مدخل.. أي موقع للكتاب؟

في العام 1994 ميلادية، صدر للإمام المجدد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين) عن مطبوعات الأفق بالدار البيضاء، وهو كتاب من الحجم المتوسط، ويقع في 240 صفحة. ضمن الإمام كتابه فصولا سبعة بالإضافة إلى المقدمة، جاءت عناوينها على النحو الآتي: الإسلاميون والصراع السياسي، أرضية للحوار، الديمقراطية والشورى، تعبئة وتغيير، تعليـم يحـررنا، تنمية تفكك رقابنا، حقوق الإنسان.

يقول الإمام عن رسالة الكتاب: إن هذه الصفحات، وإن جاءت تحت عنوان حواري موجه لفئة من الناس، قصدها الأول والثاني عرض القضية الإسلامية ومشروع المجتمع المسلم على جمهور المسلمين) 1 .

أما عن موقع الكتاب ضمن المنظومة الفكرية للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، فيقتضي منا الأمر الإشارة لمعطيين اثنين، لأن من شأن استيعابهما أن يسهل على القارئ الإلمام بمنطلقات الكتاب وبسياقه.

أولا- ابتدأ الإمام رحمه الله مشروعه الفكري بإحكام المقدمات التأسيسية لتجديد العمل الإسلامي. وهي مقدمات، تبغي كلها النفاذ إلى أقطار المنهاج النبوي بنورانية القلب الخاشع، وبسلطان العقل الجامع، وهمة القائم لله. جاءت المكتوبات التأسيسية كلها تدندن حول المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، وحركية المنهاج النبوي في زمن الفتنة، والمنهاج النبوي في التربية والتنظيم والزحف.

ثانيا- لم تخل مكتوبات الإمام رحمه الله من النقاش السياسي الذي ينتصب بعدا أساسيا ضمن رؤيته الجامعة، وتحليله المنهاجي. فالأسئلة السياسية الكبرى التي تؤرق بال الفضلاء الديمقراطيين، كانت مندمجة في كل كتب الإمام، غير أن كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)، بحث بشكل كبير عن المدخل السياسي للجواب عن هذه الأسئلة، بينما بحثت في المداخل الفكرية والفقهية والتاريخية والتربوية والحركية والاقتصادية مؤلفات أخرى سبقت هذا الكتاب أو لحقته.

مهد هذا الكتاب الحواري الطريق أمام الجواب السياسي عن أسئلة الفضلاء الديمقراطيين، ولأن من مقتضيات الحوار أن يكون ثمة ميدان مشترك للعمل، فقد كان هو الميدان السياسي، باعتباره ميدان الصراع والمدافعة. لذلك كان أول فصل في الكتاب يحمل عنوان الإسلاميون والصراع السياسي) والذي ورد فيه: على محك التجربة وفي ساحة الصراع وسوق السياسة سيلتقي جند الله، ويصطدم جند الله، ويواجه جند الله بدعوات أخرى تربيتها وتنظيمها ومشروعها واقتراحها على الشعب منصوبة على غير الأساسيات التي جعلت منا على مدى قرون أمة عظيمة) 2 .

أية أرضية.. لأي حوار؟

ورد في المعجم الوسيط أن معنى أَيُّ تكون شرطية، واستفهامية، وموصولة، ووصفا للدلالة على الكمال، وكونها اسم استفهام فهو يطلب تحديد شيء من جملة أشياء. وفي ثنايا الكتاب، يبسط الإمام رحمه الله كل قضاياه الرئيسية على شكل أسئلة استفهامية من قبيل: أية أرضية للحوار؟ بأية لغة نتخاطب؟ أي بساط نؤثث به أرضية الحوار؟ أي نظام للحكم؟ أي مجتمع نريد؟ أي تغيير؟ أي تراث؟ أي علم؟ أية حداثة؟ أي إنسان وأية حقوق؟

