خلد العالم في الأسبوع المنصرم اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1977، وهو يوافق يوم اتخاذها للقرار التاريخي القاتل، الذي اصطلح عليه بقرار التقسيم في 29-11-1947، والقاضي بإنشاء دولتين على أرض فلسطين، “دولة إسرائيل” و”دولة فلسطين”. منذ ذلك الحين أضفت الأمم المتحدة الشرعية على إسرائيل، التي تسعى بخطى حثيثة من أجل القضاء على الشعب الفلسطيني، وطمس هويته.

غير أن وتيرة التهويد والاستئصال، تصاعدت في الآونة الأخيرة، بسبب عوامل متعددة محلية، وإقليمية، ودولية. فمحليا تسعى إسرائيل إلى إعادة الثقة لمستوطنيها، أمنيا واقتصاديا، بعد الهزائم التي منيت بها على يد المقاومة، خاصة وأنها على أبواب انتخابات تتسابق فيها القوى السياسية من أجل استقطاب وإرضاء المد اليميني المتطرف المتنامي من خلال المزايدة على القدس والأقصى. كما أن مواقف السلطة الفلسطينية المتساهلة بل المتعاونة والمهددة للوحدة الفلسطينية والمعيقة لانتفاضتها، يشجع الصهاينة على السير قدما في سياساتهم العدوانية.

أما إقليميا فقد وجدت إسرائيل في التحالف الإقليمي، المعلن منه والخفي، ضد الإسلام السياسي بغيتها، لتسير في استراتيجيتها الاستئصالية والتهويدية محمية ومدعمة. كما ساهم انشغال شعوب الربيع العربي، بارتداداته وبالثورات المضادة من الفاسدين والمستبدين، في تمادي الصهاينة وجرأتهم المخزية على المقدسات والخطوط الحمراء للشعب الفلسطيني.

أما دوليا فإن تنامي اللوبي الصهيوني، وانعكاساته على مواقف الدول الغربية ومؤسساتها، المتسمة بالمحاباة والتغاضي عن جرائم الكيان الصهيوني، جعل اليد الصهيونية حرة لتوغل في التنكيل بالشعب الفلسطيني، وتدنيس مقدساته.

لقد مهدت هذه العوامل للكيان الصهيوني، وأغرته بأن يتمادى في جرائمه ويعمل على استغلال الظرف الذهبي لتحقيق أهدافه الاستراتيجية بإخضاع الشعب الفلسطيني، والقضاء على مقاومته والنيل من مقدساته. فكانت أول خطوة العدوان الغاشم على غزة، غير أن صمود الشعب الفلسطيني والضربات القوية والموجعة لمقاومته الباسلة ردت كيده في نحره، لينتقل إلى القدس والمسجد الأقصى من أجل التغطية على هزائمه وتحقيق مكاسب بالتقدم خطوات في اتجاه هدفه الاستراتيجي المتمثل في هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه لإرضاء المتطرفين اليهود.

لقد تتالت انتهاكات الاحتلال للمسجد الأقصى بالاقتحام المتكرر لباحاته من طرف المستوطنين، وبالتدنيس لمصلاه وسجاداته بأقدام الجنود اليهود، واستمرار الحفريات من تحته وحوله مما يهدد دعائمه بالسقوط. وفي سياق التضييق على المقدسيين لتحقيق ما يصبو إليه الصهاينة، أقدمت إسرائيل على إصدار قوانين وقرارات عنصرية تقضي بمنع الشباب من الصلاة بالمسجد الأقصى وبهدم البيوت وتشريد أهاليها، وبمصادرة الأراضي وإجلاء أصحابها، وبإصدار قانون “القومية اليهودية” الذي يعتبر دولة إسرائيل دولة قومية يهودية، وبتهديم بيوت وإجلاء أهالي منفذي العمليات الانتقامية من الجرائم الإسرائيلية، لمواجهة غضب المقدسيين من الانتهاكات، وغيرها من القوانين والقرارات التي تهدف إلى التضييق على سكان أراضي 48، والحد من فاعليتهم.

إن هذه التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، تفرض واجبات على الشعب الفلسطيني كما تفرضها على شعوب الأمة، فالشعب الفلسطيني مطالب بتثبيت الوحدة الفلسطينية، وتهيئ شروط الانتفاضة الثالثة للتصدي للانتهاكات الصهيونية، ويطلب من شعوب الأمة، استمرارها في مسيرتها التحريرية في ظل دعم ومساندة صمود وانتفاضة الشعب الفلسطيني.

إن المنتظم الدولي يتحمل المسؤولية الكبرى في معاناة ومحنة الشعب الفلسطيني مند قرار التقسيم المشؤوم إلى يومنا هذا، بتوفير التغطية السياسية والقانونية لجرائم الاحتلال الصهيوني، وبالكيل بمكيالين في تعاطيه مع قضايا حقوق الإنسان في حق الإنسان الفلسطيني. ولا يمكن للمنتظم الدولي أن يكون عادلا، ولا ومؤسساته، ما لم تحقق الأمة استقلاليتها وقوتها.

أما أنظمة الاستبداد في أوطاننا فقد تودع منها، إلا أن يشاء الله غير ذلك، فضمان جلوسها على مقاعد الحكم رهين بخدمة وحماية الكيان الصهيوني. وما دامت هي مفصولة عن شعوبها، ومتحكمة في رقابه بالحديد والنار، فلا يمكنها أن تتحرك لصالح القضية من تلقاء ذاتها ما لم تستشعر الضغط والتهديد بأن الأرض ستزلزل من تحت أقدامها.