في الوقت الذي أصبح فيه العمل الجماعي ضرورة ملحة في عصرنا الحالي لأدواره الفعالة والمردودية القوية التي يخلقها في سائر المجالات، وأدى إلى سيادة ثقافة التطوع المنظم وتفعيل العمل بالفريق حتى على مستوى الهياكل الداخلية لجل المؤسسات الحيوية في العالم، نسير نحن عكس هذه التيارات العالمية حيث تسود بيننا ثقافة الانعزال والزهد في العمل التشاركي والنزوع نحو الانفلات من أية روابط تنظيمية بدءا من الجماعات والأحزاب إلى النقابات وصولا إلى الجمعيات بما فيها جمعيات الأحياء أو أولياء التلاميذ.

صورة معكوسة

الغريب في الموضوع أن الصورة اليوم تبدو معكوسة لما يفترض أن تكون عليه، فمجتمعاتنا العربية والإسلامية تحمل تراثا هائلا يحض على الاجتماع لأن “يد الله مع الجماعة” و“إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية” وغير ذلك من الشواهد التي لا تعد ولا تترك مجالا لشيوع الانعزالية فينا، في حين نجد أن مجتمعات أخرى لا سيما الغربية المتشبعة بالفردانية حتى النخاع بيد أن ذلك لم يمنعهم من حسن توظيف العمل الجماعي لما لمسوا فيه من عظيم الأثر عليهم.

مزاج شعبي متطرف

الموضوع لا يقتصر على الجانب السياسي والاتجاهات السلبية نحوه ونحو المشتغلين فيه فحسب، إذ لو ظل الأمر على هذا الشكل ربما نفهمه في حدود وإن كنا لا نبرره، فحالة الانسداد السياسي بالمنطقة التي تسبب فيها المنطق التحكمي للأنظمة الاستبدادية حول المشاركة السياسية في مؤسسات الدولة الرسمية إلى ممارسات عبثية لا تنخرط فيها إلا الكائنات الفاسدة أو المدجنة، كما أن الخيارات المقابلة للنسق الرسمي الطامحة للتغيير الحقيقي مكلفة، مما يجعل الانزواء طريقا سالكا لدى عامة الناس تجنبا للاستغلال الانتهازي أو للصداع الذي يخلفه التمرد أو مشاكسة المستبدين، غير أن الخطورة تتجلى في تطور هذا العزوف الجزئي لعزوف شامل عن كل المجالات التطوعية سواء على المستوى الدعوي أو النقابي أو الخيري أو غير ذلك، ولأن المرء يحتاج دوما لمسوغات لأي فعل يقوم به صائبا كان أم خاطئا، فقد تم تغليف مواقفهم السلبية من الفعل الجمعي بداعي الاستقلال الذاتي والتحرر من كافة أشكال التبعية، هكذا وبضخ إعلامي قوي تحولت المواقف التبريرية المحتشمة لهجومية حادة، الشيء الذي أدى إلى مزاج شعبي متطرف من هاته القضية لدرجة جعلت كثيرا من المُنتظِمين يستحيون من الإعلان عن انتماءاتهم حتى لو كانوا ينتمون لتنظيمات مثقلة بالتضحيات وذات إرث نضالي مشهود له.

أمراض تنظيمية أم مجتمعية

لا شك أن العمل التنظيمي يعاني من كثير من المسلكيات الخاطئة التي تنفر الفرد المستقل منه وتزهده فيه، لكن حصر هاته الأعطاب في التنظيمات لوحدها هو إجحاف كبير، لأنها في النهاية ليست أجساما غريبة قادمة من كواكب أخرى، هي بنت مجتمعاتها وكل أخطائها أو خطاياها يتحمل المجتمع الذي انبثقت منه نصيبا مهما من المسؤولية عليها، وإذا ما أمعنا النظر قليلا سنجد أن جل المؤاخذات على التنظيمات شائعة خارجها أيضا لدى عموم الناس. فالمشكل في الذهنيات المختلة سواء أكانت مُنَظَمة أم لا.

كالميت بين يدي مغسله!

لعل أبرز مأخذ على الانتماء التنظيمي هو ما يروجه البعض عن الحجر على حرية الأفراد المُنتظِمين وتفكيرهم وأيضا تكبيلهم بالتزامات وارتباطات ومن ثم توجيههم والتحكم فيهم حتى يصبحوا بمثابة قطيع أو بعبارة أخرى كالأموات بين أيدي مغسليهم لا حول لهم ولا قوة.

قد يكون هذا الكلام صحيحا عند البعض، لكن الصحيح أيضا أن الحرية التامة المنشودة معدومة والاستقلال التنظيمي لا يجعلك متحررا من القيود بل يخنقك بقيود هي أشد من تلك السائدة تحت حكم القهر السياسي والمجتمعي دون أن يكون لك يد في اختيارها، لأن اللاانتماء هو في ذاته انتماء لكنه انتماء قسري لنحلة الغالب، وبما أن العالم غير محايد ومتحرك وهو في تدافع مستمر وعنيف فإن جمودك في موقع ما أو حتى مقاومتك الفردية المعزولة لمد الآخرين يؤديان بك عمليا إلى الخضوع والانقياد لهم.