يعطي الإمام رحمه الله للنقاش مع الفضلاء الديمقراطيين قدرا كبيرا من الأهمية مع الاعتراف لهم بالفضل، فللمثقفين من الطبقة السياسية فضل علوم، وفضل اهتمام بالشأن العام، وفضل معرفة بما يجري في العالم، وبما يعني حاضر الأمة وتاريخها، وبما يَتراءى في آفاق مستقبلها، وبما يتصارع من قوى وما يُقْترَح من أفكار) 3 . وهو بعد ذلك يؤطر حواره معهم بمستوى عال من الوضوح والقصد، فهو لا يجد غضاضة مع حرصه على مد جسور التعارف، وبناء قنوات التواصل، في الإقرار بمسألتين اثنتين:

أولا- الحوار بين المشروعين الإسلامي واللائيكي اختيار مصيري. فهو واجب دعوي لأننا حملة رسالة ودعاة، وهو فطنة سياسية لأننا شركاء في الوطن. يقول: إن لم يكن حرصنا على مجالستهم ومناقشتهم ومراجعتهم بالصبر والمعاملة الحسنة الصادقة نابعا من شعورنا المخلص بواجب الدعاة حاملي الرسالة، فلا أقل من فعل ذلك أو بعضه فطانة سياسية، وحنكة إنسانية، ورفقا يتناسب مع مذهبنا ونيتنا في نبذ العنف مهما عنفوا علينا، ونشدانا للأمن الاجتماعي لهذه الأمة).

ثانيا- التناقضات بين المشروعين الإسلامي واللائيكي تناقضات عميقة، إلى درجة توحي لأول وهلة بعدم إمكانية الحوار فبالأحرى اللقاء، وكأنها من قبيل التناقضات التناحرية) 4 ، وهي تلك التناقضات التي تجعل مستقبل أحد المشروعين لن ينتصب شامخا إلا على أنقاض المشروع الآخر. ويتساءل: هل لما تقترحه المثاليتان من إمكانية لقاء على أرض الواقع الاجتماعي العيني؟ هل من إمكانية تعاون وتراض بين النخب الفاضلة من المغربين وبين الإسلاميين؟ كل يساهم بما عنده من إيجابيات لنتراضى على كلمة سواء هي الإسلام، كل الإسلام) 5 .

المنطلق في الحوار عند الإسلاميين هي أرضية الإسلام باعتبارها أرضية جامعة تستوعب كل الأرضيات الأخرى، ولا تقف منها موقف البديل للمبدل منه. تلتقي أرضية الإسلام مع كل ذي مروءة وخلق من النظراء والفضلاء، ولا تقطع الرحم الإنسانية وقد أمر الله بها أن توصل. هي لا تتنافى مع أرضية الوطنية، ولا مع أرضية حقوق الإنسان، ولا مع أرضية الحرية، ولا مع أرضية مناهضة الاستبداد. ولعل من أول ما نبدأ به الحوار مع المغربين اللاييكيين الديمقراطيين أن نلتمس منهم الاعتراف بحقنا أن تكون لنا عقيدة راسخة) 6 . وبالمثل نعترف بحقهم أن تكون لهم اختياراتهم وقناعاتهم اللاييكية امتثالا لقول الله عز وجل لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ 7 .

إن النفسية الإسلامية واللائيكية لم تسق بماء واحد، وقد علم كل منهم مشربه الفكري، وحُقَّ له أن يغترف من مشروعه ما يدافع به عن تصوراته ورؤاه. وما دام لكل منهم أرضية يحددها منطلقا للحوار مع الآخر، فما هو البساط الذي يؤثث أرضية الحوار؟ بمعنى آخر، أي مستوى من مستويات التفكير سيستهدفه الحوار؟ فهو إما أن يكون نقاشا يروم تأسيسا جديدا لمستقبل الوطن، وهذا ما يقتضي وضع لائحة القضايا الكبرى على طاولة الحوار. وإما أن يكون نقاشا يبحث عن ترميم جديد فحسب، وهذا لا يستلزم سوى وضع لائحة المطالب المستعجلة والملحة. إنه أساسا سعي نحو الحوار البناء بين المشاريع المجتمعية، وليس حوارا بين البرامج السياسية أو الانتخابية. حوار يبسط الأسئلة الكبرى من قبيل: ماذا يقترح المحاور على الشعب من مشروع؟ ما هي مواصفات المجتمع المثالي الذي يرسمه ليعبئ نحو تحقيقه الجهود؟ ما هو المثل الذي يحذو حذوه ليبرز للوجود خيرا بديلا عن الشر، وتقدما بديلا عن التخلف، وعدلا بديلا عن الظلم، وصحة بديلة عن السقم، وقوة بديلة عن الضعف، وانتصارا بديلا عن الهزيمة التاريخية التي عنت بها جباه الأمة لمستكبري العالم؟) 8 .

