياسية كبرى لا فقط بعض الإجراءات المحدودة جدا التي يمكن لأي حكومة تكنوقراط أن تقوم بها كإجراءات جزئية معزولة عن بعضها البعض ولا تحدث مجرد خدش في الجدار السميك للاستبداد والفساد كمن يرمي الجبل بحصاة. وهذا وضع طبيعي، وواهم من ينتظر أكثر منه، لأن حكومة بتحالف هش ولا جامع بينه والذي استغرق توليفه اكثر من ثلاثة أشهر، زد على ذلك أنه يضم أطرافا كان يعتبرها حزب العدالة والتنمية من رؤوس الفساد، وأضف إلى كل ذلك أن المساحة المسموح لها التحرك فيها ضيقة جدا، باعتبار كل ذلك فالحكومة مياومة أو”عطاشة” لا أقل ولا أكثر.

وفي ذلك إهدار لمزيد من الوقت يصب في اتجاهين خطيرين على بلدنا: الاتجاه الأول هو أنه وقت يعطي فسحة أخرى لتغول الاستبداد والفساد. والاتجاه الثاني أنه يزيد من تعميق الأزمة وتشديد الاحتقان بما ينذر بانفجار غير محسوب التوقيت والكيفية والحجم.

لوحظ في المدة الأخيرة نقاش بين قواعد العدل والإحسان والعدالة والتنمية وقيادات التنظيمين في بعض الأحيان وصل إلى درجة السب والشتم اعتبره بعض المتتبعين أنه أظهر الجانب التربوي الحقيقي ومدى تقبل الرأي الآخر لكل منهما، هل ترى طريقة النقاش صائبة؟ وإلى متى سيستمر هذا ان صح التعبير “التنابز والتدابز”؟ وما رأيكم في كل هذا؟

أسلوبنا في الحوار مع الجميع معروف يطبعه الهدوء وقول التي هي أحسن، ونميز جيدا بين مطلب قوة الخطاب في حجته وبين منزلق العنف اللفظي. ومن أكثر المواعظ والتوجيهات ترديدا في مجالسنا تتعلق بحصائد الألسن هيبة وخشية من قول الله العظيم “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”. وبالتالي نحرص من جهتنا على تدارك أي منزلق بهذا الخصوص ولا نسمح به بيننا، ونتمنى أن يفعل الآخرون مثل ذلك حفاظا على أخلاق الاختلاف.

عرفت المدة الأخيرة خروجا قويا للتنظيمات الموازية والقطاعية “القطاع الطلابي، النقابي، الشبيبي، السياسي..” التابعة لجماعة العدل والإحسان، هل يمكن اعتبار الأمر استعراضا للقوة وتثبيتا للذات خاصة بعدما تخرج أصوات هنا أو هناك تشير أن الجماعة تعرف تراجعا تنظيميا منذ رحيل المرشد رحمه الله؟

فعلا نسمع بين الفينة والأخرى هذه الصيغة بالضبط، ولا أدري كيف لا ينتبه أصحابها إلى أنها متناقضة في ذاتها، إذ كيف لجماعة تعرف تراجعا تنظيميا أن تستعرض القوة بالكثافة التي ذكرتها في سؤالك سواء من حيث الكم أو الوتيرة أو شمولها لمختلف قطاعات الجماعة أو ميادين نشاطها. هذا قول بعضهم أما قولنا نحن فالجماعة بفضل الله لا تحتاج إلى استعراض قوتها لتأكيد المؤكد ولتحصيل الحاصل. ثم إننا واعون جيدا، وكما يعرف الجميع، أن رأسمال العدل والإحسان قوتها، طبعا بعد تأييد الله عز وجل. وهي قوة مبنية ليس فقط على العدد المتزايد والحمد لله، وإنما أساسا على ركائز متينة يسميها منهاج الجماعة النواظم الثلاث وهي المحبة في الله، والنصيحة والشورى، ثم الطاعة. وبالتالي فالجماعة تحسب بدقة واقتصاد كبيرين استثمار قوتها فيما ينسجم مع مخططها المرحلي وبرنامجها السنوي وما فيه مصلحة بلدنا.

الملاحظ أن الجماعة تفضل الاحتجاج لوحدها (القطاع الطلابي، قضية الشهيد العماري، في بعض حالات قضايا الأمة…) ألم يكن التنسيق بين مكونات الحراك دافعا نحو العمل والتنسيق المشترك مع مكونات قريبة في مواقفها وفكرها وبرنامجها من الجماعة؟

على العكس تماما فإن أغلب أنشطة جماعة العدل والإحسان أصبحت تندرج ضمن العمل المشترك مع باقي شركائنا في وطننا، وهذا نتيجة لإلحاحنا المستمر على التكتل والتعاون من جهة، ومن جهة أخرى يرجع إلى أن عددا من القوى والفاعلين أصبحوا ينحون نفس المنحى، وهو ما نثمنه ونقدره. ورغبتنا أن تعم روح العمل المشترك كافة المجالات وهي مسألة وقت فقط.

على ذكر العمل المشترك، لوحظ أن هناك فتورا كبيرا بين مكونات الحركة الإسلامية المغربية، خاصة بعد أن توقفت اجتماعات لجنة التنسيق التي كانت تجتمع بشكل دوري في ما مضى، فباستثناء علاقتكم التي لم تتوقف مع فصيل معين، فعلاقتكم بباقي الفصائل تعرف فتورا باديا لكل متتبع، ما أسباب ما يجري؟ ألن يعود الدفء مجددا كما كان على الأقل على بعض المستويات؟

أؤكد لك أن علاقتنا لم تتوقف مع أحد وإن كانت درجتها تختلف بين هذا التنظيم وذاك. ولا ينكر أحد أن قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة له تأثير كبير في ذلك، لكننا نلح دائما أن مجالات تعاون تنظيمات الحركة الإسلامية أوسع بكثير من العمل السياسي وحقولها متعددة ومتنوعة، وهو نفس الشيء مع مختلف مكونات المجتمع التي لا تحصر كل عملها في المجال السياسي.

منذ وفاة المرشد لم يعد يسمع الرأي العام رأيا ولا ظهورا لكريمة المرشد رحمه الله، هل فعلا، كما يروج في بعض وسائل الإعلام، هناك خلاف؟ وهل سلوك القيادة الجديدة جعلها تتوارى إلى الخلف؟ ما حقيقة الأمر خاصة وأن الأستاذة نادية كانت بخرجاتها الإعلامية تقدم دعاية وترويجا لبعض مواقف العدل والإحسان؟

أولا اعتزازنا وتقديرنا للأستاذة ندية ياسين أكبر بكثير من حصره في المجال الإعلامي. ثانيا القضايا الداخلية للجماعة نعتبرها شأنا خاصا ما لم يكن يتعلق الأمر بتدبير الشأن العام، والجماعة تمتلك من أجواء المحبة والأخوة ومن الأدوات التنظيمية الشورية ما هو كفيل بمعالجة كل قضاياها الداخلية.