1. حتى لا تنسينا الأحداث القضية

ونحن نتابع عداء الصهاينة المحتلين في بلاد الأقصى وفلسطين، واقتحامات باحات مسجد الأقصى، والتمادي في الغطرسة وتوسيع المستوطنات، وحصار وتجويع قطاع غزة، وحرمان شعب أعزل من حقوقه… نتذكر بآلام ومرارة الحروب الصهيونية الهمجية على بلاد المسلمين منذ ما يزيد على أكثر من نصف قرن، كان أخرها حرب يونيو 2014 المسعورة على غزة الأبية. حرب سبقتها حروب على شعب أعزل من كل شيء إلا من اليقين والإيمان والإرادة.

يخالج المؤمن الحر الأبي كثير من الحزن والغيرة على بلاد هي من أطيب بلدان الله تعالى؛ مسرى نبينا وقبلتنا الأولى وموطن تحن قلوب كل مؤمن إليه، أرض الرسالات ومهدها، جزء لا يتجزأ من بلادنا الإسلامية… قطر هجر شعبه واستشهد أحراره ورملت نساؤه ويتم أطفاله واجتث غرسه واستوطنت أراضيه وحوصرت بلداته وقراه ومدنه، وطوقت قطاعاته وحرقت مساجده وقتل مصلوها… كل هذا في زمن المواثيق الدولية و(حقوق الإنسان)!!

نستحضر القضية لنذكر أنفسنا وإخواننا المسلمين، ونعلم أبناءنا وكل الأجيال الصاعدة أن النصرة والموالاة في الله واجب ديني وفرض عيني، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ 1 قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله. فنسبتهم بطريق القرابة الدينية المبنية على المعاقدة المستتبعة للآثار من المعونة والنصرة وغير ذلك) 2 . قضية فلسطين والمسجد الأقصى والقدس قضية كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

2. مكانة فلسطين من مكانة القدس الشريف

إن مكانة فلسطين من مكانة القدس والأقصى الشريف. فالقدس بالنسبة للمسلمين جزء من عقيدتهم، وركن من ثوابتها فقد وصفها الله عز وجل في كتابه بأنها مقدسة: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ 3 . ووصفت بأنها مباركة في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ 4 ، كما في قوله تعالى أيضا: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ 5 .

ويكفي أن بها المسجد الأقصى وهو ثاني مسجد بني في الأرض. “فعن أبي ذر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: (المسجد الحرام). قال: قلت ثم أي؟ قال: (المسجد الأقصى). قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فَـصَـلِّـه فإن الفضل فيه)” 6 ، لقد وضع ادم عليه السلام قواعده بعد المسجد الحرام بأربعين عاماً. وهو القبلة التي صلى إليها المسلمون ستة عشر أو سبعة عشر شهراً) 7 . وهو أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى” 8 . وهو المكان المبارك الذي وطئته قدما رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليلة أسري به واختاره رب العزة سبحانه ليجمع فيه الأنبياء ليؤمهم حبيبه صلى الله عليه وسلم كما ورد في ما أخرجه الإمامان مسلم وأحمد في حادثة الإسراء والمعراج.

فالصلاة فيه على الراجح بألف صلاة، فعن ميمونة بنت سعد رضي الله عنها قالت: “يا نبي الله افتنا في بيت المقدس، فقال صلى الله عليه وسلم: “أرض المنشر والمحشر.. ائتوه وصلوا فيه فإن صلاتكم فيه بألف صلاة”. قالت: أرأيت من لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: “فليهد إليه زيتا يسرج فيه… فإنه من أهدى كمن صلى” 9 .

وفي الحديث: “أن الدجال يطوف بالأرض إلا أربعة مساجد: مسجد المدينة ومسجد مكة، والمسجد الأقصى والطور” 10 .

فهل يجوز السكوت واليهود الصهاينة اليوم يتآمرون عليه ويريدون هدم المسجد الأقصى وبناء هيكلهم على أنقاضه، والرسول عليه الصلاة والسلام؟ يذكر أن من مات دون ممتلكاته كان عند الله شهيد، فكيف بمن يُقتل على المقدسات؟

3. من أسباب النصرة

لنصرة قضيتنا لا بد من بذل الأسباب المستجلبة لنصر الله وعونه وتسديده، وهذا لن يتأتى إلا إذا تطلعنا إلى توبة ترفع عنا هذا الذل والهوان الذي تسربلنا به، ونصر ينقلنا من دركات المهانة والإذلال إلى درجات العزة والرفعة والسمو… نصراً يعيد لنا مجد أمتنا السابق والتليد.

ولاشك أن الناصر هو الله تعالى وحده… فهذه عقيدة المؤمنين التي لا يساومون عليها… ولا يشكون فيها… عقيدة ثابتة مغروسة في النفوس، ولكن الله تبارك وتعالى قد جعل لذلك النصر أسباباً وأمر بتحصيلها والاعتناء بها حتى تؤتي الشجرة ثمراتها، ومنها:

الإيمان بالله والتوبة من المعاصي

قال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ 11 ، وقال عز وجل: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ 12 . وقال أيضا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ 13 .