أي جواب.. لأية أسئلة؟

الأسئلة الكبرى هي الحاضرة في صلب الحوار، لذا لن يكون الجواب عنها جوابا جاهزا يعلن الموقف المبدئي من دون تمحيص. لن يألو الجواب جهدا في تحديد الخلفيات، وتحليل السياقات، وتقريب المتوافقات، وتوضيح المتناقضات، ثم لكونه جوابا سياسيا سيجتهد في تقدير الأولويات، ليخلص في الأخير إلى منهجية دقيقة وجامعة بين أمرين لا ينفصلان:

أولا: من باب الوضوح الفكري وانسجاما مع الصرامة المنهاجية، يشدد الجواب على رفض كل روح فلسفية تستقوي بها اللازمة اللائيكية المتسللة من كل منفذ.

ثانيا: من باب الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها)، يحرص الجواب على الاستفادة من كل آلية للعمل أبدعتها التجربة الإنسانية، بل يطلب توطينها في كل مجالات الحياة.

1- أي مجتمع وأي نظام للحكم؟

تأسيسا على حديث الخلافة باعتباره ضوءً كاشفا في تصور الإمام المجدد رحمه الله، واستحضارا لعظم جناية الدولة بعد فراقها للدعوة، واستعظاما لهول المآسي التي جرها انحراف نظام الحكم عن السكة الصحيحة طيلة تاريخ المسلمين، ينبري الإمام المجدد رحمه الله لهذه القضية الكبرى، معتبرا إياها أم القضايا، ومشددا في الحوار حولها على أصول وثوابت لا تنازل عنها.

وحتى لا يكون البناء المقترح ترميما جديدا لواقع الأمة ينهار عند أول هزة تصيبه، لا يبتغي الإمام رحمه الله تركيب نظام حكم هجين رأسه يمتح من معين الإسلام، وقاعدته ترد حوض اللائيكية. لا يتنازل الإمام رحمه الله قيد أنملة عن مطلب تركيب نظام الحكم تركيبا سليما، رأسه هو نظام الشورى)، وقاعدته هي جماعة المسلمين)، والروح السارية في أوصاله هي روح الولاية الإيمانية).

وبمثل هذا الحرص، يشدد الإمام المجدد رحمه الله على بناء جماعة المسلمين) باعتبارها القاعدة الاجتماعية للحكم. فهو يعي جيدا أن التمزق الذي يصيب النسيج الاجتماعي الضامن لاستقرار نظام الحكم، يشكل تهديدا مباشرا للنظام.

إن مصيرية بناء هذه العروة الوثقى في حياة الأمة هو الذي جعلها تتأبى على أنصاف الحلول، والحلول الملفقة والمستوردة، لذلك يعود أمر الحسم فيها للشعب. إنه اختيار مصيري بين نوعين من المجتمع مرتبطين ارتباطا وثيقا بنوعين من أنظمة الحكم: لا بد من مقارنة معروضة مقترحة على الأمة لتختار الأمة مشروع المجتمع الذي يستجيب لطموحها. إنه اختيار كلي لا تقبل فيه التجزئة ولا الانفصال ولا التبعض. إما الإسلام كل الإسلام، أي عبادة الله بلا شرك، وطاعته في الحكم بما أنزل الله من عدل وشورى وسائر الأحكام، وإما يختار الشعب الديمقراطية صرفة مقبلة على الشعب وفي ركابها شقيقتها وعللها وسائر لوازمها) 9 .

