أجرى موقع هسبريس حوارا مع الدكتور ادريس مقبول، الباحث في الفلسفة واللسانيات وأحد الوجوه الفكرية لجماعة العدل والإحسان، حول عدد من القضايا المعرفية والفكرية التي أثارها الإمام عبد السلام ياسين في مؤلفاته ونظراته، والتي سلط عليها مقبول الضوء في كتابه سؤال المعنى في فكر عبد السلام ياسين).

كما عرج الحوار على مواقف العدل والإحسان من الواقع السياسي، وتقييم حكم الإسلاميين في ظل الربيع العربي. نعيد نشره تعميما للفائدة:

أصدرتم، بحر العام الجاري، عملًا يقرأ فكر الشيخ عبد السلام ياسين، بعيدا عن مضمار السياسية، ما الدوافع التي حملت إلى تلك الوجهة؟

عبد السلام ياسين تجربة فريدة في تاريخ الفكر وقد اختط لنفسه مساره الخاص الذي يجد فيه القارئ أصداء لتفاعلات قوية وهادرة مع سائر أفكار عصره، الرجل رحمه الله عاش تجربة روحية وفكرية ميزها انفتاحه الدائم على كل جديد في مجال الفكر، لكن تجربته ظلت رهينة الجحود الأعمى لمناوئيه، ظلت رهينة الصورة النمطية التي رسمها سلطان الإعلام والحصار السياسي عنه. ظلت تمارس حجبا مستمرا لأفكاره تزداد كثافته بسبب تقلبات أحوال الطقس السياسي، فعرف عنه العامة مثقفين وغير مثقفين الصورة المختزلة، وفي الاختزال يسقط الجوهر والمعنى كما يقول بول فاليري..

عبد السلام ياسين فيلسوف بالمعنى الحقيقي للكلمة، الفلسفة بما هي موقف وسؤال و سلوك وأيضا توليد دائم للمفاهيم كما يعبر جيل دولوز في كتابه ما هي الفلسفة؟

الذي يطالع كتابكم يجدكم تناولًا لفكر عبد السلام ياسين في علاقته بمباحث الفلسفة الكلاسيكية، سواء تعلق الأمر بالإنسان أو بالمعرفة أو بالتاريخ والجمال، فأين وجدتم المعنى على امتداد الدراسة؟

المعنى كالنبات يبرعم حين تزول عنه أحجار الأوهام.. وهي “أوهام” متصلة ومنفصلة: “وهم” أن الإنسان مركز الكون، وأنه مبدأ كل القيم الأخلاقية والسياسية، و”وهم” تحرير العقل وحده للإنسانية وقدرته على أن يكفل لها السعادة في هذه الحياة، وأنه بالتقنيات وبالعلوم سيجلب الإنسان أياما أفضل وسلاما للبشرية، و”وهم” أن الموضوعية هي جوهر العلم ونتاجه، ووهم أن العولمة انفتاح وتلاقح وأن القوة والسلطة تجلب التقدير وأوهام أخرى لا تنتهي..هذه ليست سوى تحيزات ذكية للمصالح الحيوية لمن يتخفى وراءها.

المعنى في تقديري يوجد في أعماق الإنسان يوجد في الداخل كما في الخارج حيث يجد من يفتش عنه بصدق وإلحاح، يوجد في القيمة حين تعود للظواهر فتتحول إلى آيات وعلامات هاديات تفتح أفق الإنسانية المغلق في اتجاه المطلق فتعرف الإنسانية ربها وتسعد بلقائه.

من أين جاءت فكرة تقديم ويلفريد هوفمان الألماني للكتاب؟

الدكتور مراد هوفمان كما تعرفون رجل دبلوماسي ومفكر ومتعدد الألسن وقد تعرف إلى الإسلام من مدة، لكنه تعرف إلى إسلام المعنى وليس إسلام الشكل، شعاع المعنى هو الذي جلبه إلى دائرة الإسلام، قيمه وأخلاقه وروحانيته وفلسفته، وهو قبل ذلك كان ذا خلفية كاثوليكية، جلبه المعنى لأن الرجل جال في انحاء الأرض فتعرف على التنوع الثقافي، تعرف على الأشكال وتعرف معها على المعنى المتواري خلف الأشكال، ولهذا كتب ما كتب عن الإسلام كبديل وكتاب الإسلام في الألفية الثالثة، ورحلته إلى مكة وغيرها من الكتب التي تعكس خلفية الرجل الفكرية والفلسفية، وقد كان لقائي الأول بكتاباته قبل أن أعرفه مباشرة، وهو في حياته كما في كتبه رجل هادئ عميق يتميز بقدر كبير من الحكمة، وقد تيسرت لي زيارته في بون في المدة الأخير بمنزله ومن هنا جاءت فكرة تقديمه للكتاب الذي أعتز به.

