حقوق الإنسان من المرتكزات الثلاثة التي تؤسس عليها الدولة الحديثة، بالإضافة إلى مرتكزي الديمقراطية والمجتمع المدني. بذلك لا تعتبر الدولة “حديثة” إن لم تحقق توازنا بين عناصر هذه المعادلة ثلاثية الأبعاد.

الأمم المتحدة تقيس أداء الدول وفق مؤشرات رقمية، تصنف بها الحكومات حسب درجة تحقيقها لحقوق الشعوب في التعبير عن الرأي وحق الصحة وحق الطفل في التعليم، ومستوى إدماج المرأة في التنمية وصناعة القرار، وكذلك حقوق الأقليات… عندما تظهر الأرقام الأممية المصنفة للدول، نجد أغلب الدول العربية في حرج كبير، بل لا تخفي امتعاضها ممن ينشر غسيلها للرأي العام الدولي والمحلي.

المغرب نموذج من هذه المنظومة العربية؛ كلما نشر تقرير أممي يعري واقعه الحقوقي مثلا، أو غردت جمعيات وهيئات خارج السرب الرسمي، ظهر أصوات حكومية أو غير حكومية تفصح عن قلقها ممن يحتج على تردي الأوضاع الحقوقية في البلد باتهام بعضهم بخدمة أجندات خارجية من أجل زعزعة استقرار مؤسسات الدولة، كالجامعات نموذجا، أو تلقي تمويل خارجي يدعم أنشطة تخدم أغراضا أخرى تحكمها نزعة تصريف أجندة منافية لقيم ومهام مؤسسات الدولة.

واقع عشناه ليلة وأيام عقد المنتدى الدولي لحقوق الإنسان بمراكش أيام 27-30 نونبر2014، تجلى ذلك من خلال:

1. قمع السلطات المخزنية بشكل وحشي وقفة طلابية أمام قبة البرلمان، حين عبر طلاب الجامعات المغربية عن استنكارهم لما تعرفه الساحة الجامعية وما تتعرض له الحركة الطلابية من استهداف وتدن وتراجع على جميع المستويات التعليمية والاجتماعية والحقوقية، مستحضرين إقدام فرق الأغلبية بالبرلمان على تقديم مشروع قانون تكميلي للقانون الجنائي “ضد العنف الجامعي”، وهو المشروع القاضي، بتقييد حرية العمل النقابي الطلابي في ساحات الجامعة والذي يعتبر حقا دستوريا تضمنه المواثيق المحلية والدولية، إذ يوظف هذا المشروع أحداث معزولة توظيفا أمنيا قصد تجريم حق التظاهر بالجامعات.

2. التغطية الإعلامية الرسمية لأشغال المنتدى التي تقدم المغرب “النموذج المثالي” في حقوق الإنسان والذي يجب أن يكون قبلة كل من أراد أن يستفيد من تجربته الرائدة.

3. التصريحات الرسمية التي تدعي أن احتضان المغرب للدورة الثانية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان يعد انتصارا كبيرا، واعترافا دوليا بالإنجازات التي حققها المغرب في مجال حقوق الإنسان.

ومن أجل إبراز المخفي من كومة الجليد لمنظومة حقوق الإنسان والمهددة بالانهيار بسبب السلوكيات الطائشة لأجهزة القمع، نظمت هيئات حقوقية وقفتين سلميتين بمراكش أمام مكان انعقاد المنتدى قصد التعبير عن رفضهم لفلكلورية الحدث.

الهيئات الرافضة لهذا المنتدى كانت ممثلة بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، وشباب حركة 20 فبراير، وجمعية أطاك المغرب، وجمعية الحرية الآن، وعائلات من بقوا من المعتقلين السياسيين في ملف بلعيرج، وعائلة وأصدقاء الشهيد كمال العماري رحمه الله، والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وجمعية بدائل للحقوق والحريات، وواكب الوقفة حضور مهم للإعلام الوطني والدولي.

صدر عن هذه الهيئات الحقوقية بيان تلته الأستاذة خديجة الرياضي الحائزة على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، يعبر عن عدم رضا المحتجين عن أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، واستنكارهم للهجمة الشرسة التي شنتها الدولة المغربية خلال الشهور الأخيرة على الجمعيات الحقوقية ومطالبتهم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وضمان الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين…

وبعد؛ إن حقوق الإنسان ليست مناظرات ومناقشات في الصالونات بل ممارسة وتطبيق وإرادة سياسية تقطع مع ماضي وحاضر الفساد والاستبداد.