غير أن هذا الاختيار الكلي الذي يحسمه الشعب، والذي لا يقبل التجزئة أو التبعيض، هو شأن من شؤون مرحلة زوال الاستبداد وسيادة الحرية، وهي مرحلة تأتي بعد مرحلة مناهضة الاستبداد، ومرحلة تدبير الفترة الانتقالية. نحن على الدرب مع الديمقراطيين نتنافس على ثقة الشعب من يفوز بها. نعتبر ذلك التنافس جهادا سياسيا، ويسمونه من جهتهم نضالا… إن حدث أن اختار الشعب في هذا القطر أو ذاك، في هذه المرحلة أو تلك، أن يسير مع الديمقراطيين رجعنا على أنفسنا نتهمها بالتقصير في التعريف بما هو الحكم الإسلامي، واتخذنا وسائل تتيحها الديمقراطية النظيفة ولا يتيحها الاستبداد لكي نبسط للناس، ونشرح للناس، ونخالط الناس حتى يعرفونا على حقيقتنا، ويعرفوا الديمقراطيين على حقيقتهم) 10 .

في مرحلة مناهضة الاستبداد، من شأن هذه الصرامة المنهجية في تصور طبيعة المستقبل ورسم معالمه أن تصيب حركية المشروع بالجمود، وأن تدفع به ليصطدم بصخرة الواقع، إن لم يراعي تعقيداته وتشابكاته ويسايره بمرونة ترعى الأفق العالي وتخدمه، وتتجاوب في الوقت نفسه مع تحديات الواقع. هذه الجرعة المهمة من المرونة والواقعية الحركية هي التي دفعت الإمام رحمه الله كي يؤكد على أن لنا مع الذي يبشر بالديمقراطية في بلادنا حسابان: حساب مذهبي، وحساب سياسي) 11 .

أولا- الحساب المذهبي: الموقف المبدئي الذي يسعى مشروعنا لبنائه أفقا استراتيجيا، هو أن الشورى عندنا هي نظام الحكم الذي لا نبغي عنه بديلا، وأن “جماعة المسلمين” هي قاعدته الاجتماعية التي لن نتنازل عنها، مع تطلع جدي للاستفادة من مزايا “الديمقراطية”، ومن حسنات “المجتمع المدني” دون خوف أو مواربة. لذلك لو جلسنا مع خليط المثقفين إلى الحوار الهادئ المسؤول لنبين لكل فريق أن لنا مع الديمقراطية نقط لقاء كثيرة على علاتها النظرية) 12 .

ثانيا- الحساب السياسي: الموقف الميداني الذي يتحرك مشروعنا لصناعته حكمة مرحلية، واستيعابا للواقع، وتدرجا في البناء، هو أن ديمقراطية حقيقية على نقائصها، خير من الاستبداد الجاثم على الصدور. نتفق معكم على أن ديموقراطية نظيفة خير من استبداد وسخ) 13 . وأن العيش في مجتمع مدني يضمن الحرية خير من العيش في مجتمع التمزق والشتات. فالمجتمع المدني تكتلات وتعاون على المصالح، فهو قوة إذا قورن بالتفتت الذي يكون المجتمع فيه عبارة عن ذرات متناثرة لا يسمح الاستبداد أن تتألف وتتكتل، فتكون تهديداً لأمنه. فلكون التكتل والتعاون قوة تقض مضاجع الظالمين نفضل على التفتت الديمقراطية المؤسسة على قواعد المجتمع المدني. بعض الشر أهون من بعض. والخير الذي ندعو إليه هو تأليف المسلمين على قواعد الإسلام، كل الإسلام) 14 .