الصبر

قال تعالى: بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ 14 .

الإخلاص لله تعالى

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ 15 . وفي علامات الإخلاص الموجبة للنصر يقول سبحانه: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور 16 .

الإعداد المادي

قال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ.. 17 .

الائتلاف وعدم الاختلاف

قال تعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ 18 .

التوكل على الله والاعتماد عليه

قال تعالى: إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ 19 . وقال عز وجل: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه 20 .

التضرع بالدعاء إلى الله و اللجوء إليه

قال تعالى: وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 21 .

4. واجبنا تجاه فلسطين

كل مسلم مطالب بأن يفعل ما في وسعه لنصرة إخوانه بما استطاع دون تقاعس أو تخاذل، فالتعاون والتضامن ومنه البذل دليل صدق لإسلامه وإيمانه. قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا مَا آتَاها 22 ، وفي وسع كل مسلم أن يفعل أشياء كثيرة لمساعدة إخواننا في فلسطين منها:

1. الدعاء لهم: فهذا سلاح من أسلحة المؤمنين، وهذا الدعاء ليس موقفًا سلبيًا وإنما هو مشاركة قلبية وفكرية لها ما بعدها…

2. التبرع: فالفرد والأسرة مطالبون بالتبرع بالأموال قَلَّت أو كَثرت؛ فإنها رمز للتكافل والتضامن مع الشعب المظلوم المسلَّط عليه الطغيان الصهيوني.

3. لا بد من نشر الوعي بهذه القضية بين الأمة، بحيث يعلم القاصي والداني حقيقة هذه القضية، وأنها ليست خاصة بالشعب الفلسطيني، وإنما هي قضية دينية إسلامية تتعلق بديننا وكتاب ربنا؛ ولذلك إذا كان اليهود يُعَلِّمون أطفالهم بعض الأناشيد التي منها: “شُلَّت يميني إن نسيتُكِ يا أورشليم” فنحن أَولَى منهم أن نعلِّم أولادنا ونساءنا وسائر أفراد أمتنا أن القدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث صلَّى بالأنبياء عليهم السلام جميعًا إمامًا، وكان هذا إيذانًا ببيعته صلى الله عليه وسلم هو وأمته لكي يحملوا لواء الوحي الإلهي للبشرية إلى يوم القيامة.

4: مقاطعة بضائعهم وطرد سفرائهم ومكاتب تمثيلياتهم، ومقاطعة التطبيع معهم. ونبذ الحكام المتخاذلين المتواطئين بصمتهم، الذين هم أكبر بضاعة صنعها الاستكبار العالمي…

بهذا الوعي تتقوى الأمة وتوثق صلتها بالقوي الجبار منزل الأرزاق وناصر المؤمنين المحتسبين، فتستعصي الأمة مستقبلاً على العدو الغاصب بوحدتها ويقينها بما عند الله وليس بما عند أهل الهزيمة والخذلان من تطبيع واتفاقيات سلام على صناعة الأمريكان والصهيونية، وتصبح الأمة محصَّنة دينيًّا من الخديعة حتى يأتي وعد الله بالنصر على اليهود، وهو آتٍ لا ريب فيه إن شاء الله، إذا عُدْنا إلى الله سبحانه وتعالى وطبَّقنا ديننا تطبيقًا صحيحًا. والبداية بعد التوبة الصلاة في المساجد التي ترعب العدو، وفيها تتوحد القلوب وتنجمع الأمة على أتقى قلب رجل واحد.

ومن هنا نعلم أن الواجب الأول علينا أفرادًا وجماعات في هذه المرحلة هو عودتنا إلى الإسلام بشموله وعمومه، فإذا عدنا إليه اقتربنا من طريق النصر، ووضعنا أنفسنا وأمتنا على الطريق الصحيح للنصر على العدو مهما كانت قوته؛ لأن الله تعالى أقوى منهم.

قال الله تعالى: وَمَا النَّصر إِلا مِنْ عندِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم 23 .


[1] سورة التوبة من الآية: 71.\
[2] التفسير القدير، للإمام الشوكاني، ص 585.\
[3] سورة المائدة من الآية: 21.\
[4] سورة الإسراء الآية: 1.\
[5] سورة الأنبياء الآية: 71.\
[6] أخرجه البخاري ومسلم.\
[7] فتح الباري لابن حجر العسقلاني: 1/118.\
[8] متفق عليه.\
[9] أخرجه أبو داود، وابن ماجه بسند رجاله ثقات: 1-45.\
[10] أخرجه أحمد في المسند.\
[11] سورة غافر الآية: 51.\
[12] سورة الروم من الآية: 47.\
[13] سورة التحريم الآية: 8.\
[14] سورة آل عمران: الآية 124.\
[15] سورة محمد الآية: 7.\
[16] سورة الحج الآية: 41.\
[17] سورة الأنفال الآية: 25.\
[18] سورة الأنفال الآية: 46.\
[19] سورة آل عمران الآية: 160.\
[20] سورة آل عمران من الآية: 159.\
[21] سورة البقرة الآية: 250.\
[22] سورة الطلاق من الآية: 7.\
[23] سورة آل عمران من الآية: 126.\