نرجع إلى كتابكم دكتور، فنقرأ مثلا الحديث عن الانكسار التاريخي وربطك بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ في فكر عبد السلام ياسين، إلى الحد الذي يتحول فيه الانحراف في فهم التاريخ انحرافا في فهم الدين، هل يعني ذلك أن الرؤيتين تعودان لمرجعية واحدة؟

الانكسار التاريخي الذي حصل في تاريخ الأمة ليس حدثا تاريخيا فحسب، وإنما هو حدث ديني يمكن أن تتناوله فلسفة الدين بالبحث، مع الانكسار التاريخي تراجعت قيم وزحفت قيم أخرى، تراجعت قيم الإسلام الحقيقية القرآنية لصالح القيم الجاهلية والكسروية، وتراجعت قيمة الأمة والجمهور المتجسدة في الشورى لصالح قيمة الاستبداد والفرد، وتم التطبيع معه ليتحول إلى واقع لا يرتفع بل وإلى ضرورة لا تكون الأمة إلا بها، وتراجعت قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكادت لا تطال إلا قضايا الأفراد بعيدا عن قضايا الحكم الوراثي المتغلب، وكانت كل هذه راجعة في الأصل إلى عطب أصاب العقل المسلم الذي أضعفته التجزيئية والذرية، إنها البداية الأولى للعلمنة في تاريخنا.

هلَّا أوضحتم كيف يحصل التوازن بين العقل والقلب؟

العقل في فلسفة ياسين ليس سوى وظيفة من وظائف القلب، وهو في ذلك يلتقي مع القديس اوغسطين في اعترافاته وبليز باسكال في تأملاته وغيرهم من العرفانيين في التاريخ الفلسفي كالغزالي وطه عبد الرحمن، وعلى خلاف ما يروج من استخفاف عبد السلام ياسين بالعقل، إنما استخفافه بالعقل المادي المتغطرس المنقطع عن الوحي، وياسين ينبه إلى اهمية التوازن بين العقل والقلب ، ويحذر بالفعل من طغيان العقلانية الملحدة على روحانية الإنسان وقلبه بحيث تحْرِمه من حقه الأسمى، من آدميته التي لا تتحقق إلا بمعرفة الله عز وجل. وتعطيلُ العقل عن وظيفته في تلقي الشريعة وتلقي آيات الله في النفس البشرية، وفي الجسم البشري، وفي الآفاق، والذي يؤدِّي إلى ضُمور القلب، وتطرُّفِ الروحانية، وخُرافية التفكير، ومن ثم إلى الجهل والجاهلية.

فمن حق المسلم أن لا يَنْطَمِس نُورُ قلبه بتألق عقله، وأنْ لا يُطفأ مصباحُ عقله بأوهامه النفسية كما يقول عبد السلام ياسين، هذه هي المعادلة الصعبة التي يجب إنجازها لتحقيق التوازن.

وكيف يمكن أن تنجز المعادلة في نظركم؟

إنجاز هذه المعادلة من طريق فلسفة التربية التي تعنى بمعالجة آفتي الجهل والعنف في حياة النوع الإنساني، والتي تبحث في قضية التوازن أكثر من أي شيء آخر، وهي تجيب عن سؤال الكفاءة التي يطلبها التغيير في الأرض، حيث لا يمكن أن نصنع عالما ملائما ومتقدما ومسالما فقط بعقولنا وما تتيحه من إمكانيات وحسابات، بل إن للقلب مدخلا في الأمر، وهي كفاءة لا تقل عن الكفاءة العقلية، بل تفوقها بكثير، وقد حرص الأستاذ ياسين على الكفاءة القلبية لأنها الكفاءة التي تمنح السلام والإيمان والسعادة والمعرفة الحقة.

لتربية التي لا تتجاهل البعدين معا في تشكيل وإعادة تشكيل الإنسان، وإعداده للحياة المتوازنة وتربط حياته بآخرته.

تتحدثون في كتابكم عن الجهل الجديد الذي يلف الإنسان المعاصر، ماذا تقصدون؟

عبارة الجهل الجديد هي عبارة استعملها عبد السلام ياسين كما استعملها غيره، وهي في الأصل عنوان لكتاب طوماس دوكنانك، عميد كلية الفلسفة بكبيك في كندا وصاحب تآليف غاية في الأهمية من قبيل “في الكرامة الإنسانية”، والمقصود من ذلك إعادة قراءة تعريف أفلاطون للجهل المزدوج، فمع المعرفة التي اتسعت وتعقدت وتخصصت، هناك تنامٍ للجهل في أوساط النوع الإنساني المعاصر الذي يشعر بالسرور مع هذا الجهل الجديد، جهل هو سبب كل الشرور والحروب والصدامات، جهل يحمله الخبراء الذين يعيشون في الظل بعبارة أفلاطون والذين ينقلون فيروسه للعالم عبر وسائل الإعلام وقنوات الثقافة. الجهل الذي عبر عن نفسه في كوسوفو ورواندا وكمبوديا والعراق وفلسطين ومن خلال ملايين القصص المأساوية التي كتبت في الحربين العالميتين، وفي حرب الخليج وأفغانستان وغيرها..