2- أي تغيير؟

التغيير الجماعي الآفاقي المرتقب يتأسس على التغيير الفردي الأنفسي، فهما صنوان لا يفترقان. و”جماعة المسلمين” هي القاعدة الاجتماعية التي يتأسس عليها نظام الحكم، ما يعني أن صلاح هذا الأخير واستقراره رهن بمدى تضامن هذا النسيج وصلابته وتماسكه، وهذا الأمر لا يقاس في نهاية المطاف إلا بالنظر إلى أمرين:

أولا- إلى المصير الذي تتعلق به همة الأفراد، باعتباره مدخلا رئيسا لإنتاج البواعث والحوافز والروابط والضوابط. وذروة سنام هذا المصير أن يتعلق الفرد بما عند الله عز وجل، مبتدئا الخطى بتغيير عميق في نفسه، مفتاحه “التوبة الانقلابية”.

ثانيا- إلى الروح السارية في أوصال جسم “جماعة المسلمين”، وهي روح “الولاية في الله” باعتبارها الرابطة المعنوية التي تنتظم المخاطبين في كتاب رب العالمين ب”يا أيها الذين آمنوا”.

أفق التغيير الآفاقي هو بناء دولة القرآن دولة العدل والشورى والإحسان، وأسلوب التغيير لا يمت إلى الانقلاب بصلة، لأن النموذج الذي يفرضه الأسلوب الانقلابي هو الاستبداد لا غير. الاستبداد فقط) 15 . هو أسلوب يسعى لبناء القوة السياسية والمجتمعية الكفيلة بقيادة عملية التغيير، لذلك يحرص على تجميع القوى السياسية الصادقة والراغبة في تغيير جذري، ويمد جسور الحوار معها، لتنقية الأجواء النفسية، وتهييء المناخ الفكري للتقارب والتفاهم، ومن ثم التعاون لتأليف القوة السياسية المنوطة بها مهمة التغيير. وعلى بساط المروءات يكون اللقاء مع كل الفضلاء الديمقراطيين، على صعيد المروءات، لو كان مع المروءة نصيب من التدين، يكون لنا لقاء مع العقلاء الفضلاء، ويكون لنا تعاون على منع التظالم وحماية الضعيف، وقول كلمة الحق زاجرة ناهية آمرة) 16 . ولأن التغيير مهمة سامية، كونها تتعلق بمصير الأمة، لا بد وأن يوثق هذا التعاون بميثاق يأخذ معاني العقد والعهد. تعاون على مناهضة البغي والاستبداد، وهي مروءة أية مروءة؟ إنها تقاطع طريقين في نقطة مناهضة الاستبداد ورفضه ومقاومته ثم تمضي كل طريق في اتجاه متباين تباين مشروعي الانصهار والاستقلال، متناقض تناقض اللائيكية مع الإيمان) 17 .

3- أي علم وأي تعليم؟

يجمع العلم المحرر بين مطلبين لا يفترقان، مطلب تحرير الفرد ومطلب تحرير الأمة. والعلم الواجب ابتداء هو العلم بالله، فهو يحرر الفرد من هواه المستغشي عليه ثيابه تكبرا وعنادا وإصرارا، ومن أنانيته المستعلية عليه، والمانعة له دون رؤية الحق حقا واتباعه، ومن ذهنيته الرعوية الماسكة بزمام عقله تصلبا وعنادا، ومن عاداته الجارفة له صوب مستنقع الدوابية والحيوانية.

والعلوم الضرورية هي هذه العلوم الكونية، التي تنحل باكتسابها وتوطينها عقدة المغلوب تجاه الغالب، وتتقلص الفجوة بين المسبوق والسابق، وبفضلها تتحرر الأمة من ربقة التبعية للاستكبار العالمي، حين تقبل بكل كفاءة وتمكن على بناء اقتصاد القوة والكفاية. العلم الذي لا علم أشرف منه هو العلم الحق بالحق. وهو العلم بالله عز وجل… فهذا هو العلم الواجب… وسائر المطالب من محو الأمية، وتعميم التعليم، واستصفاء أهل النبوغ، والإنفاق على التعليم، وتشجيع البحث العلمي وتوطينه واستثماره، كلها أسلحة ضرورية… إن كسب هذه العلوم والجهاد في تحصيلها قضية حياة أو موت في حق الأمة) 18 .