لذلك فحتى لو كان المنتمون قطيعا وبعضهم كذلك بالتأكيد، غير أنهم على الأقل قد اختاروا منذ البداية نسقا معينا وانسجموا معه دون أن يفرض عليهم أحد البقاء فيه أو مغادرته، بخلاف من يمشون مع التيار دون اختيار وإرادة بل المصيبة دون إدراك.

لا ننكر أن المستقلين تنظيميا متخففون من ضغط الانتماء وما يستلزمه من مجهودات، لكنهم بالمقابل يدفعون ثمن راحتهم تلك غاليا وللأسف ليس وحدهم، فهم يتسببون في إضعاف البنية المجتمعية لبلدانهم ويجعلونها عرضة للافتراس من لوبيات الحكم والاقتصاد المتنفذة. فحتى لو لم تكن لعامة الناس أية طموحات تغييرية وحتى لو اختاروا التعايش مع الأوضاع القائمة على علاتها، فلن ينتهي مسلسل الانقضاض على حقوقهم المكتسبة والأصلية أيضا لأنهم ببساطة قد تركوا أنفسهم بدون ظهر محمي.

لا شك أن في الانتماء التنظيمي تنازلا عن جوانب من حرية الفرد، لكنها ضريبة لا بد من دفعها وهي قاعدة معروفة في الاجتماع الإنساني، فالإنسان يضطر للتضحية أحيانا ببعض أموره الشخصية لقاء إشباع بعض حاجاته، لذلك لا نجد أية مشكلة في الانضباط شرط ألا يتجاوز الأمور الإجرائية ولا يمس بما هو مبدئي.

الانحسار وعدم التأثير

ثمة من يعتقد أيضا أن وجوده داخل تنظيم معين يعيق نشاطه ويحد من تأثيره، الشيء الذي يحرم باقي الأمة من الاستفادة من علمه أو فكره أو نشاطه بشكل عام، فيفضل اعتزال العمل التنظيمي حتى ينفتح على الجميع.

بدأت هذه الظاهرة برموز كبيرة فضلت الانشقاق أو اختطت من البداية خطا موازيا للخط التنظيمي لينتهي المطاف بها لتصبح قناعة راسخة عند جل ما يسمى ب”النخبة المثقفة” بل حتى بعض الأفراد العاديين أصابتهم هذه العدوى، فغدا كل من ظهر في وسيلة إعلامية أو كتب عددا من المقالات أو حظي بقدر ولو متواضع من المتابعة في شبكات التواصل الاجتماعية يتغنى بهذا الموال.

قد تبدو الفكرة جذابة للوهلة الأولى لكن واقع الحال ينقضها، فليس شرطا أن تخرج من التنظيم حتى تحظى بالقبول والتأثير، وقد حاول البعض أن يتحرر من الثقل التنظيمي حتى ينفتح على الآخرين ويصبح ملكا للأمة وليس لفصيل أو تيار محدود، فلم يحقق جلهم ما كانوا يأملون بل فقدوا الإجماع حتى داخل تنظيماتهم الأصلية، فيما نجد العكس لدى رموز أخرى لم تمنعهم ولاءاتهم من التأثير الخارجي الذي قد يتحول إلى شعبية جارفة وإشعاع هائل فاق حتى بلدانهم ليعم سائر المنطقة كما في حالة الشيخ أحمد ياسين وياسر عرفات.

إذن الأمر متعلق بكاريزما الشخص نفسه وتضحياته ومدى قدرته الذاتية على الانفتاح وعلى كسب قلوب وعقول الناس ولا فرق هنا بين منتم ومستقل.

التعصب

أما الذين يكثرون من الحديث عن التعصب لدى بعض المنتمين للتنظيمات فهم لا يأتون بجديد، غير أنهم ينظرون للصورة بشكل مُجزإ، فسمة التعصب للرأي ليست حكرا على من هم في الصف من المُنتظِمين، هي عامة على الجميع ويمكن تلمسها بجلاء في النقاشات الإعلامية والكتابات الصحفية وفي الفضاءات العامة والخاصة، فلا فرق حقيقي إذن بين الطرفين والآفة عند الجميع مع الاختلاف في كون المنتمي على الأقل يتجرد من ذاتيته لصالح تبني أفكار تنظيم معين أي أنه يغادر أنانيته قليلا ويحول تعصبه من ذاته إلى ذات أخرى أكبر وأعم مما يلزمه ذلك بالتنازل عن شيء من خصوصيته، وهو بذلك يثبت قطعا أنه أفضل ممن يتمركز حول ذاته المستعلية ويكتفي بالتنظير السلبي والأستاذية في وسائل الإعلام ومن شرفات المقاهي أو على جدران الفيسبوك وتويتر دون أن يقدم دليلا ملموسا على صدقه وجديته فيما يطرح.