لم تسهم العلوم والتخصصات في تطويق الجهل الجديد؟

للأسف الشديد كثرة العلوم لم تزد إلا حجب الجوهر الإنساني بكثرة المعلومات التي تغرق الإنسان في التفاصيل ولا تترك له فرصة لاستعادة وعيه بماهيته الحقيقية وبرسالته ووظيفته، وهذا معنى أن الإنسان بات يعرف كثيرا عن العالم ويعرف قليلا عن نفسه، هناك إلهاء وتضليل تمارسه التخصصات من حيث تدعي سعيها لإمساك الحقيقة وتطويقها، إنها لا تمسك إلا الحقائق الصغيرة، في حين تتجاهل الحقائق الكبرى لصالح أنانية الإنسان وجبروته ولامبالاته، التخصص قد يكون نفقا مظلما ومسدودا، لابد من كسر الحدود لأنها مجرد أوهام..

اشتغلتم على المشروع الفكري لعبد السلام ياسين، وكنتم أمينا لسر المؤتمر الذي جرى تنظيمه في اسطنبول عن مركزية القرآن في فكر الشيخ ياسين…فهل تجدون قراءة الجماعة لوضع المغرب السياسي حاليا أمينة في ترجمتها النواة الفكرية لفكره؟

لاشك أن هناك مبادئ كلية يرسو عليها فكر الجماعة لا تقبل المساومة ولا التفاوض، وهي التي تمنحها التوازن والرسوخ على المستويين النظري والعملي، وعلى رأسها الموقف من الحكم الفردي والاستبداد، فقد عاش الإمام ياسين طوال حياته يناضل بالكلمة والموقف من أجل أن يتحرر الناس من عبادة الفرد والطقوس البالية التي يجسدها النظام السياسي الحالي، ولأجل ذلك ترى الجماعة أن أي حديث عن الإصلاح بعيدا عن إعادة هندسة هذا النظام المركزي على أسس تعاقدية واضحة تصبح فيه الأمة صاحبة القرار، وتستبعد فيه كل الخرافات والشعوذة التي تحيط بالنظام وتمكن له في العقول والنفوس هو حديث يستهدف الالتفاف على كل نية صادقة في الإصلاح الحقيقي.

أطيح بالإسلاميين في مصر؛ واجبروا على التنازل في تونس، فيما حافظوا على مواقعهم بالمغرب..كيف تجدون مسارات حركات الإسلام السياسي فيما تلا الربيع العربي؟

في اعتقادي لابد من الإشارة إلى أن التاريخ ليس قطعا مستقلة بعضها عن بعض، وإن شئنا ان نكتبه فإننا سنحتاج لمدى أطول للحكم على اللحظة التاريخية التي سميناها بالربيع، فلربما يحتاج هذا الربيع إلى نفس أوسع حتى يعيد ترتيب نفسه خصوصا مع عمليات الإجهاض التي تعرض لها، والربيع لاشك أنه إن ذهب كما يحلو للبعض أن يعتقد فإنه سيعود، ولعله يعود أقوى، والإخفاقات التي حصلت ليست نهائية، لأن الجسم الحي والمليء بالجراح قد ينتفض في أي لحظة ليعلن عن ألمه من جديد ورغبته في التحرر من القيود التي عادت لتكبله.

وفي اعتقادي أيضا أن تجارب الاسلاميين ليست واحدة، فهناك في مصر وتونس كانت ثورات، أما هنا فلا يصح أن نتكلم عن ثورة، كان هناك مجرد حراك شعبي عبر عن نفسه بما أتيح له، ثم وقع الالتفاف عليه فلا يصح أن نقارن، لأن من التفوا على الحراك أنقذوا النظام من فرصة إصلاحية فريدة، بدأ فيها يشعر بحجم العاصفة إن عرف الناس طريق الحرية، والاسلاميون في مصر وتونس إن كانت لهم كبوات، وهي موجودة بلا شك، لأنها فعالية بشرية، فمرجعها إلى غياب تجربتهم في الحكم بالإضافة إلى عوامل إقليمية ودولية تحالفت على إفشال تجربتهم.

لا ينبغي أن ننسى أنهم ظلوا منذ بدأت تجاربهم يمارسون المعارضة التي لم يعرفوا فيها غير المنافي والسجون، وحين أتيحت لهم الفرصة، لاشك أن سوء تقدير المراحل الانتقالية بتطلعاتها وارتدادتها القوية، وهو موضوع _بالمناسبة_ لطالما نبه عليه الأستاذ ياسين رحمه الله ونبه إلى خطورة الانفراد بالمسؤولية في المنعطفات الحاسمة من تاريخ المجتمعات، كما أن سوء تقدير طبيعة التحولات التي تعرفها المجتمعات وسرعتها أيضا لم تمهلهم، فالكتلة الناخبة المتعاطفة ليست قطعة متراصة ومتماسكة من الاسمنت والحديد الذي لا يتزحزح، إنها خليط من اللاوعي المتطلب والشعور الحاد بالحاجة للكرامة والحلم المحلق بيوتوبيا وردية في واقع بارد وأسود لم يترك فيه المستبدون غير الأطلال والصناديق الفارغة.