ولا ينفك التعليم المحرر عن الجمع بين بعدين متلازمين، بين شكل التعليم ومضمونه.

أولا- شكل التعليم: تعليم في كنف الأمة. إذ هو ليس من شأن الحكومة وحدها، بل هو قضية الأمة كلها. تعليم جيل المستقبل شأن عام، يكتنفه البذل والتطوع والمسارعة إلى الخيرات والمسؤولية الأخلاقية، ثم تعميم التعليم والقضاء على الأمية الدينية والأبجدية والتاريخية والسياسية والتقنية.

ثانيا- مضمون التعليم: تعليم في كنف القرآن. يكون الباعث على التعليم هو نداء الإيمان بصوت القرآن، ولغة التربية والتعليم المهيمنة هي لغة القرآن، باعتبارها واسطة تبليغ للرسالة التربوية الباعثة وللمضمون التعليمي العملي، بينما يبقى تعلم اللغات الأجنبية المفتاح الضروري لولوج الدوائر العليا من العلوم. واقتران العلم بالعمل في كتاب الله عز وجل، يفرض على التعليم النظري أن يقترن بالتدريب العملي، حتى لا يخرج تعليمنا أفواجا من اللفظيين) 19 .

4- أية حداثة وأية تنمية؟

الحداثة والتنمية قاطرتان تسيران في ركاب بعضهما البعض. ونموذج الحداثة الأوروبية هو نتاج خالص لمرحلة الأنوار، ذلك لأن اللائيكية هي التي فكت عقال أوروبا وفتحت لها أبواب التقدم والأمر كذلك لا شك، لأن الدين الكنسي كان عقالا وتحجرا وتنكرا للعقل. ومع ذلك فالقيم النصرانية التي بقيت في أوروبا حية هي التي نهضت بأوروبا) 20 .

غير أن طريق الحداثة والتنمية ليس واحدا، وليس عليها بالضرورة أن تسلك المسلك الأوروبي، ولا تستوجب بالضرورة القطيعة مع الدين ونبذا مطلقا له. فالقيم الدينية في نموذجي الحداثة اليابانية والصينية كانت هي الأساس الذي شيدت عليه النهضة اليابانية والنهضة الصينية. لقد كانت قيم الديانة الشنتوية والرهبانية البوذية اليابانية، وقيم الطاوية الكنفوشيوسية الصينية، صنعت وتصنع عالما آخر متفوقا مصنعا يقود منذ اليوم موكب التقدم العلمي التقني التنموي الصناعي) 21 . وعلى هذا الأساس لو كان يفترض بنا أن نقتفي خطى إحدى هذه النماذج، ولو كان التقليد هو الحكمة لكان الأولى أن نقلد قوى مستقبلية في ريعان شبابها، لا الأمة العجوز) 22 .

لا يسعنا أن نتسول حداثة من نتاج الآخرين، بل نصنع حداثة من صميم هويتنا، حداثة مسلمة المعنى والمبنى، حداثة إسلامية، ولم لا أسلمة للحداثة إن تطلب الأمر ذلك. والتنمية عندنا هي من جنس حداثتنا، التنمية جهاد، نوع من أنواع الجهاد. وعزائم الرجال تشارك في كل معركة. وسلاح هذا الصنف من الجهاد ما سبق من علوم وتدريب وتربية) 23 . التنمية الاستهلاكية السرطانية بنت بارة بالحداثة الأوروبية الجاهلية، ونحن مطلوبنا عمران أخوي عماده كفالة الأمة من عوزها، وقوامه الكفاية والقوة) 24 . مطلوبنا تنمية تفك رقابنا من ربقة التبعية، وتستخلص مستقبلنا من أيد غيرنا، أساسها التعاون الوثيق بين المسلمين في ميادين الاقتصاد والتعاون العلمي والعلومي، والتبادل التجاري.