صراع مصالح؟

التهمة الجاهزة عند الكثيرين هي أن التشكيلات الموجودة في الساحة تلهث وراء مصالحها وما المبادئ والشعارات التي يروجها أنصارها إلا مطية تستغلها للركوب على الشعب وفي أي وقت قد تخذله بعقد صفقات مشبوهة مع الأنظمة أو الأطراف الخارجية.

لا ننكر أن هذا الأمر حصل مرارا وتكرارا من بعض الهيئات والفعاليات المجتمعية إلا أن تعميمه على جميع من في الساحة هو خلل كبير. والأهم من ذلك أننا إذا نظرنا إلى الصورة بشموليتها سنجد أن اللاهثين وراء المصالح والامتيازات لا يقتصرون على بعض التنظيمات فقط، ويكفي النظر لمشاهير الفن والرياضة وحتى الفكر والسياسة وجلهم تقريبا من المستقلين وكيف يصطفون، إلا القليل القليل منهم، مع لوبيات الفساد وأنظمة الاستبداد في المنطقة حتى ندرك أن الأمر أبعد وأعقد من تحميل تنظيمات بعينها مسؤولية الانتهازية والتلاعب بمصالح الشعب، فأزمتنا حقيقة متعلقة بالأنانية والنفعية وسيادة منطق اقتناص الفرص عند قطاعات واسعة من مجتمعاتنا بغض النظر عن الانتماء من عدمه.

القيم والعمل التنظيمي

لا يكتفي البعض بالتبخيس من التنظيمات والمنتسبين إليها فيلجأ للمزايدة التي قد تصل حد التكفير أو التخوين، لأن استقلالهم التنظيمي يجعلهم حسب ما يتصورون طبعا وحسب ما يروجه الإعلام الموجه مؤهلين لاحتكار القيم المؤطرة لمجتمعاتنا، فهم الأحرص على الإسلام والأجدر بحب الوطن والأكثر تجسيدا للقيم الإنسانية العامة زاعمين أن التنظيم حائل بينه وبين الإخلاص لتلك القيم.

هذا منطق عجيب فعلا، فكيف يمكن للقيم أن تسود دون تصريفها في وسائل تنظيمية؟ أليست تلك الوسائل هي الإثبات الحقيقي لصدق المدعي؟ ومتى كانت السلبية والقعود قيمة مضافة؟ فالذي يترك الراحة ويقبل على العمل التنظيمي مع ما فيه من إجهاد وتضحية إن لزم الأمر هو الأحق بتمثلها من غيره.

لا خيارات حقيقية

الكثيرون لا يرفضون الانتماء من ناحية المبدإ لكنهم يتحججون بانعدام الخيارات الحقيقية مما هو معروض في الساحة فلا يوجد حسب زعمهم أي إطار يستحق العمل من داخله.

ربما قد نفهم حديثهم لو اقتصر على الهيئات المنخرطة في المؤسسات الرسمية والتي صنعتها النظم المستبدة إذ لا قيمة ترجى من أي عمل عبثي، لكن التطرف في إطلاق الأحكام وتصوير المشهد بتلك القتامة مسألة غير مقبولة وفيها مثالية مفرطة مع شيء من الدلال الزائد، فيستحيل من بين المئات وربما الآلاف من التشكيلات ألا يجد المرء تنظيما ينسجم مع قناعاته، كما ينبغي له ألا يرفع السقف كثيرا ويتخلص من الطهرانية المبالغ فيها، فإذا كان هو نفسه يخطئ فلم يطلب من التنظيمات أن تتنزه عن الأخطاء.

التنظيمات هي منتجاتنا، هي صورتنا المجتمعية، وعلينا تقبل ذلك والتعايش معه ثم السعي لتحسين واقع التنظيم من الداخل، هذا أفضل من حالة اللافعل والبقاء في خانة المتفرجين أي “حزب الكنبة”.

علينا التأكيد هنا أننا لا نقصد بأهمية العمل التنظيمي فرض الانتماء العضوي على كافة شرائح المجتمع، لأن ذلك لا يستقيم مع منطق الأشياء، فبعض الناس لن ينسجموا مع الالتزام لسبب أو لآخر، لكن هذا لا يجب أن يكون مبررا يجعلهم يقطعون الصلة نهائيا بالعمل التنظيمي أو يحرضون ضده، فالانتماء هو الأصل وما دون ذلك استثناءات، كما ينبغي أن يظل الارتباط مع التنظيمات قائما بشكل أو بآخر أقله في دائرة التعاطف، المهم أن يستند الجميع إلى مرجعية تؤطرهم مجسدة في أحزاب أو جمعيات أو نقابات أو غير ذلك، وذلك حتى نضمن حصانة المجتمع وقوته في وجه من يريد به سوءا.