5- أي إنسان وأية حقوق؟

حقوق الإنسان هي قضية الضمير الحي في الغرب، وهي لغة المدافعين عن الأخلاقية الدولية، وهي دعوة كريمة لصلة الرحم الإنسانية. ما هذا النداء الكريم، لو لم يرفع به خسيستَهم منافقون، إلا المروءة الكبرى التي ينبغي أن يجتمع عليها بنو الإنسان ويجعلوها ميثاقا لإنسانيتهم) 25 . غير أن لقضية حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها الآن ولادتان:

أولا- ولادة تاريخية: أعلن عنها عقب الحرب العالمية الثانية، وفي عهد الاستعمار، وجسدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث عكست مبادئ الإعلان الوضعية الدولية المنقسمة بين دول مستعمِرة وشعوب مستعمَرة، ودول منتصرة ودول مهزومة. لذلك فالتطبيق العالمي الفعلي، والإجراءات التدريجية، وضعت إطارين مختلفين، ورتبت درجتين مختلفتين لإنسانيتين غير متساويتين: إنسانية مسيطرة وأخرى مسيطر عليها) 26 .

ثانيا- ولادة فكرية: أفرزها الحراك الثوري في فرنسا، حين أطاح بالوهم الكنسي مع الإطاحة بالملكية، فكانت اللائيكية هي المنبع، وكان طرد الدين والعداء له هو المصب. مجاري الفكر الذي وضع إعلان حقوق الإنسان وجذوره وروافده نزلت من مصبها التاريخي حتى تجمعت في حوض “فلسفة التنوير” المحررة للعباد. ومن ذلك الحوض تفرعت جداول متشابهة على اختلافها، متآخية في العداء للدين وجهل حقيقة الإنسان وإنكار حقه السامي. في ذلك الحوض ولدت اللائيكية) 27 .

للأسف، هاتان الولادتان القسريتان، جعلتا الإنسان إنسانين، والحقوق صنفين، ومعايير الحكم معيارين، وفلسطين شاهد أول على ازدواج المعيار الذي تكال به حقوق الإنسان) 28 .

فما هي كلمتنا نحن في حقوق الإنسان؟ وما هي رسالتنا في الموضوع؟ رأس الحقوق عندنا، وأم الحريات، ومنبع الكرامة، تحرير الإنسان من كل عبودية غير العبودية لله رب العالمين لا شريك له. ومن حقه في معرفة ربه وخالقه تنبثق سائر الحقوق) 29 .


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” ص 4.\
[2] نفسه ص 14.\
[3] نفسه ص 3.\
[4] استعمل الكاتبين السوفياتيين كاشين وتشيركاسوف هذا المصطلح في كتيبهما “ما هي الفترة الانتقالية”، بمناسبة الحديث عن التناقضات الاجتماعية والاقتصادية التي تميز الفترة الانتقالية خصوصا على مستوى صراع الطبقات، حيث أقرا بوجود نوعين من التناقضات: التناقضات التناحرية والتناقضات غير التناحرية.\
[5] نفسه ص 77.\
[6] نفسه ص 21.\
[7] سورة البقرة، الآية 256.\
[8] الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” ص 38.\
[9] نفسه ص 82.\
[10] نفسه ص 59.\
[11] نفسه ص 80.\
[12] نفسه ص 62.\
[13] نفسه ص 69.\
[14] نفسه ص 83.\
[15] نفسه ص 111.\
[16] نفسه ص 107.\
[17] نفسه ص 77.\
[18] نفسه ص 142 و143.\
[19] نفسه ص 181.\
[20] نفسه ص 198.\
[21] نفسه ص 198.\
[22] نفسه ص 199.\
[23] نفسه ص 188.\
[24] نفسه ص 205.\
[25] نفسه ص 210.\
[26] نفسه ص 222.\
[27] نفسه ص 231.\
[28] نفسه ص 212.\
[29] نفسه ص 216.\